نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي

فتح صديقه بابًا حديديًا صدئًا، أحدث صريرًا حادًا قطع سكون الليل، ثم دخلا كان السطح واسعًا، لكنه مهمل، تتناثر فيه أشياء قديمة، وخزانات مياه، وأسلاك مكشوفة وفي أحد الأركان غرفة صغيرة، بالكاد تُسمى غرفة.

نظر محمود حوله، وملامحه امتلأت بالضيق، ثم قال باحتقار واضح: 

-هو ده المكان الآمن؟ جايبني أوضة فوق السطح؟!

رمقه صديقه بنظرةٍ ساخرة، ثم ضحك بخفة: 

-كنت فاكر ههربك فين؟ في فندق خمس نجوم؟!

اقترب منه قليلًا، وخفض صوته: 

-إنت هربان من جريمة قتل يا حلو.

تجمد محمود مكانه ورد بسرعة، وعيناه اتسعتا بحدة:

-جريمة قتل؟! أنا ما قتلتش حد!

رفع صديقه حاجبه، وكأنه غير مقتنع: 

-بس اللي حصل يتصنف كده واحد متطعن، وحالته خطر.

مرر محمود يده في شعره بعصبية، وبدأ يدور في المكان: 

-أنا كنت بحاول أسيطر على الموقف! 

تبسم باستخفاف:

-سيطرت يا أخويا ؟! وهربت بدل ما تنقذه.

صمت للحظة، ثم قال بصوتٍ أخفض: 

-ما كانش قدامي حل لو البوليس مسكني هناك كان مستقبلي هيضيع.

اقترب من سور السطح، وأسند يديه عليه، ونظر إلى الشارع البعيد المدينة من هذا الارتفاع بدت هادئة، كأنها لا تعلم شيئًا عمّا حدث في أحد شوارعها منذ قليل.

تنهد بعمق: 

-أنا ما كنتش ناوي أعمل كده كل حاجة حصلت بسرعة.

لم يرد صديقه هذه المرة، بل اكتفى بمراقبته ثم قال بعد لحظة: 

-بص هتقعد هنا كام يوم لحد ما الدنيا تهدى. محدش يعرف المكان ده غيري.

التفت إليه محمود: 

-ولو حد سأل عليا؟

رد ببساطة:

-هقول ما شوفتكش.

ظل محمود صامتًا للحظة، ثم أومأ ببطء نظر إلى الغرفة الصغيرة، بابها نصف مخلوع، وداخلها ظلام دامس:

-هقعد هنا؟

-آه ولو مش عاجبك، الشارع تحت.

 قالها صديقه بتهكم.

زفر محمود بضيق، ثم تحرك نحو الغرفة، فتح الباب ودخل كانت ضيقة، بها سرير قديم ومروحة بالكاد تعمل، وكل شيء فيها يوحي بالإهمال وقف في المنتصف، ينظر حوله ثم جلس ببطء على السرير ووضع رأسه بين يديه الصور عادت من جديد السكين الدم صرخة ليلى وسقوط الشاب أغمض عينيه بقوة، وكأن ذلك سيوقفها لكنها لم تتوقف.

في الخارج، كان صديقه يقف عند الباب، ينظر إليه للحظة، ثم قال: 

-حاول تنام بكرة نفكر هنعمل إيه.

لم يرد محمود كان غارقًا في شيءٍ أعمق من التعب غارقًا في خوفٍ بدأ يتحول إلى حقيقة.

كانت تجلس في زاوية الحبس، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تحتمي بهما من العالم كله. الجدران حولها باردة، باهتة، تحمل آثار سنواتٍ من الحكايات الصامتة، وكأنها تشهد على آلامٍ مرت من هنا ثم اختفت إلا أن ألمها هي بدا مختلفًا، طازجًا، حيًّا، ينهش قلبها بلا رحمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *