نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي

-يلا بسرعة، تعالي معايا، لازم نمشي من هنا!

نظرت إليه بذهول، وكأنها لم تفهم ما قاله:

-إنتَ بتقول إيه؟

اقترب أكثر، ومد يده نحوها كأنه يريد جذبها: 

-بقولك يلا! لازم نهرب قبل ما حد ييجي!

انتفضت للخلف، وسحبت يدها بعيدًا، وكأن لمسته أصبحت شيئًا تخشاه:

-إنت عايز إيه مني تاني؟ امشي من هنا!

 

صاحت، وصوتها هذه المرة خرج حادًا، ممتلئًا برعبٍ وغضبٍ معًا لم يتوقف بل اقترب أكثر، متجاهلًا خوفها، وقال بإصرار: 

-اسمعي الكلام، مفيش وقت! لو البوليس جه هنضيع إحنا الاتنين!

حدقت فيه، وعيناها تلمعان بالدموع، لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف فقط بل صدمة، خذلان، وغضبٍ بدأ يتشكل:

-عايزني أجي معاك؟ بعد اللي عملته؟

أشارت بيدٍ مرتجفة نحو الشاب الملقى على الأرض: -وعايزني أسيب اللي أنقذني؟!

تجهم وجهه، وبدت عليه ملامح نفاد الصبر، وكأن الوقت يضغط عليه من كل جانب:

-إنتِ مش فاهمة حاجة! ده مات أو هيموت! ولو حد شافنا هنا هنروح في داهية!

هزت رأسها بقوة، خطوةً للخلف، ثم عادت لتجلس بجانب المصاب، واضعة يدها على جرحه وكأنها تحميه منه:

-مش همشي ومش هسيبه.

قالتها بثباتٍ مفاجئ، رغم ارتجاف جسدها .

نظر إليها شذرًا، وعيناه امتلأتا بضيقٍ واضح. للحظة، بدا وكأنه سيتكلم، أو ربما سيحاول إجبارها، لكن شيئًا ما في نظرتها أوقفه شيء لم يكن يتوقعه منها.

تراجع خطوة ثم قال ببرود: 

-براحتك خليكي.

استدار بسرعة، ولم ينتظر ردًا وبدون تردد ركض واختفى في الظلام مرةً أخرى، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، وخيانةً أوضح من أي كلمة.

ظلت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه لثوانٍ، وكأن عقلها يحاول استيعاب ما حدث ثم أغمضت عينيها بقوة، وزفرت أنفاسًا متقطعة، كأنها تطرد تلك الصورة من داخلها لكنها لم تستطع عادت بنظرها إلى الشاب الملقى أمامها وجهه شاحب، أنفاسه بالكاد تُرى، ودمه لا يزال ينساب بين أصابعها انحنت نحوه أكثر، ودموعها تسقط على يده.

همست بصوتٍ مكسور:

-إن شاء الله تعيش مش هسيبك زي ما إنتَ ما سبتنيش.

شدت على يده قليلًا، وكأنها تريد أن تعيده بها إلى الواقع.

في تلك اللحظة، كان الليل لا يزال ساكنًا لكن في قلبها، كان كل شيء قد تغير لم تعد تلك الفتاة التي خرجت معه منذ ساعات، بثقةٍ واطمئنان كانت الآن تقف أو تجلس على حافة حقيقةٍ قاسية أن النجاة أحيانًا لا تأتي ممن نثق بهم بل من غرباء، يدفعون الثمن بدلًا عنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *