دوبلير بقلم فاطمة على محمد الجزء الأول
كاد “مروان” أن يفرق شفاهه محررًا بضع من كلماته حتى وجد من يربت على كتفه بقوة، ليستدير نحوه تلقائيًا وهو يحرك رأسه بعتاب مرددًا :
– كل ده تأخير يا “أمجد”؟
(“أمجد الصواف” كاتب روائي مخضرم في أدب الجري\مة والألغاز يبلغ من العمر ثمانية وثلاثون عامًا، وسيم إلى حد كبير، فسمرة بشرته التي تعزف معزوفة بديعة مع خصلات شعره السوداء الناعمة، وأحداقه البنية زادته جمالًا ووسامه، أما طوله الفارع المناسب مع بنيته القوية وعضلاته المفتولة جعلته محط إعجاب لنساء كُثر تبحثن عن فرصة معه لتحويل خانته بالهوية من أعزب لمتزوج).
انفرجت ابتسامة ساحرة من ثغره وهو يُزيل عنه منظاره الشمسي مرددًا ببعض التعالي :
– أعمل إيه للمعجبات؟! اللي مجرد ما شافوني جريوا عليا وعايزين يتصوروا معايا.
واسترسل بكلماته بنبرة خبيثة وهو يغمز له بإحدى عينه :
– وأنت عارف إني مبعرفش أكسف حد.
مطّ “مروان” فمه بتهكم وهو يعقد ساعديه أمام صدره مرددًا بسخرية كبيرة:
– انت هتقولي!.. خلينا في المهم دلوقتي.
حرك “أمجد” رأسه بتساؤل مستحثًا “مروان” على استكمال حديثه الذي استطرده بتنهيدة خفيفة وهو يشير نحو الممثل أمامه:
– عايزك تقعد مع الأستاذ وتديله إحساس مشهد الفقاعة، مش قادر يوصلي اللي على الورق، يا ريت تساعدنا يا “أمجد”.
ربتَّ أمجد بيده على كتف صديقه “مروان” وهو يحاوط بذراعه الآخر كتف الممثل مرددًا بتحفيز جادي :
– هيمثله.. وأحسن من الورق مليون مرة.. إدينا انت بس ربع ساعة.
والتفت بأنظاره نحوه مغمغمًا : – ولا إيه يا فنان؟
أومأ الرجل برأسه بتأييد وهو يزدرد ريقه براحة كبيرة، ليهتف “مروان” غير مباليًا قبل أن يتركهما :
– اعملوا اللي إنتوا عايزينه.. ربع ساعة وهدور الكاميرا.
رفع “أمجد” أحد حاجبيه مستنكرًا وهو يمط فمه متعجبًا حدة صديقه قبل أن يردد بهدوء :
– تعالى معايا يا نجم.
****************
مبنى أحد المجلات الشهيرة والتي تحظى بصيت كبير عربيًا كمجلة ورقية وإلكترونية يرتاد موقعها ملايين الزوار يوميًا. تحديدًا غرفة المحررات الواسعة إلى حد كبير والمُقسمة بفواصل زجاجية قصيرة تفصل كل طاولة عن الأخرى.
كانت “داليدا الشهاوي” (صديقة المشاهير كما يلقبها زملائها بالعمل فهي حقًا تنال حب وإعجاب من يلقاها بروحها المرحة وجمالها المريح للأعين فبشرتها البيضاء الناعمة التي تتنزين بأحداقٍ قاتمة مُحاطة بغابة كثيفة من الأهداب الطويلة وكل هذا محاط بحاجبين كثيفين يلتقيان عند أنف صغير مدبب، يدنوه فم مكتظ الشفاه، خصلاتها البنية المموجة تحاوط كل هذا في صورة لإبداع الخالق عز وجل، أما جسدها فمتوسط الوزن كطولها المتوسط) تسترخي بمقعدها بأريحية كبيرة وهي تلقى ظهرها خلفًا، متصفحة الموقع الإلكتروني للجريدة بلامبالاة لاهية بخصلاتها التي تحاوطها لسبابتها بلهو، تدور بمقعدها الدوار خفيفًا وهي تُمعن النظر على شاشة جوالها قبل أن ينتفض جسدها بصدمة متأهبًا بجميع حواسه لهذا المقطع الدموي الذي بثه زميلها لأحد الأفراد من محافظة الإسماعيلية وهو يذبح آخر في وضح النهار وأمام أعين المارة بلا رحمة أو شفقة، لتكتم شهقتها بكفها الذي لامسته عبراتها المنسدلة قبل أن تُلقي جوالها على سطح المكتب هاتفةً باستنكار قوي :
– إيه الإجرام والوحشية اللي وصلناها دي؟!.. وإيه اللامبالاة والبرود اللي بقينا فيه ده؟!.. الناس واقفة تتفرج عليه وهو بيدبح الراجل، قد كده بقى عادي؟.. نشوف الدم عادي!.. ندبح بعض عادي!
قاطعها “إياد” ذاك الشاب ذو الأربع وعشرون عامًا، ممتلئ القوام نوعًا ما، متوسط الطول، مجعد الشعر، مدبب الأنف، بني الأحداق، وحنطي البشرة؛ زميلها بالعمل ومحرر قسم الحوادث وهو يهتف بسعادة لسبقه الصحفي مهللًا:
– شوفتي الڨيديو يا “داليدا”؟.. إحنا أول موقع نزلناه بعد الواقعة بخمس دقايق بالظبط، شوفتي إنك تكوني من عامة الشعب بينفع ازاي.
حدجته بغضب مستعر وأحداقها تطفو بين عبراتها المنهمرة صارخة به وهي تلوح بيدها في الفضاء الفاصل بينهما :
– انت إيه يا بني آدم انت!.. كل اللي فارق لك السبق الصحفي، ومش فارق معاك حياة الراجل اللي ادبح ده؟.. مش فارق معاك إنه يخسر حياته بالطريقة البشعة دي؟!
تلاشت ابتسامة “إياد” تدريجيًا وهو يحمحم بخجل بعض الشيء مغمغمًا بحزن صاحب نبرته :
– لا طبعًا فارقلي، وانصدمت، واتوجعت لما شفت الڨيديو، بس يمكن من كتر ما شفت حوادث وجرايم اتعودت واكتسبت مناعة.. الناس اتغيرت يا “داليدا” الأب بقا بيقتل عياله، والأخ بيقتل أخوه، بقينا نشوف حاجات أبعد من خيالنا بكتير قوي.. ربنا يتولانا برحمته.
واستدار بكامل جسده مغادرًا المكتب تاركًا خلفه تلك التي سحبت حقيبة يدها مغادرةً المكتب هي الأخرى وهي تُزيل عبراتها العالقة بأهدابها والتي تشوش رؤيتها للأشياء.
