كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

كمل اللوحة لو قدرت، ولو ماقدرتش، سيبها ناقصة، أنا بحبها كده، لأنها تشبهنا…

بحبك، داليا.

ضم آدم الورقة إلى صدره، وأجهش في البكاء، في اللحظة التي ولجت فيها داليا إلى الغرفة، مستندة إلى يد أريج، فرأته يحتضن رسالتها، فخفضت رأسها بخجل وأردفت:

– كنت هديهالك.

سألها دون أن ينظر إليها:

– إمته؟

– لما أبقى شجاعة.

تحرك ولم يترك الرسالة من يده، ووقف أمامها واقترب منها، واحتضنها بحذر، فدفنت داليا وجهها في صدره، وظلت ساكنة بين ذراعيه، حتى بدأت أنفاسها تضطرب، فابعدها آدم عنه بخوف، وأردف:

– تعبانة؟

هزت رأسها بالنفي:

– لا… بس بحاول أفتكر ريحتك.

أغمض عينيه، وضغط جبينه إلى جبينها هامسًا:

– أنا هنا.

– عارفة.

– ومش هسيبك.

– عارفة.

– حتى لو…

وضعت إصبعها على شفتيه ونظرت إلى عينيه:

– متكملش الجملة.

في ليلتها الأخيرة، كان المطر يهطل بهدوء، بينما استلقت داليا، بوجهٍ شاحب وجسدٍ منهك وأنفاسٍ خافتة، وأجهزة الأكسجين تحيط بها، بينما جلست أريج إلى جانبها، تحدق فيها بعينين ممتلئتين بالخوف، وفي الجهة الأخرى جلست فاطمة، تقرأ آياتٍ من القرآن، بصوت خافت متقطع، تتوقف أحيانًا لتلتقط أنفاسها وتخفي دموعها. أما آدم فتشبث بيدها، خشية أن تفلت منه إذا غفل للحظة عنها، في حين فتحت داليا عينيها بصعوبة، وظلت للحظات تحاول التركيز، حتى استقرت على وجه آدم، فثبتت نظراتها عليه لثوانٍ قبل أن تهمس بصوتٍ ضعيف:

– آدم.

انحنى نحوها، بعدما مسح دمعة علقت بطرف عينه، وأردف بخفوت:

– معاكِ يا قلب آدم.

– عايزة أشوف اللوحة الكبيرة.

كانت اللوحة التي عمل عليها طوال شهور مخبأة خلف باب المرسم، فرفع آدم عينيه نحو كريم، الذي فهم طلبه من دون حاجة إلى شرح، وأسرع إلى المرسم وحملها وعاد بها إلى الغرفة، ووضعها في مواجهة الفراش، فوقف آدم أمامها للحظة قبل أن يرفع الغطاء عنها ببطء، فظهرت داليا في منتصف اللوحة، فلم يرسمها آدم كما كانت في أيام مرضها الأخيرة، بل كما ظل يراها طوال الوقت؛ بوجهٍ هادئ، وملامحها واضحة، يحيط بها الضوء من الخلف، من دون أن يخفي شحوبها أو يغير حقيقتها.

ظل بصر داليا معلقًا باللوحة، وفرت دمعة بطيئة على خدها، ثم ابتسمت بضعف وقالت بصوتٍ مبحوح:

– دي أنا… معقول أنا حلوة كده؟

ابتسم آدم وسط دموعه التي لم يستطع تمالكها، وهز رأسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *