نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي
لكن رغم محاولاته، كان هناك شعور خفي يتسلل إليه، شعور غير مريح، كأن شيئًا ما في هذا الليل ليس على ما يرام اقترب من أحد الشوارع الجانبية، وكان أضيق من الطريق الرئيسي، تحفه مبانٍ قديمة تتراص بصمت، ونوافذها المظلمة تشبه عيونًا مغلقة عادةً ما يتجنب المرور من هذا الطريق، لكنه قرر اختصاره الليلة، ربما رغبةً منه في الوصول إلى منزله بأسرع وقت ممكن وما إن دخل الشارع، حتى بدا كل شيء أكثر سكونًا الضوء أقل، والظلال أكثر كثافة، والهواء نفسه بدا أثقل خفف سرعته دون أن يدري، وكأن شيئًا في داخله يدعوه للحذر وفجأة قطع الصمت صوت حاد صرخة لكنها لم تكن صرخةً واضحة، بل مكتومة، مختنقة، كأنها حُبست داخل صدرٍ عاجز عن إطلاقها كاملة.
تجمدت يده على المقود، وتباطأت السيارة أكثر حتى كادت تتوقف التفت بعينيه نحو مصدر الصوت، لكن الظلام كان كثيفًا، يخفي كل شيء خلفه.
دق قلبه بقوة، حتى شعر أن صوته يعلو على أي صوتٍ آخر
تمتم بصوتٍ منخفض، محاولًا إقناع نفسه بأن ما سمعه ليس حقيقيًا، مجرد وهمٍ صنعه الإرهاق:
-هل تخيلت ذلك؟
لكن الصمت الذي تلا الصرخة لم يكن مريحًا بل كان مريبًا ضغط على المكابح، فتوقفت السيارة تمامًا ظل جالسًا للحظات، مترددًا، ينظر أمامه دون أن يرى شيئًا محددًا كان بإمكانه ببساطة أن يتجاهل الأمر، أن ينطلق ويقنع نفسه بأنه لم يسمع شيئًا كثيرون سيفعلون ذلك لكنه لم يستطع.
أطفأ المحرك، فغرق المكان في صمتٍ أعمق فتح الباب ببطء، ونزل من السيارة، بينما كان الهواء البارد يلفح وجهه وقف للحظة، يستمع لا شيء.
خطا خطوةً واحدة، ثم أخرى، متجهًا نحو مصدر الصوت الذي ظن أنه سمعه منه كان الشارع ضيقًا، وعلى جانبيه أكوامٌ من الظلال التي لا يُعرف إن كانت مجرد أشياء ساكنة أم شيئًا آخر توقف فجأة هناك في نهاية الزقاق شيءٌ ما تحرك.
ضيق عينيه محاولًا التبين، لكن الضوء الخافت لم يكن كافيًا. تردد قلبه بين أن يتقدم أو أن يعود أدراجه ثم سمعها مرةً أخرى أنينٌ خافت، بالكاد يُسمع، لكنه هذه المرة كان واضحًا بما يكفي ليؤكد أن ما يحدث ليس وهمًا.
ابتلع ريقه، وشعر ببرودةٍ تسري في أطرافه لم يعد هناك مجال للشك هناك شخص ما بحاجة إلى مساعدة.
أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يستجمع شجاعته، ثم بدأ يقترب ببطء، كل خطوةٍ يخطوها كانت تبدو أثقل من سابقتها، وكأن الأرض نفسها تحاول أن تعيقه.