كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

فقالت وهي تنظر إلى كتابها:
– ويا ترى كل الرسامين عندهم الجرأة يرسموا الحاجات اللي بتدبل يا أستاذ؟
فهم آدم أن السؤال لم يكن عن الأشجار فقال:
– الرسام اللي بيدور على الحاجة الكاملة، مش بيبقى بيدور على الحقيقة، بيبقى بيدور على حاجة سهلة.
رفعت عينيها إليه ببطء وسألته بحيرة:
– يعني إيه؟
– يعني الوردة وهي مفتحة كل الناس تقدر ترسمها، إنما الورقة اللي بدأت تصفر، دي محتاجة حد يستنى ويفهم هي مرت بإيه.
ظلت تحدق فيه، كانت تريد أن تغضب من تدخله، وظنته يدرك مرضها وبتلاعب بكلماته معها، لكنها لم تجد في عينيه أي نظرة شفقة، فخفضت رأسها، وقالت:
– أنت بتتكلم كأنك فاهم كل حاجة.
– عمر ما هتلاقي إنسان فاهم كل حاجة، إنما هتلاقي اللي بيحاول يفهم، ودي تفرق كتير.
– وأنت بتحاول تفهم واحدة متعرفهاش ليه؟
حشرته في الزاوية بسؤالها، فأجابها بصدق إحساسه:
– عشان هي أول واحدة لفتت نظري من غير ما تحاول تلفت نظر حد.
ساد بينهما صمت طويل، مرت خلاله عائلة بالقرب منهما، وارتفع صوت طفل يطلب من أبيه أن يلتقط له صورة، بينما انقبضت يد داليا حول الكتاب، لتجفل حين سألها آدم بهدوء:
– ممكن أعرف اسمك إيه؟
ترددت قليلًا في إجابة سؤاله، وحين أطال النظر إليها، همست:
– داليا.
كرر الاسم في داخله قبل أن ينطقه بتلذذ لم تلحظه:
– داليا.
ثم أضاف وقد انتبه إلى نفسه:
– على فكرة اسمك مناسب لحد بيحب الورد.
– بس أنا مش بحب الورد.
– أومال بتحبي إيه؟
نظرت إلى القلعة وتنهدت بخفوت وقالت:
– بحب الأماكن اللي الناس بتسيبها وتفتكرها فاضية.
لم يجد جوابًا، وشعر للمرة الأولى أن ما أمامه ليس امرأة غامضة فقط، بل شخصًا يحمل داخله غرفة مغلقة لا يعرف أحد أين بابها، في حين نهضت داليا وقالت بارتباك:
– أنا لازم أمشي.
نهض معها، ثم تراجع خطوة حتى لا يبدو كأنه يمنعها وقال:
– هو أنا ممكن أطلب منك حاجة؟
– خير؟
– ممكن أرسمك؟
تجمدت يدها على طرف الوشاح وأجابته بثبات:
– لا.
خفض آدم نظره إلى دفتره، هربًا من حرجه وتمتم:
– تمام.
كان قبوله السريع لرفضها أكثر إرباكًا لها من طلبه، فقد توقعت أن يسألها عن السبب، لكنه لم يفعل.
فتحركت خطوتين، ثم توقفت وأردفت:
– بس ممكن ترسم الكرسي.
رفع عينيه إليها بدهشة وردد دون فهم:
– الكرسي؟
– آه. عشان أنا مش قاعدة عليه.
قالتها ثم مضت، بينما ظل آدم واقفًا مكانه، يتابع خطواتها حتى ابتعدت عن الممر، ولم يعرف لما شعر أن رفضها لم يكن نهاية الحديث، وإنما بداية شيء لم يجد له اسمًا بعد. فعاد إلى المقعد وفتح دفتره ورسمه كما طلبت: حجرًا باردًا، وشجرة عارية من بعض أوراقها، ووشاحًا عاجيًا يتدلى على طرف المقعد.
