كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

جلس ممسكاً بهاتفه، ينظر إلى الشاشة دون أن يفتحها، فلاحظت نوال ذلك من باب المطبخ، فتركت في يدها واقتربت منه، وقالت:

– مالك بتبص لي كده ليه؟

رفع رأسه، وكأنه فوجئ بوجودها وسألها بسهو:

– بتقولي إيه؟

– بقول إنك من وقت ما دخلت، وأنت شكلك مضايق، وكل شوية تبص لي بصة غريبة.

لم يجبها وأعاد الهاتف إلى جيبه، وحاول أن يبدو عاديًا وهو يجيبها:

– مفيش حاجة ده بس اجهاد من الشغل.

لكنها لم تقتنع بكلماته، وجلست أمامه، بعدما قررت محاصرته لتعلم ما يخفيه عنها، وقالت:

– إلا أنت بتعامل بنات أخوك كده ليه؟ على فكرة أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك عايز تطردهم من شقتهم.

تغيرت ملامح وجهه ونظر إليها بعيونٍ حادة وقال:

– أنتِ مين اللي قال لك إني هطردهم؟

– مش محتاجة حد يقول لي؟ ما أنت مش مخبي، وكل يوم والتاني تتصل بداليا وتكلمها عن الإيجار والشقة والزيادة، ولا كأنها غريبة عنك مش بنت أخوك.

وقف عن الأريكة وابتعد خطوتين، ليضع مسافة بينه وبين سؤالها، ثم أشاح بوجهه عنها وقال بغلظة:

– خليكِ في حالك يا نوال، بنات المرحوم أخويا وأنا حر فيهم.

– يعني إيه حر فيهم؟ يا فريد اتقي الله دول بنات يتامى، ملهمش حد في الدنيا غيرك دلوقتي.

زادته كلماتها هياجًا فزجرها بنظراته قبل أن يسألها بحدة:

– هو الكلام ده منك ولا من حد تاني؟ عمومًا يا نوال يا ريت تخليكِ في بيتك، وأبعدي نفسك عن موضوع البنات، عشان متزعليش مني.

ختم قوله ثم سار نحو الباب، وأمسك بمفاتيح سيارته من فوق الطاولة، وخرج دون أن يلتفت إليها، بينما ظلت نوال تتابعه بعينين لم تعودا مطمئنة كما كانتا، فتصرفاته الأخيرة وتكتمه المبالغ فيه، زرع الشكوك داخلها، رغم أنها لا تملك دليلًا على شيء، لكنها للمرة الأولى تشعر أن الصمت الذي اعتادت أن تثق فيه، صار يخفي شيئًا لا تريد معرفته الآن، وتخشى أن تعرفه لاحقًا.

وها هو الأسبوع يمضي، وأتت الجمعة، فذهبت داليا إلى حديقة الأزهر، لم تكن تنوي رؤية آدم، وأقنعت نفسها بأنها جاءت فقط لأن المكان يهدئها، ولأنها احتاجت إلى الهواء، ولأنها لم تعد قادرة على الجلوس في البيت وسماع أريج تتظاهر بالطمأنينة. لكنها وجدته هناك، يقف عند المقعد نفسه، يمسك بدفتره، ويبدو كأنه جاء قبلها بوقت طويل، وحين رآها لم يبتسم واكتفى بالنظر إليها، ثم أغلق الدفتر. فسألته بتردد وهي تقترب:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *