كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

لم يكن في حركتها ما يلفت الانتباه، فهي تبدو دقيقة ومدربة، وكأنها عاشت طويلًا وهي تخفي تعبها عن العيون، تنهد مجددًا وهو يغلق دفتره، وظل يتأملها للحظات، يراقب ارتجاف أصابعها وهي تعيد البخاخ إلى حقيبتها، حينها قرر أن يترك مكانه خلف الشجرة، وسار باتجاهها ببطء.
شعرت داليا بوجوده قبل أن يصل، فرفعت عينيها ونظرت نحوه، فوجدته شابًا في أواخر العشرينيات، يحمل دفتر رسم ولوحًا خشبيًا صغيرًا، وقد تلطخ طرف إصبعه بلونٍ أسود.
فتوقفت أنفاسها للحظة، قبل أن تلتقطها بقوة، حين توقف آدم أمامها وهو يشير إلى المقعد بجوارها ويقول:
– ممكن أقعد؟
نظرت إلى المقعد الفارغ، ثم عادت بعينيها إليه وأفحمته بردها:
– هو أنت شايف ورقة مكتوب عليها إن المكان محجوز عشان تسأل؟
ابتسم بخفة رغم حرجه ومد أصابعه وحك خلف رأسه وهو يقول:
– لا، بس أنا بحب أخد الإذن قبل ما أقعد جنب حد شكله عايز يفضل لوحده.
لم تعلم داليا هل أعجبتها كلماته أم أزعجها أنه لاحظ ذلك، فأغلقت الكتاب الذي لم تقربه عيناها، وضمته إلى صدرها وقالت:
– اتفضل اقعد.
جلس على الطرف الآخر من المقعد، تاركًا بينهما مسافة واضحة، ونظر باتجاه القلعة في صمت، بينما راقبته داليا بطرف عينيها، لتبعد عيناها سريعًا حين أدار وجهه إليها وقال:
– أنا برسم هنا من فترة.
– لاحظت.
نظر إليها بدهشة وابتسم قائلًا:
– لاحظتيني، معقول؟
قطبت جبهتها قبل أن تخبره بفتور:
– أصل الرسامين بيتعرفوا من طريقة نظراتهم للناس اللي حواليهم، بيبقوا عملين زي اللي بيحاول يسرق منهم حاجة!
بهتت ملامحه لكلماتها الغريبة التي لم يسمعها من قبل، ثم حمحم بحرج وقال:
– وهو أنا سرقت منكِ حاجة؟
شدت الوشاح حول وجهها بتلقائية، وأشاحت بوجهها عنه وقالت:
– مش عارفة، بس يمكن لسه بتحاول.
ابتسم، وفتح دفتره بحماس بعدما داهمته الرغبة في الحديث معها أكثر، وقال:
– أنا رسام، عملت معرض صغير قبل كده، والحمد لله ربنا وفقني فيه، وكنت قاعد هناك عند الشجرة، برسم الظل اللي حواليكِ، بس اكتشفت وأنا برسم إن الظل مش كفاية.
لم تعقب على كلماته والتزمت الصمت، فتابع آدم النظر إليها واستطرد:
– تعرفي ليه الظل مكنش كفاية؟
هزت رأسها بالنفي، فزفر بضعف وأردف بصوتٍ خافت:
– عشان غلبه النور اللي بيهرب من عينيكِ.
تصلبت ملامحها، فقد كان في صوته صدق أربكها أكثر مما أربكتها كلماته نفسها، فهي اعتادت أن يمدح الناس ملامحها أو يسألوها عن سبب تغطية جزء من وجهها، لكنها لم تعتد أن يلاحظ أحد ما وراء صمتها.