كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

لم تعد داليا إلى حديقة الأزهر في الجمعة التالي، بينما انتظرها آدم لأكثر من ساعة، جلس على المقعد الحجري، ووضع دفتره إلى جواره، وكلما ظهرت امرأة بوشاح عاجي رفع رأسه ثم أعاده بخيبة صغيرة، وهو يلوم نفسه لأنه جاء، فلم يكن بينهما موعد، ولم يأخذ حتى رقم هاتفها، وكل ما امتلكه عنها اسم قصير، ونظرة رفض مهذبة، ومع ذلك ظل ينتظر.
وفي نهاية الساعة الثانية لملم أدواته، وقبل أن يغادر التفت للمقعد مجددًا، وزفر بضيق من نفسه ونكس رأسه، حينها لمح على الأرض أسفل المقعد ورقة مطوية فانحنى والتقطها، فوجدها صفحة ممزقة من كتاب قديم، لم يكن فيها سوى سطر واحد محدد بقلم رصاص:
“بعض الأماكن لا نذهب إليها لنكون سعداء، بل لنتذكر أننا كنا كذلك يومًا”
ظل آدم يحدق في الجملة طويلًا، وتساءل تُرى هل تركتها داليا عمدًا، أم سقطت منها سهوًا، لكنه في النهاية احتفظ بها ككنز صغير.
أما ما منعها من الذهاب إلى الحديقة، اضطرار داليا للذهاب إلى عملها، فها هي تجلس أمام شاشة الحاسوب، تحاول مراجعة كشف حساب طويل لتجد الخلل، وقد بدا المكتب مزدحمًا على غير العادة بأصوات الطابعات والهواتف، وبموظفين تم جمعهم للعمل على نحوٍ طارئ، فوضعت داليا يدها فوق صدرها، وقد بدأ الضيق الذي يلازمها يزداد تلك المرة دون تراجع، فحاولت أن تتنفس ببطء عله يخف بعض الشيء، ثم فتحت درج مكتبها وأخرجت البخاخ، والتفتت حولها قبل أن تستخدمه، فهي حتى الآن لا تزال تخشى أن يراها أحد، فجأة جلست إلى جوارها زميلتها سمر وسألتها بقلق:
– مالك يا داليا؟
هزت داليا رأسها بارتباك وقالت بوهن رغمًا عنها:
– مفيش، دي بس حساسية بسيطة.
– بس أنت وشك أصفر زيادة عن اللزوم؟
– تلاقيه من السهر ما أنت شايفة طول الأسبوع كنا عاملين إزاي، وأهو حتى اليوم الاجازة في الشغل.
– معاكِ حق، بس أنتِ لازم تاخدي بالك شوية من صحتك.
ابتسمت داليا ابتسامة متعبة.
– حاضر يا سمر، وشكرًا لاهتمامك.
ربتت سمر على يد داليا برفق، فأحست بارتجافها، وازداد قلقها عليها، لكنها لم تستطع فعل شيء، فضغط العمل اليوم فاق كل توقع.
بعد دقائق، دخل مدير الحسابات وطلب منها تجهيز ملفين قبل نهاية الدوام، فأومأت داليا وبدأت العمل، رغم علمها أنها لن تستطيع إنجاز المطلوب منها كله، لكنها لا تملك رفاهية الاعتراض، فهي بحاجة إلى كل حافز إضافي يزيد من راتبها، كي تستطيع مواجهة متطلبات الحياة، ومصاريف جامعة أريج، وايجار الشقة الذي فرضه عليها عمها، وكل يوم يطالبها بزيادته.