كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

ومع مرور الأيام، صار المرسم مكانًا لا تضطر فيه إلى الاعتذار عن تعبها، ومع مرور الأسابيع، بدأت المسافات تتقلص بينهما، وتحولت الجلسات من الصمت إلى الحوارات الطويلة التي لا تنتهي، حتى ضحكات داليا الخجولة أصبحت أكثر عفوية.
وفي إحدى الجلسات، وبينما كان يرتب فرشه بهدوء، سألته فجأة وهي تراقب دقة حركاته:
– أنت ليه بتتعامل معايا كده يا آدم؟ يعني بصبر غريب كده؟
توقف آدم عن الترتيب، ونظر إليها طويلًا قبل أن يجيب، ليفتح أمامها بابًا ظل موصدًا منذ سنين بقوله:
– عشان أنا كبرت في بيت فيه صبر زي ده، أبويا كان مريض، مرض طويل خد منه كل حاجة تقريبًا، وأمي فضلت واقفة جنبه لآخر يوم، من غير ما تتعب قدامه ولا مرة، كنت بشوفها بتحبه أكتر كل ما هو بيتعب أكتر، وقتها فهمت إن الحب الحقيقي مش بيهرب من الضعف، ده اللي بيقوىَ ويثبت جنبه.
ظلت داليا على صمتها تستمع إليه، وقد لمست كلماته مكانًا في داخلها، لم تكن تعرف أنه محتاج لأحدٍ يفهمه، ثم سألته بصوتٍ أهدأ:
– ووالدك عاش قد إيه؟
– تلت سنين من يوم ما اتشخص، ومات وفضلت أمي لوحدها، وأنا من يومها حاسس إني عايز أثبت إن اللي شفته في بيتنا مكنش ضعف، كان أقوى حاجة شفتها في حياتي.
مرت أسابيعُ أخرى، وفي أحد الأيام، سألها بحذرٍ عن أختها التي ذكرتها مرة عابرة، فتوقفت يدها عن الحركة، وقالت بصوتٍ فيه ثقلٌ قديم:
– أريج دي م أختي الصغيرة، دي بنتي، أنا اللي ربيتها من يوم ما ماتت أمي وبعدها بابا.
وذات مساء، كانت تتحدث عن عملها، حين شعرت بألم في مفاصل أصابعها، فحاولت إخفاء يدها تحت الطاولة، لكن آدم لاحظ فعلتها فسألها:
– إيدك بتوجعك؟
– شوية.
– من الشغل؟
– يمكن.
– داليا.
رفعت عينيها إليه.
– نعم؟
– مش لازم تقولي لي كل حاجة، بس متكدبيش عليا.
خفضت عيناها وظلت صامتة حتى بدأ المطر يطرق زجاج النوافذ، فزفرت بألم وقالت:
– أنا عندي ربو من وأنا صغيرة.
تغير وجهه قليلًا، لكنه لم يقاطعها وجلس ينصت إليها باهتمام، بينما فاضت داليا بمكنونها له للمرة الأولى:
– من حوالي سنة ونص بدأت أتعب، مفاصلي بتوجعني، وبشرتي بتتحسس من الشمس، وببقى مرهقة حتى لو نمت، فروحت للدكتورة فطلبت مني تحاليل كتير، تخيل لحد دلوقتي مترددة إني أعملها.
كاد ينتفض ويوبخها لإهمالها، لكنه تريث وأردف ساخرًا:

