نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي
تنفس مصطفى ببطء، ثم حاول رفع رأسه قليلاً، وعينيه تتلمحان الغرفة حوله قبل أن يسأل بضعف:
– مين جابني هنا؟
نظر إليه سليم بعينين مليئتين بالحذر، وصوته هادئ لكنه صارم:
-البنت اللي عملت فيك كده.
رمقه مصطفى بدهشة وصدمة، عيناه تتسعان وكلماته تتلعثم قليلاً:
-عملت فيا إيه؟ مش هي اللي عملت فيا كده ده كان شاب بيعتدي عليها هي فين الوقتي؟!
جلس سليم مستندًا على طرف السرير، وحاول أن يوضح له بهدوء:
-فهمني بس؟! هي اللي عملت فيك كده؟!
ارتعش مصطفى ، عينيه تبحثان عن أي أثر للفتاة، صوته صار أضعف لكنه ممتلئ بالخوف والغضب:
-هي معملتش حاجة طمني بس هي كويسة صح ما حصلش لها حاجة؟
أومأ سليم برفق، محاولًا تهدئته:
-آه الحمد لله هي بخير وإنتَ الوقتي لازم ترتاح وتاخد بالك من نفسك.
أغمض مصطفى عينيه مرة أخرى وعادت الغرفة هادئة بعد ذلك، الصوت الوحيد هو أجهزة المراقبة وأنفاس مصطفى المتقطعة، وكل شيء بدا وكأنه يثبت لهما أن الحياة بدأت تعود تدريجيًا بعد الفوضى والعنف الذي مروا به.
في الخارج، جلست منىعلى المقعد الصغير في ردهة المستشفى، عينها متعبة لكنها مليئة بالمنىوالارتياح.
أمسكت بيد والدتها، وابتسمت لها رغم التعب والقلق الذي كان يعتصر قلبها طوال الأيام الماضية.
نظرت إليها بمنىشديد، وصوتها هادئ لكنه مفعم بالدفء والطمأنينة:
-روحي ارتاحي بقى يا ماما مصطفى بقى كويس كله هيتظبط خلاص.
تمسكت والدتها بيدها، وعيناها تلمعان بالدموع، لكنها شعرت بشيء من الهدوء لأول مرة منذ أسابيع، همست كريمة بصوت مرتعش، يمزج بين الفرح والامتنان:
-الحمد لله إنه رجعه لينا بالسلامة ربنا يبارك ليا فيكم يارب العالمين.
احتضنت منىبقوة، وكأنها تريد أن تثبت لنفسها أن هذا الأمان مؤقت لكنه حقيقي، وأن مصطفى أصبح في طريق التعافي بعد كل معاناة الغيبوبة الطويلة والألم الذي اجتاح حياتهم.
جلسوا صامتين لثوانٍ، يلتقطون أنفاسهم، بينما صوت المستشفى من حولهم أصبح مجرد خلفية بعيدة، ولم يعد قلقهم أكبر من شعورهم بالفرح والأمل الذي بدأ يتسلل إلى قلوبهم.
بعد مرور يومين تحسنت حالة مصطفى نوعًا ما فحضر وكيل النيابة كي يقوم بأخذ أقواله، أستعلم أولاً من الطبيب عن حالته، وبعدها دلف إلى غرفة الرعاية المركزة بخطوات ثابتة، وجهه جاد وعيناه تراقبان كل شيء حول سرير مصطفى بعد أن تأكد من استقرار حالته الصحية، جلس على الكرسي المقابل له، دفتره وقلمه في يده، مستعدًا لبدء التحقيق.