دوبلير بقلم فاطمة على محمد الجزء الثاني
*************
جسد موصول بأنابيب بلاستيكية رفيعة، ومجسات صغيرة مبعثرة أعلى صدرها لقياس نبضات القلب ودقاته، جسد ذو بشرة شاحبة مترهلة، عضلات مرخية متهدلة، أنفاس تصارع للبقاء، وأجفان مسدلة بلا أشفار، كان يتابعها من خلف ذلك الحاجز الزجاجي لغرفة الرعاية الفائقة بأحداقٍ جامدة كالثلج تمامًا، كانت أمامه هي والفراش سواء، هي والموت سواء، ربما الفاصل بينهما لحظات، أو نظرات، وربما كان يصارعها لخطف النفس الأخير.
صراعات تعصف برأسه هل يتشفى بها لجُرمها الذي لا يُغتفر معه ومع شقيقته وأبيهما، أم يشفق عليها ويطلب لها الرحمة والمغفرة من بارئها؟
طالت نظراته الجليدية للحظات أخرى حتى حسم أمره أخيرًا وزفر زفرة قوية استدار بعدها مغادرًا الردهة بخطوات واسعة.
**********
طرق الباب قويًا بدقات متواصلة حتى أتاه صوتها المستنكر لهذا الضجيج فأدار مفتاحه الخاص بعدما وضعه بمكانه المخصص ودفع الباب والجًا بثورته التي لم تُخمد بعد، كاد الباب أن يرتطم بها بقوة دفعه هذه، إلا أن تلك الخطوة التي أخدتها للوراء كانت طوق النجاة لها، لتهتف به بغضب جامح وهي تلوح بيدها في الهواء :
– إنت مجنون!.. إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟! وإزاي أصلًا لسه معاك مفتاح الشقة، أنا لازم أغير الكالون.
اختزل المسافة بينهما إلى بضع سنتيمترات وهو يقبض على ذراعها بقوة صافعًا وجهها بأنفاسه المُتقدة بينما يصك أسنانه بقوة محررًا بعض الكلمات من بينها :
– الشقة دي شقتي وأنا سايبها لعيالي يعيشوا فيها بدل ما يتمرمطوا في بيت اللي يسوى واللي ما يسواش، يعني انتي قاعدة هنا بس بسبب عيالي ، وبعدين لازم تحمدي ربنا صبح وليل إني وافقت إن واحدة زيك أصلًا تربيهم.
بلكمات قوية منها وهنت أعلى كتلته العضلية الصلدة صرخت به بتعالٍ وغرور :
– إبعد عني.. إنت مش عارف أنا بابي مين.
تعالت ضحكاته الساخرة ودوى صداها بأرجاء الشقة وهو يقطعها بكلماته المتهكمة :
– بابي!.. دا أنا بالأخص اللي عارف بابي مين.
تجمدت الضحكات بحلقه وهو يرفع طرف فاهه بإمتعاض شديد مرددًا :
– حرامي، مزور، مرتشي، سُكري، قمارتي، ده بابي يا روح بابي ما سابش عمل واحد قذر يعتب عليه الشيطان فيه.
اشتعل غضبها وفارت الدماء بعروقها لتستجمع كامل قوتها وتدفعه بكامل جسدها بعيدًا عنها وهي تصرخ به بعدما أصبحت بمواجهته تمامًا :
– عشان كده سيبتني وطلقتني!.. وأنا اللي كنت فاكراك ابن أصول وهتقف جنب مراتك وحماك.