كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

وظل آدم يراقبها، وحين سمعها تردد الشهادة بهدوء، رددها معها بجلد، حتى جاء النفس الأخير هادئًا، ثم سكن كل شيء.
فاحتضن يدها بكلتا يديه برفق، وسالت دموعه في صمت، وانحنى فوقها ولثم جبهتها، أما أريج فدفنت وجهها بين ذراعي فاطمة، فيما استمر صوت القرآن في الغرفة، وظلت اللوحة بمكانها أمامهم، مضيئة رغم رحيل صاحبتها.
مرت الشهور ثقيلة، ولم يعد آدم إلى الرسم، وظل المرسم مغلقًا واللوحات مغطاة، يجلس بجوار والدته صامتًا لساعات، ثم يعود إلى غرفة داليا.
أما أريج، فحاولت أن تبدو قوية، والتحقت بعمل جزئي إلى جانب دراستها، وبدأت تتولى بعض شؤون المحل بعد تثبيت حقها فيه، لكن ما أن وصل الخبر إلى سمع آدم، حتى وقف أمامها وأردف بصوتٍ صارم:
– أختك ضحت عشان تكملي دراستك، مش عشان تكملي تضحية زيها.
أثنت فاطمة على قراره، وعادت لتتولى شؤون أريج، وتتابع دراستها، تضع لها الطعام بجوارها، وتلومها إذا تأخرت، وتترك لها باب المنزل مفتوحًا من أجلها.
وفي أحد الأيام، لم يدر آدم ما السبب الذي دفعه لدخول المرسم، وقف في منتصف يتأمل اللوحات التي كاد الغبار يعلوها، فاتجه صوب النافذة وفتحها، ليغمر النور الغرفة، وعاد ووقف أمام لوحة زوجته التي تركتها له، فكر للساعات وهو يحدق بها، أن بإمكانه إنهاء الناقص بها، فهو يعرف أين يجب أن يضع اللون، وكيف يملأ الفراغ بين الكتف والنافذة، لكنه تذكر رسالتها، فقرر أن يتركها كما هي، حتى لا تختفي لمسات داليا أسفل لمساته، لكنه صنع لها إطارًا باللون العاجي، وعلق إلى جوارها رسالتها.
وبعد مرور عام على وفاة داليا، أقام آدم معرضه الأول اختار له عنوانًا:
“الجمال الذي لا يذبل”
لم يعرض لوحاته عنها باعتبارها حكاية مرض، وإنما هي قصة تحكي عن رحلة امرأة، عاشت رغم كل ما حاول أن يحول بينها وبين الحياة.
كان هناك العديد من اللوحات تخبر الكثير عنها، لوحة للحديقة، وأخرى للوشاح، وثالثة ليدها فوق الكتاب، ولوحة لها وهي تضحك وهي تعد الطعام، وأخرى لأريج نائمة على كتفها.
وفي القاعة الأخيرة، عُلقت لوحتان متجاورتان، لوحته الكبيرة لداليا، ولوحتها غير المكتملة لآدم.
ووقف الناس أمامهما طويلًا، فالتفت إليه أحد الزوار وسأله بفضول:
– مين رسم اللوحة الصغيرة؟
أجابه آدم بحب:
– زوجتي.
– هي فنانة كمان؟