كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

عبست فاطمة لثوانٍ قبل أن تربت على وجنتها وتقول:

_ أولًا مفيش شكر بين الأم وبناتها يا داليا، وثانيًا أنا معملتش أي حاجة، ويعلم ربنا من وقت ما آدم حكى لي عنكم، وأنا حاسة إني أعرفكم من سنين، ولو مش عايزة تزعليني، أوعي تحسي نفسك غريبة وأنتِ معانا.

أحست داليا بشيء يلين في صدرها وبالمحبة لتلك المرأة الحنون، كما ضمتها أريج ومازحتها.

وبعد أسابيع، أصبحت الزيارات متكررة، وأصبح لأريج مكانًا خاصًا بمذاكرتها، وكثيرًا من الأحيان كانت تجاور فاطمة لتصنع معها الحلوى والعصائر، أما آدم فدأب على مراقبة داليا وهي تتحرك في البيت، كأنها تتعلم للمرة الأولى معنى ألا تكون وحدها.

وفي إحدى الزيارات جلست أريج ملتزمة الصمت، بعيون حزينة تخفي بداخلها ألم كبير، وما أن أحست بها فاطمة، حتى انتحت بها بعيدًا عن السمع، وسألتها عما بها، فلم تتمالك أريج دموعها وانهارت بين ذراعيها وقالت:

– أمبارح لقيت ورق تحاليل داليا مخبياه عني، ولما سألت في الكلية، فهمت حالتها وصلت لفين، وعرفت إنها خبته عني، زي ما بتخبي أي حاجة تخوفني، داليا من يوم ما ماما وبابا ماتوا، وهي بتعمل كل اللي في وسعها عشان توفر لي كل حاجة، لدرجة إنها نسيت نفسها ونسيت صحتها.

ابتعدت أريج عن فاطمة ونظرت إليها بملامح مكسورة وأضافت:

– أنا مرعوبة يا ماما فاطمة إن داليا يجرى لها حاجة وتسيبني، مرعوبة أبقىَ لوحدي من غيرها.

احتضنتها فاطمة وربتت على ظهرها بحنو وقالت:

– وحدي الله يا أريج، واستغفري ربنا، عشان مرض أختك مش نهاية الدنيا، ده اختبار من ربنا ليها وليكِ وللكل، وبالنسبة لكلامك عن الخوف والرعب، فأوعي أسمعك تقوليها تاني، ولا أنتِ نسيتِ إنك وداليا بناتي.

استدارت داليا من حيث أتت، وهي تضع يدها فوق شفتيها كي لا يسمع أحد صوت بكائها، وتزيد الأمر بؤسًا عليهم، وحين عادت مجددًا، حاولت أن ترسم ابتسامة واهية فوق شفتيها، لتخفي تألمها عنهم، وهكذا انقضى الوقت بينهم ما بين صمت، ونظرات وجلة من الحديث.

وحين أزف موعد الرحيل، رافقهما آدم إلى منزلهما، وما إن عاد حتى رأى والدته تجلس بانتظاره، بملامح جادة عابسة، فتوجس خيفة ونظر إليها بحيرة، وحين أشارت إليه أن ينضم إليها، جلس بجوارها وظل للحظات لا يعرف من أين يبدأ، إلا أنه حسم أمره وسألها بتردد:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *