نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي
الفصل الأول
في ظلام الليل، كانت تسير إلى جوار خطيبها الذي في الوقت ذاته ابن عمها بخطواتٍ مترددة، لا تدري إلى أين يقودها بعد عودتهم من حفل زفاف صديقه، كان قد أخبرها بنبرةٍ هادئة أن لديه ما يودّ الحديث عنه بعيدًا عن ضجيج العائلة، فوافقت، مدفوعةً بثقةٍ قديمة تربت معها منذ الطفولة، لكنها الآن، وسط هذا السكون الثقيل، بدأت تشعر أن تلك الثقة لم تعد صلبة كما كانت.
الليل كان ساكنًا بشكلٍ مريب الشوارع التي اعتادت ازدحامها نهارًا بدت مهجورة، كأنها مدينةٌ أخرى لا تنتمي لواقعها أضواء الأعمدة كانت متباعدة، تلقي ببقعٍ صفراء باهتة على الإسفلت، وتترك مساحاتٍ واسعة غارقة في العتمة، كانت خطواتهما تتردد بوضوح، صوتها يتضاعف في هذا الفراغ، حتى بدا كأنه يتبعهما.
ضمت طرف شالها حول كتفيها، محاولةً مقاومة برودةٍ
تسللت إلى جسدها، رغم أن الهواء لم يكن شديد البرودة شعرت أن مصدر هذا الارتعاش ليس الطقس بل شيء آخر، شيء يتكون ببطء في داخلها.
نظرت إليه بطرف عينيها، فوجدته يسير صامتًا، ملامحه جامدة، وعيناه مثبتتان أمامه، كأنه يعرف الطريق جيدًا، أو كأنه لا يريد أن يلتقي بعينيها كان هذا غريبًا عليه؛ فقد اعتادت منه الحديث، حتى في أبسط الأمور.
قطعت الصمت أخيرًا، بصوتٍ خافت لكنه واضح:
-إحنا رايحين فين؟
لم يجبها فورًا تأخر قليلًا، ثم قال دون أن ينظر إليها:
-قربنا بس استني شوية.
كلماته كانت قصيرة، مقتضبة، وخالية من أي طمأنينة زاد ذلك من انقباض صدرها شعرت برغبةٍ مفاجئة في التراجع، في العودة إلى البيت، إلى الضوء، إلى الناس لكنها ترددت كيف تبرر ذلك؟ ولماذا تشعر بكل هذا القلق أصلاً؟
تابعا السير، لكن إحساسها بالزمن تغير الدقائق بدت أطول، والشارع بدا وكأنه لا ينتهي كانت تلاحظ تفاصيل لم تكن تنتبه لها من قبل؛ باب معدني نصف مغلق، نافذة مكسورة، كيس قمامة يتحرك قليلًا بفعل نسمة هواء، فترتجف دون إرادة ثم، دون مقدمات انعطف بها إلى شارعٍ جانبي كان أضيق، وأكثر ظلمة لم يكن فيه أي عمود إنارة يعمل، وكأن الضوء نُزع منه عمدًا، بالكاد تسللت إليه خيوط باهتة من الشارع الرئيسي، لكنها لم تكن كافية لكشف ما فيه.
توقف فجأة توقفت هي أيضًا، وقد تسارعت أنفاسها دون أن تدرك نظرت حولها سريعًا الشارع خالٍ تمامًا لا أحد يمر، لا صوت سيارات، لا حتى نباح كلب بعيد الصمت هنا كان مختلفًا أعمق، أثقل، كأنه يبتلع أي شيء يحاول أن يخترقه.