كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

– الحمد لله إني هاخد له خبر كويس.
ظلت الحياة هادئة بينهم لبعض الوقت، ما بين لحظات قوة والكثير من لحظات الضعف، حتى جاء التدهور أسرع مما توقع الجميع.
فاشتدت نوبات الربو، وأصبحت الذئبة تؤثر في رئتيها وأعضاء أخرى، وأخبرت الطبيبة آدم أن العلاج يختلف في الاستجابة من شخص إلى آخر، لكن جسدها كان قد أنهكه المرض والعمل والخوف.
فنقل آدم مرسمه إلى البيت، وعلق لوحاته على الجدران، وأغلق الستائر القوية، ووضع إلى جوار فراشها طاولة صغيرة عليها ألوان وفرش، لم يعد يرسمها كما كانت فقط، بل صار يرسم كل شيء، يدها فوق كوب الشاي، وأريج وهي تقرأ، ووالدته وهي تطهو، حتى كريم وهو يصلح إطارًا مكسورًا، وحتى علبة الدواء التي صارت جزءًا من يومهم.
وذات مساء جلس كريم بالقرب من آدم وقال:
– على فكرة أنت مش بترسمها بس، أنت بتحاول توقف الوقت.
أجابه آدم بصدقٍ دمغه الحزن:
– ولو وقفته دقيقة واحدة، تبقى كفاية.
وفي إحدى الليالي، عثر كريم على لوحة داليا خلف الخزانة، فحملها ووضعها أمام آدم وقال:
– لقيتها وأنا بدور على إطار.
حدق آدم فيها طويلًا. كان وجهه غير مكتمل، لكن عينيه واضحتان، وفي الخلفية لم ترسم داليا جدران المرسم، بل نافذة مفتوحة يدخل منها الضوء.
فتنهد كريم حين رأى شرود صديقه وقال:
– داليا هي كمان كانت بترسمك.
جلس آدم أرضًا، وأسند ظهره إلى الخزانة، لم يبكِ في البداية، وإنما ظل يمرر أصابعه فوق وجهه المرسوم، دون أن يلمسه، فلامست يده شيءٌ بارز بالخلفية، فأدار اللوحة فوجد ورقة مطوية، سحبها برفق كي لا تتمزق، وفردها بأصابع مرتعشة وقرأها مرة، ثم أعاد قراءتها، كانت كلمات داليا المدونة تخبره بالكثير…
آدم… لو وصلت لك الرسالة، يبقى أنا مقدرتش أكمل اللوحة، فأرجوك متزعلش مني ولا منها، عشان أنا أتعلمت وأنا معاك، إن بعض الحاجات، لازم تفضل ناقصة، عشان نفتكر إن الحكاية نفسها مخلصتش.
وشكرًا لأنك مبصتش لي كحالة مريضة، ولا كواحدة لازم تتحب رغم مرضها، وشكرًا لأنك شفتني زي ما أنا، حتى في الأيام اللي أنا نفسي ماكنتش قادرة أشوف فيها نفسي.
شكرًا على كل ضوء قفلته عشاني، وعلى كل ظل رسمته حواليا، وعلى كل مرة خفت فيها وأنا خوفتك معايا وما مشيتش.
كنت فاكرة إنك بتنقذني، لكن الحقيقة إنك علمتني أعيش قبل ما أمشي.