حق منسي بقلم مايا خالد
غبار المقابر ووصية في بالها
كانت الأصوات خارج البهو الكبير في دار الحاج جابر الهواري تشبه حفيف الريح المحملة بأتربة الصعيد؛ همسٌ مبحوح لمواويل الحزن، ونحيب دافئ تصدره قعدات الحريم اللاتي ملأن الصالة الداخلية للدار.
جلسَت أمينة في زاوية بعيدة على مقعد خشبٍ عتيق، لافةً شالها الأسود حول كتفيها الضئيلتين، حاطةً يديها المرتعشتين في أحضانها. كانت عيناها معلقتين بفتحة البوابة الحديدية الخارجية المقوسة التي تطل على الشارع الترابي العريض.
كان رجال العيلة والبلد كلهم في المدافن، يوارون جثمان أبيها “محمود” التراب في مسقط رأسه وبين أجداده.
الصعيد الذي طالما سمعت عنه في حكايات أبيها الدافئة كقصة بعيدة، لم تطأه قدمها قط إلا اليوم… في يوم دفنه.
لم يكن عقل أمينة حاضرًا مع النساء اللاتي كن يترددن عليها بين الحين والآخر، يطبطبن على كتفها بكلمات تعزية مكررة: «شدة وتزول يا بنت محمود»، «ربنا يصبر قلبك يا حبة عيني، أبوج كان راجل زين».
كان عقلها حبيس تلك الليلة الأخيرة في إسكندرية، في الشقة البسيطة التي تتنفس رطوبة البحر، ولحظة ما أُصيب أبوها بأزمته الأخيرة. تذكرت كيف قَبض على يدها بقوةٍ لم تتوقعها من جسده المنهك، وقرّبها منه بجهدٍ أخير قبل أن تهرع به عربة الإسعاف، وهو يهمس في أذنها بجملة باتت تتردد في أرجاء جمجمتها كالصعداء:
— وحي لجدك، واسمعي كلامه وأسألي عن الأمانة وعاصم فاهمة.
بلعت غصتها الحارقة وشخصت بصرها نحو الباب، واسترجعت كلام أبيها النادر عن ابن عمها الكبير عاصم الهواري. ذلك الرجل الذي كان محمود يصفه لنفسه دايمًا بنبرة شوبها الحذر والمهابة: «لو دخل مجلس يا أمينة، الكلام يسكت لوحده… عاصم مش راجل سهل، بس طول ما إنتِ في ضهره، محدش يقدر يقربلك.»
وفجأة، تغيّرت نبرة الحركة في الشارع. توقفت أصوات النحيب الداخلي، وأعلن وقعُ الخطوات الثقيلة المتزاحمة على التراب عن رجوع الرجال من المقابر.
دخل الحاج جابر الهواري أولاً، متكئًا على عصاه الأبنوسية وجسده المنحني بفعل السنين والحزن على أصغر أبنائه، وخلفه مباشرةً خطى عاصم.
وقف عاصم على أول عتبة حجرية تفصل البهو عن الفناء.
كان لابسًا جلابية بلدي غامقة شديدة الأناقة، وشاله الملفوف بعناية يضفي على هيئته حزامًا من الهيبة. في يده مسبحة سوداء بيضاء الحبات بيحركها ببطءٍ شديد ورزانة ثقيلة. فارع الطول، عريض المنكبين، بملامح حادة كأنها نُحتت من صخر الجبل، ودقن خفيفة مرسومة. أما عينيه، فكان فيهما نظرة حادة، هادئة، وباطش المظهر دون أن يتكلم.
أول ما وقعت عيناه على أمينة الواقفة وسط النساء، توقفت حبات المسبحة بين أصابعه.
وقفت أمينة في مكانها، ورغم حزنها وكسرتها، رفعت رأسها ببطء لمواجهة تلك الهيبة التي ملأت الفراغ حولها.
خطا عاصم خطوات متمهلة نحوها، وثبت نظره عليها بنظرة تقييمية عميقة، باردة ومحملة بوقار الموقف، خالية تمامًا من أي انفعال أو خفة.
وقف على بعد خطوات منها، وتحدث بصوت خفيض، تقيل، وله نبرة صمت مهيبة تجبر من أمامه على الإصغاء:
— إنتِ أمينة؟
تأملت أمينة ملامحه الصارمة للحظة، وحست بثقل الهيبة التي حكاها أبوها عنه، فردت بصوت هادئ ومكسور لكنه ثابت:
— أيوة… أنا أمينة.
لم يبتسم عاصم، ولم يغير نبرته، بل اكتفى بهزة رأس واحدة خفيفة تحمل التقدير والواجب، ثم أبعد عينيه عنها بوقار ليفتح الطريق لجدها كي يحتضنها، بينما بقي هو واقفًا في خلفية المشهد كالسور الحصين… دون أن تدري أمينة أن خلف هذا الصمت الهادئ يختبئ السر الذي سيقلب حياتها رأسًا على عقب.
❤❤❤
