كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

– ويا ترى الدكتورة اللي كشفت عليكِ من سنة ونص، قالت شاكة فإيه عشان تطلب التحاليل الكتير اللي متعملتش؟

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء وأردفت بصوتٍ هامس بالكاد وصل إليه:

– قالت إن الاعراض اللي بحس بيها أعراض ذئبة حمراء.

ظل آدم ساكنًا ولم يبد أي ردة فعل، فراقبته داليا بقلق وقالت بابتسامة باهتة:

– متبصليش كده، لما أعمل التحاليل هتأكد.

– أنا مش عارف أبص لك إزاي؟

– بص عادي يا آدم.

– أنا خايف يا داليا.

قالها دون تردد، فنظرت إليه، رأت الخوف واضحًا في عينيه، دون أي شفقة ولا محاولة لإخفائه عنها، بينما اقتربت يده من يدها، ثم توقفت قبل أن تلمسها، ولاحظت تردده، فوضعت يدها فوق يده بنفسها، بأصابعها الباردة التي زادت من خوفه عليها، ليسمعها تخبره:

– متخافش على الأقل دلوقتي.

قالتها ثم أضافت:

– يعني لسه بدري.

أغلق آدم يده حول يدها بحذر وأردف بثبات:

– على فكرة أنا قولت خايف، مش ههرب وفي فرق بينهم كبير.

نظرت إليه بحزن وقالت:

– متقولش وعود كبيرة.

أجابها بصدق:

– ده مش وعد.

– أومال إيه؟

نظر إلى يديهما وقال بثبات:

– قرار.

ارتجفت شفتاها وحاولت أن تبتسم، لكن عينيها امتلأتا بالدموع فأشاحت بوجهها وقالت:

– بس أنت لسه عارفني من كام أسبوع يا آدم.

– ساعات العمر كله مش كفاية عشان نفهم حد، وساعات لحظة واحدة تكشف حاجات مبتكشفهاش السنين.

سحبت يدها برفق، ومسحت دمعة نزلت على وجنتها قبل أن تسقط، وقالت:

– بس أنا مش عايزاك تهتم بيا، وتقرب مني عشان أنا تعبانة.

– وأنا مش عايزك تفتكري إنك لازم تبقي سليمة، عشان حد يقرب منك ويهتم بيكِ.

ثم أضاف بصوتٍ هامس:

– ويحبك.

ظل المطر يهطل خلف الزجاج، بينما ظل الاثنان صامتين في المرسم المعتم.

وفي تلك اللحظة، لم يرسم آدم شيئًا، ولأول مرة منذ عرف داليا، شعر أن بعض اللحظات لا يجوز تحويلها إلى لوحة.

وفي الأيام التالية، حاولت داليا أن تتصرف كأن شيئًا لم يتغير، كانت ترد على رسائله بابتسامات قصيرة، وتؤجل إصراره على إجراءها التحاليل وزيارتها للطبيبة كلما استطاعت، لكن جسدها لم يمنحها فرصة طويلة للإنكار، فازداد الإرهاق وصارت آلام المفاصل توقظها قبل الفجر، وظهرت على وجهها حُمرة غريبة بعد يوم قصير قضته قرب نافذة المرسم.

وفي صباح اليوم الرابع، وجدتها أريج جالسة على حافة الفراش، عاجزة عن ارتداء حذائها، وعللت داليا حالتها بأنها تناولت بعض الطعام الحار، وهو ما سبب لها تلك الحمرة والوهن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *