كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

كما رآني…

ما أجمل بوادر الشتاء، حين تستعد السماء بغيومٍ خفيفة تحوم حول سماء القاهرة، ونسمات هواء تحمل برودة رقيقة، برودة لم تستطع إخلاء حديقة الأزهر في صباح الجمعة من روادها، لكنها كانت كافية لتمنح الأشجار رائحة البلل قبل المطر، وفي الطرف البعيد من الحديقة، حيث تظهر القلعة من بين الأشجار، جلست داليا كعادتها كل جمعة على المقعد الحجري نفسه.

لم تختر داليا المكان لهدوئه فقط، بل لأن والدها كان يصطحبها إلى الحديقة في طفولتها، ويبتاع لها كيسًا من الحلوى، ويتركها تركض بين الأشجار حتى تتعب، ثم يجلس بجوارها ويطلب منها أن تحكي له ما رأته في الطريق. لكن بعد رحيله، لم تعد الحديقة مكانًا للتنزه، بل باتت المكان الوحيد الذي تجلس فيه لتعيش لحظات مع الماضي.

كانت ترتدي معطفًا رماديًا خفيفًا، وتلف حول رأسها وشاحًا حريريًا بلون العاج، لم يكن الوشاح يدفئها بقدر ما كان يمنحها مساحة تختبئ داخلها، فقد امتد طرفه حتى غطى جزءًا من وجهها، ولم يظهر منه إلا عيناها وبعض الخصلات السوداء التي أفلتت من مشبك شعرها.

وفي يدها كتاب قديم، لكنها اليوم وعلى غير العادة، لم تستطع قراءة أي كلمة منه، وكلما حاولت التركيز شعرت بضيق خفيف يضغط صدرها، فوضعت راحة يدها على موضع قلبها، وانتظرت حتى يستقر تنفسها.

ومن خلف شجرة ضخمة، وقف آدم يراقبها، وهو يتساءل عن اسمها؟ ولما تجلس بمفردها كل جمعة؟ ولما تحدق إلى القلعة طويلًا قبل أن تفتح كتابها؟ والأهم لماذا تجذب الوشاح حول وجهها كلما مر أحد بالقرب منها؟

تنهد بهدوء، فالشيء الوحيد الذي يدركه بيقين، أن عينيها لا تشبهان عيون العابرين، بحزنهما الصامت، الذي ينذر الناظر إليهما من الشفقة، حزن يشابه ليل القاهرة ولحظات الغروب، الذي يترك في الأفق خيطًا خافتًا من الأمل.

سارع آدم وفتح دفتره وأمسك قلم الفحم، ثم بدأ يضع الخطوط الأولى للقلعة أولًا، ثم الأشجار المحيطة، والظل الممتد خلف المقعد الحجري، وبعد لحظات وجد نفسه يرسم يدها وهي تمسك بإحدى صفحات الكتاب.

فجأة توقف ليقر أنه رسمها أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية، ومع ذلك لم يستطع الاقتراب منها، خشية أن يفقدها بمجرد أن يعرفها، فبعض الأشياء في رأيه، تكون أجمل قبل أن تتحول إلى حقيقة فتضيع.

وعلى حين غرة جذب انتباهه صوت سعال، فرآها تضع الكتاب بجوارها، وتدير وجهها قليلًا ثم تخرج من حقيبتها بخاخًا، استخدمته سريعًا وأخفته قبل أن يلتفت إليها أحد.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *