نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي

في الغرفة التي يقبع فيها محمود، جلس على حافة السرير متكئًا على الجدار، وعيناه تتفحصان صديقه برفقٍ من نوعٍ ما مشوب بالغضب، قال بصوتٍ مملوء بالتوتر:

-بقولك يا رفعت ما تروح تحاول تعرف حاجة.

ابتسم رفعت بسخرية، متكئًا على الطاولة المقابلة:

-يا سلام أروح فين؟! قدر اتقفشت أنا، وبعدين أنا أعرف راحوا لأي مستشفى؟ ولا بنت عمك قالت إيه؟!

تردد محمود لحظة، ثم زفر بضيق:

-غبية لو كانت هربت معايا، كان كل حاجة مشت تمام لكن الهانم هتسلمني تسليم أهالي.

ارتجف رفعت من الغضب، ورفع صوته قليلاً:

-ما إنتِ اللي واطي واخدها تعتدي عليها! ما كلها كام شهر وتبقى مراتك وبعدين يا خسيس، يوم ما تفكر تعتدي على واحدة تبقى بنت عمك لحمك ودمك!

صمت محمود للحظة، عيناه تلمعان بالغضب المختلط بالعجز، ثم جلس مستندًا إلى الحائط، يضغط على رأسه بيديه، وكأن الكلمات الثقيلة لصديقه تثقل كاهله.

رفعت رفعت كتفيه باستهزاء، لكنه لم يستطع أن يخفي التوتر الذي بدا في عينيه:

-مش فاهم  إيه المشكلة لو استنيت شوية؟ 

محمود رمقه بنظرة حادة، وصوته أصبح أكثر برودًا:

-خلاص خلينا في المهم الوقتي ما ينفعش غير إننا نتابع ونشوف اللي حصل بالضبط.

ضحك رفعت ضحكة قصيرة، ساخرة لكنها مليئة بالتوتر:

-تابع وشوف إيه اللي حص إحنا دخلنا في دوامة مالهاش آخر وكل خطوة غلط هتجر علينا المصايب أكتر!

أغلق محمود عينيه للحظة، يحاول أن يهدئ نفسه، ثم قال ببطء:

-عارف بس لازم نصبر لحد ما نشوف القضية هتقفل على إيه.

مرت عدة أيام ببطء مؤلم، وكأن كل ساعة فيها تمددت بلا نهاية كانت ليلى لا تزال في الحبس، جدران الزنزانة الباردة تضيق عليها أكثر مع مرور الوقت، وصوت خطوات الحراس على الأرضية يتردد في ذهنها كساعة تعد لحظات الحرمان.

جلست على الحصيرة الصلبة، رأسها بين يديها، ودموعها تتساقط بلا توقف، كل يوم يمضي، يترك في قلبها شعورًا أكبر بالعزلة والضياع، وكأن العالم كله نسي وجودها، لم يكن هناك أحد يشاركها هذا الألم إلا الأفكار التي تتصارع في عقلها، تتهم نفسها أحيانًا، وتشعر أحيانًا أخرى بأنها ضحية لا حول لها ولا قوة.

وفي المستشفى كان مصطفى  لا يزال في الغيبوبة، جسده مستلقٍ على سرير الرعاية المركزة، محاطًا بالأجهزة والأكسجين، قلبه ينبض بصعوبة بين الحياة والموت، أجهزة المراقبة تنبض بإيقاع متقطع، كل صفير أو توقف يزرع الرعب في نفوس من حوله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *