حافية على جسر عشقي بقلم سارة محمد الجزء الخامس
لم يتكبد عناء النظر لها و هو لازال ينظر لكيس الملاكمة ولم يعيرها أنتباه، لتشدد “ملك” على عناقة، فلم تتحمل لتجهش بالبكاءٍ عندما لاحظت بروده، لتدفن “ملك” أنفها بصدره قائلة بنبرات مهتزة:
-لما كنت صغيرة وكنت بعمل حاجة غلط حتى لو كانت تافهه، كان بابا واللي حرام يتقال عليه أب، كان بيحبسني في أوضة في البدروم، الاوضة دي كان معروفة أنها باردة أوي وفيها فيران منهم اللي أتجمد من كُتر البرودة اللي فيها، كانت ضلمة أوي أوي لدرجة أنك تبقى مفتح كأنك مغمض بالظبط، لما ماما كانت تحاول تطلعني وتزعق معاه كان بيحبسها في أوضتهم و بينزل فيها ضرب، حتى باسل ومازن مكانش بيخليهم يقربولي أو يطلعوني من الأوضة، وبابا دايماً كان يحاول يشتت أنتباه ظافر عشان ميعرفش أني في الأوضة دي، لأن هو الوحيد اللي يقدر يطلعوني منها عشان بابا مكنش بيرفضله طلب، ولما كان بيعرف أني في الأوضة دي بيزعق معاه وبيطلعني، ولما كان يشيلني ويوديني أوضتي جسمي بيبقى متلج وشفايفي زرقا من البرودة، ماما كانت تفضل سهرانه جنبي طول الليل رغم جسمها المهدود من كُتر الضرب، لحد م جالي فوبيا من الضلمة، في الأول لما كنت بدخل الأوضة كنت بفضل أصرخ و أصرخ عشان ظافر يطلعني، قلبي كان هيقف من الخوف وانا سامعة صوت الفيران جنبي و البرد اللي في الأوضة والضلمة!!!!
أنزل ذراعيه من على كيس الملاكمة بعينان تتوسع شيئاً فشيئاً، يكاد يجن مما كانت تُعانيه حبيبته. ليحاوط خصرها بذراعٍ، وبالأخر أمسك بعنقها من الخلف ليضمها له مغمضاً عيناه، وشهقاتها تنفطر لها قلبه!!!!
تابعت “ملك” مشددة على أحتضانه وكأنها تستمد القوة منه لتهتف بشهقات باكية:
– عشان كدا لما كنت بتيجي وأنا صغيرة كنت بجري عليك و أترمي في حضنك و أعيط، مكنتش عارفة ليه بعمل كدا أو حتى لما بتسألني مالك مكنتش عارفة أقولك أيه، بس أنت أماني يا جواد حُضنك كان بينسيني أي حاجة وحشة عملها معايا، مكنتش قادرة أقولك على اللي بيحصل عشان عارفة أنك مكنتش هتسيبه، ولحد لما كبرت وأنا لسة بخاف من الضلمة أو أني أبقى لوحدي، أنا بكرهُه يا جواد ولما مات بالكانسر كان كله بيواسيني ويطبطب عليا ومش بيصدقوا لما كنت أقولهم أني كويسة، لما طفيت النور وحضنتني والله مكنتش هعمل حاجة ولا هعيط وكنت هنام في حضنك عشان أنا لما ببقى معاك بنسى أي حاجة، بس أنا شوفته يا جواد، شوفت عيونيه الخضرا واللي كانت منورة في الضلمة و هو بيبرقلي، نفس البصة اللي كان بيبُصها لما بيدخلني الأوضة، لما قولتلك أبعد عني مكنش قصدي أنت والله، أنا كنت بقوله هو اللي يبعد مش أنت!!!!!
أجهشت في بكاءٍ مرير ليحتضنها “جواد” بقوة لتفر دمعة من عيناه أزالها ببطئ، يمسح على خصلاتها الطويلة وهو يُخفي جسدها الضئيل بجسده الضخم، يهدئها بكلماتٍ حنونة جعلت رأسها ترتخي على صدره، أنحنى بجزعه ليضع ذراع خلف ركبتيها والأخر على ظهرها، ليحملها بخفو كالريشة بين ذراعيه، لتستند هي برأسها على كتفه، تحاوط عنقه بذرايعيها، أتجه بها إلى غرفتهما التي غادرتها “إيناس”، ثم دفع الباب بقدميه ليغلقه، ترك الأنوار مفتوحة لتتمسك هي بعنقه ثم هتفت:
– أطفي النور!!!!!
