للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن ج1
لم تنتبه لنظرات ذلك الرجل، ولا لعينيه التي تتفحصها بدقة وتمهل، لم تكن ملابسها مختلفة عن الأيام الأخرى، لكن شفتيها كانتا مصبوغتين بلون أحمر قانٍ ملفت للأنظار، يجعل كل من يحدثها لا ينتبه لشيء سواهما.
استقامت دهب لتحضر شيئًا من مكتب موسى.
سارت عينا الرجل معها أثناء سيرها، على ظهرها وانحناءاتها من الخلف، انتبه إليه موسى وتصلبت ملامحه واحتدت عيناه، عندما أتت جلست بجانبه كما كانت غافلة عما يدور حولها، أثار حنقه ما ترتديه وما يحدده من جسدها الفج، وذلك اللون المصبوغ به شفتيها بغير رضاه، عاد بأنظاره مرة أخرى للرجل وقرأ بعينيه كل ما يدور بعقله الوقح، أنهى الاجتماع سريعًا وباستعجال، أثار استغرابها تحديد موعد آخر له، لكنها لم تستفسر عن شيء الآن.
سارت دهب بجانب الرجل، وبفعل قذر منه، رفع يده ولامس جانب خصرها نزولًا لأسفل، شهقت دهب متفاجئة من تحرشه الوقح، والتفتت إليه سريعًا وبدون تفكير رفعت مجموعة الملفات التي بيدها لأعلى وبقوة ضربته على رأسه هادرة به بغضب:
_ قليل الأدب
التفت إليها موسى وتقدم إليها سريعًا، وما إن استمع لكلماتها ناهرة الرجل، أدرك ما أقدم عليه بفعل مشين، وبقوة ألقى عليه بقبضته مجموعة من اللكمات ثم جذبه من خلف رأسه وأسقطه أرضًا من على مقعده، مع حفنة من الكلمات والشتائم، التي جعلت عينيها تتسع في اندهاش من شراسته وتحوله لرجل آخر يشبه رجل الكهف، تراجعت دهب للخلف بخطواتها، وتقدم المتواجدون وعدد من الموظفين لتخليص ذلك المتحرش من براثنه، هدر موسى بانفعال ووجه محتقن به:
_ اطلع بره بدل ما أدفنك تحت رجلي يلا
استقام الرجل بمساعدة من حوله، وبغضب مكبوت قال محاولًا تصليح خطأه وإلقاءه عليها:
_ موسى بيه صدقني هي اللي قصدت كده، هي اللي اتحركت ناحية إيدي عن قصد وطول الاجتماع بتلاغيني
اتسعت عيناها وشهقت عاليًا، وقبل أن تفكر في الدفاع عن نفسها وتتقدم عن مكانها…
كان صوت موسى الحاد في شراسته:
_ كلمة كمان وأقسم بالله هاخليك تخرج من هنا على ضهرك
لم يتفوه بكلمة أخرى، وقد رأى وجهًا آخر لموسى رشيد بعيدًا كل البعد عن واجهة رجل الأعمال المتحضر، تحرك بخزي للخارج وأتبعه الجميع في إشارة من يد موسى بالخروج للمتواجدين…
لم يتبقَ سواهم، بانفعال ما زال يتملكه أزاح رابطة عنقه وألقاها على حرف مكتبه بإهمال، مستندًا بكفيه على مكتبه وهي خلفه، ما زالت واقفة بركن منزوي، تنظر إليه بصدمة لم تخرج منها بعد…
نظرت حولها بتيه للمكان الذي تحول للهدوء بعد أن كان متكدسًا بالرجال والأصوات العالية، ثم عادت بأنظارها إليه مرة أخرى، لا تصدق أنه دافع عنها للتو!
لقد تشاجر لأجلها ولم يكترث بشيء سواها، لقد رأت غضبه المخيف فقط لأجلها!
تحركت ببطء باتجاهه حتى وصلت إليه ووقفت بجانبه، رفعت يدها لتلامس كتفه وبمجرد ما تلامست بطرفي أصابعها، انتفضت فجأة لالتفاته وصوت موسى المنفعل محذرًا:
_ أوعي تفكري تلمسيني
تخشبت دهب مكانها للحظات واتسعت عيناها مقابل عينيه بشراراتها فأكمل هادرًا:
_ عجبك اللي حصل ده، مبسوطة؟
هتفت قبالته وقد تملك الغضب بعينيها وملامح وجهها الجميلة:
_ ويعجبني ليه؟ لو كان عاجبني ماكنتش ضربته على دماغه، ولو متضايق إنك ضربته وشايف إنك اتسرعت ماكنت…
قاطعها موسى مقتربًا منها خطوة واحدة حتى باتت المسافة بينهما قليلة للغاية وقال بغضب:
_ أنا المفروض كنت فتحت دماغه ولا كسرت له إيديه الاتنين
شبه بسمة صغيرة لاحت على شفتيها وقالت دهب وعيناها تنظران إليه وكأنها ترجو بتلك الإجابة التي تريدها:
_ ليه، ليه عملت كده؟
فتح فمه للحظة ثم أغلقه مرة أخرى قائلًا بصوت أقرب للهدوء:
_ إنتي المساعدة بتاعتي، في حدود مملكتي، لما واحد… يفكر إنه يركب لي قرنين ويعمل حركة زي دي، يبقى بيستقل بيا، واللي عملته يستاهله وأكتر
ضيقت عينيها وكأنه لكمها في قلبها بقوة، ودفنت الأماني قبل أن تخرج للنور،
وتساءلت بهمس خفيض:
_ بس!
لوى فمه ببسمة ساخرة وقال:
_ دهب، مش كل الكون بيدور حواليكي إنتي بس، في حسابات تانية لكل واحد فينا
تسرع! ربما كان عليه أن يجد إجابة تحمل بعض اللطف!
يشعر أنها كانت تتوسله بعينيها أن يجيبها إجابة أخرى، لكنه لم يفعل، رغم أنها كانت على طرف لسانه، لكنه لن يفعل… لن يستطيع
خصوصًا وأنها أيضًا ملامة، ليس عليها أن تكون بذلك الجمال المغوي والذي تتفنن بإظهاره سواء بقصد أو بدون…
وكلما يتذكر نظرات ذلك الرجل شعر أنه على وشك الهجوم عليه وفقع عينيه، فعمل على إنهاء ذلك الاجتماع ليبعدها عن أنظاره الخبيثة، لكن الأخير لم يكتفِ بذلك فتطاول عليها وجعله يعود لعدة سنوات ماضية في شجار لم يجره منذ أن كان في العشرين من عمره، شعر بالدماء تغلي في عروقه والغضب يتملكه وهجم عليه وحدث ما حدث، ولو كانوا تركوه لكان أفرغ عليه غضبه وكبته دون تردد.
شدت جسدها ورفعت رأسها بإباء وكبرياء رغم شحوب ملامحها، ودون أن تجد القدرة على الرد تحركت دهب للخارج تاركة إياه ينظر لطيفها، ماسحًا على شعره بضيق وغضب واختناق…
……..
بملل، نزلت فيروز من غرفتها. لم ترَ أسيل أو عمّها حتى الآن، لكنها فكّرت أن الجلوس في الحديقة ربما يكون أفضل من البقاء وحيدة في الغرفة الصامتة.
توقفت عندما رأت نازلي أمامها تحدّق بها بازدراء، فاحتقن وجه فيروز، وأشاحت بنظرها متجنبة أي حديث معها، لكن نازلي استوقفتها بضيق: