دوبلير بقلم فاطمة على محمد الجزء الثاني

هز “أمجد” رأسه بنفاذ صبر وضيق صدر مرددًا : – أنا برضه مش فاهم إيه علاقتي بالموضوع ده.

مَدَّ “أحمد” يده بدرج مكتبه يتناول إحدى روايات “أمجد الصواف” يفتحها على صفحة مطوية من قبل ويقرأ كلماتها بتركيز شديد وبصوت مرتفع :
– أحد معامل تجهيز المخللات البلدية بمنطقة نائية بأطراف قرية صغيرة، ولج “حسن” كعادته أسبوعيًا إلى مخزنه الذي اختاره بتلك المنطقة البعيدة لبخس أجره، وقله تردده عليه، فهو يأتيه مرة واحدة أسبوعيًا يأخذ الطُرشي القديم ويصنع غيره معبأً هذه البراميل البلاستيكية الزرقاء اللون والكبيرة الحجم ويغلقها بإحكام شديد خشية تسرب الهواء إليها وفساد المنتج النهائي الذي يكتسب قوت يومه من بيعه وتوريده إلى محال المدينة، توقف “حسن” بباب المعمل مجعدًا أنفه باشمئزاز من الرائحة الكريهة التي عمت أرجاء المكان وهو يفتح بابي الغرفة على مصرعيهما مرددًا بامتعاض : – إيه الريحة المُقرفة دي، ليكون المخلل باظ، بس حتى لو باظ استحالة يكون بريحة الكلب الميت دي. وركض نحو براميل الطُرشي الممتلئة ينزع غطائها عنها واحدًا تلو الآخر وهو يدنو منها برأسه فاتحًا الكيس داخلها يشتم رائحته الطيبة ويلتقط إحدى قطعه يتذوقها بتلذذ كبير مرددًا بارتياح : – الحمد لله ده كويس.
ذهب إلى آخر يتفقده بقلق شديد ليجده هو الآخر طيب المذاق والرائحة، هكذا مع عشرة براميل كاملة ليتنهد برضا وسعادة مرددًا وهو يُشير نحو البرميل الأخير :
– لو جت على ده بس يبقى الحمد لله قوي.

وأمعن النظر إليه وهو يقترب منه مرددًا بدهشة من سوء تغطيته :
– مين اللي فتح البرميل ده؟

كلما اقترب كلما تضاعفت الرائحة الكريهة، ليجعد أنفه بامتعاض كاتمًا إياه بطرف قميصه مغمغمًا باستنكار :
– إيه الريحة دي؟!

نزع الغطاء بأطراف أنامله لتتسع أحداقه صدمة من تلك الجث..ة المنتفخة وسط مياه البرميل.

هنا توقف “أحمد” عن القراءة رافعًا رأسه نحو “أمجد” مرددًا بتساؤل :
– ده كلامك؟

هز “أمجد” رأسه بتأكيد وهو يردد بثبات :
– أه طبعًا.. دي روايتي، وده كلامي.

حرك “أحمد” رأسه بموافقة وهو يفتح آخر صفحات الرواية يقرأها بصوت مرتفع أيضًا :
– أخذ يراقبه لأيام وأسابيع طويلة حتى تسرب الملل إلى قلبه فاعتزم أن يكون هو المحرك الرئيسي للأحداث وقرر استدراجه إلى تلك المنطقة النائية القريبة من مزرعة أحد أصدقائه عن طريق إحدى بائعات الهوى مدفوعة الأجر والتي لم يصمد أمامها كثيرًا، مكالمة مصورة واحدة كانت تتلوى بها برقصات مثيرة جعلته عبدًا لها وتوسل لقائها ولو لمرة واحدة، استجابت له أخيرًا شرط أن يكون اللقاء بمزرعة صديقه بأطراف البلدة، وافق متلهفًا وهرول إلى المكان بالموعد المحدد، لتضرب دواليب سيارته قرب هذا المخزن ويغادرها متفقدًا الأمر وهو يزفر باستياء يسب ويلعن حظه التعس، لتُنير بارقه أمل مع تراقص ضوء هذا المصباح القريب. ركض مهرولًا نحو الضوء يتوسل المساعدة، ليجده معلقًا على أحد أغصان شجرة عتيقة، يتراقص مع تيارات الهواء الهادئة. توقف أمامه وهو يزفر زفرة قوية نافضًا يديه إلى أسفل مغمغمًا بيأس مستنكرًا :
– شجرة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *