للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن ج1

تفاجأ كمال، رغم إحساسه أنها عانت ربما، لكن كلماتها خرجت بقهر مكبوت، وشعور بالذنب لبعد بينهما يؤنبه:
_ هستناكي في الشركة بكرة
أومأت برأسها وابتسامة بسيطة تناقص عينيها الدامعة، تسعى لتغيير حياتها، للحصول على الآدمية التي افتقدتها معهم، تسعى لأجل فيروز..
……………..
حرّك عضلاته بتعب، يشعر أنها تيبّست من بعد جلسة العمل الطويلة تلك… يبدو اليوم طويلًا جدًا، لا ينتهي،
هل ما يشعر به فقط مجرد إرهاق ومن ذلك الصداع اللعين المتملك من رأسه، أم لأنه بدأ يكبر بالعمر، دون زواج، دون أطفال، دون حبيبة وعائلة.
بمفرده، ولِمَ سيصبح كذلك؟ سرق العمل منه سنوات عمره دون أن ينتبه، ومضت سنوات لو كان تزوج بها، لأصبح لديه طفلان جميلان.
مسح على وجهه وأمسك بالهاتف.
علا الرنين واستمع فقط لكلمة مختصرة (تعالِ).
استقامت دهب برشاقة واتجهت إليه، صوت كعبي حذائها يطرق، يطرق حتى اخترق أذنيه.
أغمض موسى عينيه وتقبض جبينه للحظة من صوت حذائها الذي اقترب منه حتى توقف تمامًا، ودون أن يرفع رأسه إليها، وضع الملف أمامها قائلًا بإرهاق:
_ الملف ده يتراجع واتأكدي من الأرقام مرة تانية
جذبت الملف وتحركت اتجاه الباب، وقبل أن تخرج التفت برأسها إليه، يدلك جبينه بألم مرتسم على ملامحه، لعنت قلبها الذي يحثها بشدة على سؤاله، فمن بعد تلك المشاجرة تجنب كلٌّ منهما الآخر، واقتصرت كلماتهما القليلة فقط على العمل.
عضّت على شفتيها السفلى بتفكير لم يستغرق ثواني، ثم تحركت تجاهه، انتبهت أنه دون جاكيت حلته وفقط قميصه رافعًا أكمامه لمرفقيه، ورابطة عنقه متدلية بإهمال حول رقبته ويظهر من جانب وجهه إرهاق ملامحه الأثرة..
خرج صوتها مرتبكًا غريبًا عليها:
_ إنت كويس؟
لم يجبها موسى لفترة، حتى ظنت أنه لن يجيبها وأنها لم تجلب لنفسها سوى الإحراج.
لكن تفاجأت بصوته المتعب يقول:
_ عندي صداع قوي، حاسس إني مش قادر أفتح عيني منه
رقت عيناها إليه، ودون تردد اقتربت منه ووضعت يدها على جبينه، تفاجأ موسى بفعلتها فرفع رأسه إليها، كانت قريبة، قريبة جدًا.
ملمس يدها على جبينه الساخن كان ناعمًا كملمس الحرير، قالت له دهب وهي قابضة جبينها بقلق:
_ إنت سخن جدًا
ثم تحركت للخارج، زفر أنفاسه شاعرًا بالسخونة تزداد أكثر فأكثر ودوار لعين يجعل عينيه مشوشة، شعر بها مرة أخرى وبقربها منه تقول:
_ تعالَ على الكنبة استريح شوية
ثم مدت يدها له بأقراص والآخر كوب ماء:
_ الدوا ده كويس وفيه كمان مسكن، بس الأحسن تروح بيتك
ابتلع الأقراص من يدها وكوب الماء، ثم تمتم لها بخفوت شاكرًا، وتحرك ببطء للكنبة العريضة، عاد برأسه للخلف بتعب وما زال يقاوم الدوار…
وقفت دهب أمامه بقلق وحيرة، جلست على كرسي أمامه بمسافة منتظرة تحسن حالته أو احتياجه لمساعدة ما.
لكن الوقت مر وهو على سكونه، تسلل القلق إليها، فتحركت إليه وبخوف نادته، جاهد موسى لفتح عينيه وقابله وجهها القريب والقلق، رأى تحرك شفتيها بشيء ما لم يسمعه جيدًا، فرفع عينيه إليها، كانت غريبة وجميلة… وقريبة جدًا.
شعرها متدلٍ على كتفيها، بفارق في منتصف رأسها، وتضعه كل فترة خلف أذنيها، ترى كيف ملمسه ورائحته!
كرائحة السكر مثلها أم رائحة أخرى؟
رفع موسى يده ببطء وأمسك شعرها المتدلي على أحد كتفيها وتخلله بين أصابعه، تصنمت دهب ولم تصدر حركة واحدة، بعينيها فقط تنظر إليه تارة وليده تارة أخرى بذهول…
خفق قلبها بقوة وتسارعت دقاته، كان يهذي وهي تعرف، ومع ذلك لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الجميل من فعلته تلك، والتي لم تتخيلها أبدًا في أحلامها الكثيرة به.
تقابلت عيناهما، كان الصمت يغلف المكان من حولهما، عيناها كانت هادئة خالية من الاصطناع، اصطناع القوة أو الغرور أو حتى الضعف… كانت عيني دهب العاشقة لذلك الرجل أمامها، حتى لو لم يبادلها بعد، حتى لو لم يطرق الحب باب قلبه من أجلها مثل ما فعل هو معها في أول مرة رأته قادمًا لشركة الشناوي، ومرة أخرى في اجتماع في أحد المطاعم دون أن يراها، شعور كان يزداد ولم تستطع تجاهله وأتت إلى هنا لأجله، لأجل ذلك الذي يضرب بصدرها بعشقه…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *