دوبلير بقلم فاطمة على محمد الجزء الثاني

شددت من احتضانه أكثر وأكثر وهي تتنفس دفيء صدره الذي أذاب جليد هلعها وتغلغلت سكينتها إلى قلبها تدريجيًا حتى توقفت شهقاتها تمامًا. لحظات مرت عليه كالدهر وهو يجاهد للثبات وبث الآمان إلى قلبها، إلا أن قلقه القاتل أوشك على النيل منه وفرض سطوته عليه، لتحرر كلماتها التي كانت لها وقودًا سُكب على نيران قلبه المشتعلة، فأخرجها من صدره بعنف وقد همَّ بالنيل منها بوابل من الصيحات التي اختنقت بجوفه حالما شاهد توسلها الذي يضج بأحداقها. هز رأسه بموافقة واستدارت هي تجمع متعلقاتها الشخصية وتحمل حقيبتها متشبثة بذراعه ترافق خطواته إلى الخارج بأعين زائغة.

************
غرفة “عبد الرحمن”.
لكمات عشوائية متتالية لكيس الملاكمة أمامه وبقوة حتى اصطدم بجدار غرفته الداكن اللون وارتد إلى صدره ثانية وهو يصفعه بقوة حتى دفعه للإصطدام بحافة سريره. تأوه قليلًا وهو يرفع ساقه لأعلى يتحسسها بألم شديد مغمغمًا بسباب لذلك الكيس الأحمق، منزلقًا بجسده قليلًا حتى جلس بطرف الفراش ينتزع قفازاته الجلدية ملتقطًا منشفته القطنية يجفف بها حبات العرق الغزيرة التي تكسو جبينه وتملأ أنسجة قميصه القطني الفضفاض. زفر أنفاسه اللاهثة تباعًا حتى استطاع ضبطها بعد لحظات طويلة وهو يتذكر مشهدها بفراش الموت مزاحمًا مشهد دفعها لشقيقته بعيدًا عنها وهرولتها لمغادرة المكان غير مكترثة لصراخهما الذي تزلزلت له جنبات البيت، استعرت نيران غضبه ثانية ونهض مكشرًا عن أنيابه يلكم الكيس مرة أخرى بوابل من اللكمات التي استدعت والده إلى الغرفة من قوة ارتطامها بالحائط.
دلف والده إلى الغرفة يطوفه بأعين مندهشة وهو يردد بصوت حانٍ:
– “عبد الرحمن”!

تباطئ تدريجيًا حتى توقف تمامًا وهو يحتضن الكيس بيديه المدممة لاهثًا بأنفاس متسارعة، ليردف “عز الدين” مستنكرًا :
– من إمتى وإنت بتلعب بالشكل ده؟!،. وبعدين فين قفازاتك مش لابسها ليه؟

تنهد “عبد الرحمن” بقوة وهو يحرك رأسه بنفي مرددًا بتقطع :
– مفيش يا حبيبي.. أنا اللي سرحت في التمرين.

استدار والده نحو منضدة جانبية صغيرة يعتليها صندوق بلاستيكي معبأ بأدوات الإسعافات الأولية فالتقطه وعاد نحو ابنه يتناول يده ويُجلسه أعلى السرير أمامه وهو يفتح الصندوق متناولًا منه قطعة من القطن التي بللها بكثير من المعقم ينظف بهما جروح يد ابنه الذي تجعدت معالمه ما أن مَسَّت القطنة بشرته، ليردد والده بتساؤل :
– موجوع؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *