كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

اقترب كريم من النافذة، وأزاح الستارة قليلًا. فدخل الضوء إلى المرسم، فتراجع آدم وأعادها إلى مكانها، حينها قال كريم:
– أحيانًا الناس مش بتخاف من إن حد يشوفها، بتخاف من اللي هما هيشوفوه.
لم يجبه آدم، فأخرج كريم علبة الطعام وفتحها وقال:
– كل، وبعدين لو قابلتها تاني، متتعاملش معاها على إنها لوحة.
نظر آدم إليه بدهشة وقال:
– وأنا بتعامل أساسًا كده؟
هز كريم رأسه بالنفي وأردف:
– أنا لسه مش عارف، بس عارفك يا آدم، لما حاجة بتشدك، بتحب تفهمها قبل ما تحبها، والمشكلة إن الناس مش لوحات، مش لازم يكتملوا عشان تغوص جواهم وتنبش لحد ما تطلع بالحقيقة.
ظلت الجملة معلقة في المرسم، دون أن يدري أي منهم أن داليا في الجهة الأخرى من المدينة، فتحت دفترها الصغير، الذي أخفته منذ سنوات أسفل ملابسها، وبدأت ترسم هي الأخرى يد آدم، لم ترسم وجهه بالكامل، وإنما رسمت أصابعه الملطخة بالفحم، وطريقة انحنائه فوق اللوحة، والظل الذي يسقط على عنقه حين يركز، ثم أغلقت الدفتر بسرعة عندما سمعت أريج تقترب، التي وقفت تحدق بها في ريبة وقالت:
– أنتِ كنتِ بتعملي إيه؟
وضعت داليا الدفتر تحت وسادتها وهزت رأسها بالنفي وقالت:
– ولا حاجة.
جلست أريج بجانبها وتفرست في ملامحها وأردفت:
– شكلك مبسوطة.
لمست داليا وجهها تتأكد من كلمات شقيقتها ورددت قائلة:
– مبسوطة؟
– آه. في حاجة حصلت.
صمتت داليا ثم قالت:
– أنا قابلت رسام النهارده.
– رسام؟
– في حديقة الأزهر.
– وطلب رقمك؟
– لا.
– طب قالك إيه؟
تذكرت جملته عن الضوء الذي يهرب من عينيها، فشعرت بحرارة خفيفة في وجهها، فخفضت نظرها وهمست:
– ولا حاجة مهمة.
راقبتها أريج بابتسامة ماكرة وأشارت إلى ابتسامتها وقالت:
– داليا، أنتِ بتبتسمي.
– أنا مش ببتسم.
– لا، بتبتسمي ودي أول مرة أشوفك بتبتسمي من غير ما تكوني بتجاملي حد.
مدت داليا يدها وأغلقت فم أريج بكفها وقالت وهي تدفعها:
– روحي ذاكري وراكِ جامعة.
ضحكت أريج، بينما بقيت داليا ساكنة، ويدها فوق الوسادة حيث أخفت الرسم. وفي تلك الليلة، وقبل أن تنام، أخرجت الدفتر مرة أخرى، ونظرت إلى الخطوط غير المكتملة، ثم كتبت أسفلها: “الرجل الذي رآني دون أن يسألني لماذا أختبئ”
ولم تكن تعرف أن آدم، في مرسمه البعيد، كان يكتب اسمها للمرة الأولى على طرف لوحة هو الآخر.