كما رآني بقلم منى أحمد حافظ

وللمرة الأولى، رسم آدم الغياب.
لم تصل داليا إلى مسكنها إلا بعد بضع ساعات، كانت الشقة التي تسكنها في الطابق الثالث من عقارٍ قديم، ورغم جدرانها ذات الدهان المتشقق، وسور الشرفة المائل قليلًا، إلا أنها ظلت بالنسبة إليها ولأريج آخر ما تركه والدهما.
فتحت الباب، فوجدت أريج جالسة إلى الطاولة، تدون شيئًا ما في دفترها، بينما تستمع إلى أغنية قديمة من هاتفها، وما أن سمعت صوت خطواتها حتى رفعت رأسها ونظرت إليها ثم إلى ساعة يدها وقالت:
– اتأخرتِ ليه؟
خلعت داليا معطفها، وعلقته خلف الباب وهي تجيبها:
– كنت في حديقة الأزهر.
– عارفة إنك كنتِ هناك، بس اتأخرتِ ليه؟
– الجو كان حلو فاتمشيت شوية.
تركت أريج مكانها واقتربت منها، وتأملت وجهها وقالت:
– أنتِ تعبانة ولا إيه؟
– لا.
– لا إزاي وأنتِ وشك مصفر ونفسك بيقطع.
– يمكن عشان طلعت السلم مثلًا.
– على فكرة مثلًا إحنا في الدور التالت يا داليا.
ابتسمت داليا، ومدت يدها تعبث بشعر أختها.
– خلاص بقيتي دكتورة دلوقتي وهتشخصيني؟
أمسكت أريج يدها قبل أن تبتعد وقالت:
– على فكرة أنا عارفة إنك مخبية عليا حاجات كتير.
تغير وجه داليا قليلًا، لكنها حافظت على ابتسامتها وهي تقول بمزاح مصطنع:
– أيوه، أنا مخبية عليكِ مصاريف البيت عشان متتوتريش، إنما غير كده مفيش.
– وموضوع الإيجار اللي عمنا طالب إنك تزوديه.
سحبت داليا يدها برفق منها وأردفت بجدية:
– ملكيش دخل بيه.
– بس ده مش من حقه يا داليا.
– عارفة.
– طب طالما عارفة ساكتة ليه؟
جلست داليا ووضعت حقيبتها بجوارها، بعدما اشتد عليها الألم، فلم يعد التعب يسكن عينيها وحدهما؛ وإنما بات يظهر في انحناءة كتفيها وطريقة جلوسها، وكأنما جسدها ظل واقفًا طوال اليوم ولم يعد قادرًا على حملها أكثر، فتنهدت لتلتقط بضع أنفاس قبل أن تقول:
– ساكتة، عشان قبل ما أخد أي خطوة، لازم أكون مستعدة.
تعمدت أريج أن تعقب بصوتٍ غليظ بعدما نحتها من حسبتها:
– وإحنا هنستعد إمته؟
نظرت داليا إلى شقيقتها بتذمر، فهي لا تريد أن تشاركها همومها وشكوكها، لتتفرغ بالكامل لدراستها، فكل الشواهد تؤكد إن عمهم، زور توقيع والدهم على عقد بيع المسكن والمحل، بل وفي الأغلب هو من سولت له نفسه بأخذ المال الموجود بالخزينة، ويكفيها أن تكون هي بمواجهة هجوم عمها، كي لا يطال بطشة صغيرتها، فزفرت بقوة وقالت: