كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

– كنت مستنيني؟

– لا كنت مستني الكرسي.

– وعلى كده هو اتأخر؟

نظر إليها بلوم وقال:

– أيوه، اتأخر كتير.

لم تستطع منع ابتسامتها، وجلسا كما جلسا في المرة الأولى، لكن تلك المرة لم يكن بينهما ذلك القدر من الحذر، رغم أنه لم يختفِ تمامًا، بينما نظر إليها آدم وقال:

– أنا فكرت إنك مش هتيجي تاني.

– وأنا فكرت إنك هتزهق.

– زعلتي إني مزهقتش؟

نظرت إليه بطرف عينها وقالت:

– معرفش.

هبت نسمة باردة، فشدت داليا الوشاح حول عنقها بارتباك، فلم تغب الحركة عن آدم لكنه لم يعلق. وأخرج من حقيبته كوبين من الشاي وقال:

– جبت لكِ شاي من المكان اللي عند البوابة، ومش عارف بتحبيه بسكر ولا لأ، عمومًا السكر اهو.

ترددت قبل أن تأخذه، وابتسمت قائلة:

– أنت بتفتكر التفاصيل كلها؟

– التفاصيل هي اللي بتفضل لما الناس تمشي.

وضعت يدها حول الكوب، واستشعرت دفئه، وقالت:

– أنت بتقول كلام كبير أوي.

– كريم بيقول إني لما أتوتر بتحول لخطيب جمعة.

– كريم مين؟

– صاحبي مهندس، وناقد فني من غير ما حد يطلب رأيه.

– شكله شخص مهم.

– هو بيحب يصدق كده.

– وأنت؟ بتصدق؟

نظر آدم إلى كوب الشاي وقال:

– أحيانًا عشان مفيش حد غيره بيصدقني.

سكتت داليا للحظات فهي تعرف جيدًا قيمة هذا الصمت، كونه لا يحتاج إلى ملء وإنما يتيح الفرصة للنفس لتنصت، بعد دقائق سألها آدم:

– ممكن أوريك حاجة؟

فتح دفترًا آخر، وأخرج منه رسومات عدة: شجرة، امرأة مسنة تطعم الطيور، طفل يركض خلف طائرة ورقية، وبائع ذرة يقف أمام عربة صغيرة، فتأملت داليا الرسومات طويلًا قبل أن تسأله:

– أنت بترسم الناس وهي مش واخدة بالها؟

– أيوه.

– ليه؟

– عشان الواحد بيبقى أصدق وهو فاكر إن محدش شايفه.

أغلقت الدفتر وأعادته إليه وأقرت:

– هي وجهات نظر بس أنا شيفاها مش رسومات، دي مراقبة.

– بس الفرق بينهم إن المراقبة فيها رغبة في الامتلاك، لكن الرسم فيه محاولة للفهم.

نظرت إليه طويلاً، ثم قالت:

– وأنت بتحاول تفهمني؟

– آه.

– طب ولو فهمتني، هتعمل إيه؟

– غالبًا هخاف.

ضحكت لصدقه الواضح بعينيه، فعلى ما يبدو وأن مرآته تعكس حقًا ما بداخله، بينما التفت آدم ونظر إليها كمن يخشى أن تختفي قبل أن يثبتها في ذاكرته، فعقبت لتشاكسه رغمًا عنها:

– الظاهر إني طلعت مش سهلة.

– وأنا مش بدور على السهل.

– ولا أنا.

كان في ردها شيء جعل قلبه يضطرب، وفي نهاية اللقاء، تجرأت داليا وسألته:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *