نوفيلا أنين لا يرى بقلم زينب سعيد القاضي
كان محمود جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، يمسك هاتفه بيده اليمنى بينما يدفع باليد اليسرى على المقعد أمامه، محاولًا التوازن بين التحدث والتركيز على الطريق أمامه الصوت المتقطع للمكالمات داخل المدينة الممطرة في هذا الوقت المتأخر أضاف إحساسًا بالضغط، وكأن كل شيء حوله يشارك شعوره بالتوتر.
رفع الهاتف إلى أذنه، وقال بصوتٍ متردد، لكنه ممتلئ بالارتباك:
-أهو اللي حصل يا بابا والغبية ليلى رفضت تهرب معايا أنا حاولت أخليها تجي معايا، قبل ما يحصل أي حاجة بس هي رفضت قالتلي مش هتمشي ويسيبه حتى بعد اللي حصل.
جلس ساكنًا على المقعد، يشعر بأن كل ثانية في الطريق تمثل لحظة ذبحٍ جديدة من قلقه سيارة الأجرة تتمايل برفق على المطبات، والمطر يضرب الزجاج بصوت خفيف، كأنه يهمس بما يدور في داخله الندم، الخوف، الغضب على نفسه، وعلى الآخرين.
-يعني هي ماشيتيش معاك؟
جاءه صوت والده، أكثر هدوءًا هذه المرة، لكنه يحمل إحساسًا بالصدمة والخوف.
هز محمود رأسه، حتى ولو لم يره أحد:
-لأ رفضت أنا عايز أختفي بسرعة قبل ما البوليس يوصل هروح أقعد عند صاحبي خايف تفضحني وتعترف عليا سلام الوقتي لما أوصل لحاجة هكلمك.
في المستشفى اندفعت أبواب قسم الطوارئ بعنفٍ خفيف، مع دخول النقالة التي يحمل عليها جسد الشاب، يحيط بها المسعفون بخطواتٍ سريعة مدروسة أضواء المستشفى البيضاء الساطعة بددت ظلام الليل، لكنها لم تبدد التوتر الذي ملأ المكان.
قال أحد المسعفين بسرعة، وهو يدفع النقالة نحو الداخل:
-جرح نافذ في الصدر! وضغطه بينزل!
تحرك الأطباء والممرضون فورًا، كأن كل واحدٍ منهم يعرف دوره دون أن يُقال. التفوا حوله، أيديهم تعمل بسرعة، أصوات الأجهزة بدأت تصدر نغماتها الحادة المنتظمة.
صرخ بهم أحد الأطباء:
-حضروا العمليات! وهاتوا أكسجين! النبض بس ضعيف!
كل شيء كان يحدث بسرعةٍ تفوق قدرتها على الاستيعاب قفت هي عند باب الطوارئ، جسدها لا يزال يرتجف، وملابسها ملطخة بدمائه عيناها معلقتان به، وكأنها تخشى أن تختفي ملامحه إن رمشت.
قالت لها إحدى الممرضات وهي تحاول إبعادها بلطف:
-لو سمحتِ استني هنا.
تحركت ببطءٍ إلى الخلف، حتى التصق ظهرها بالجدار البارد شعرت وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، فانزلقت لتجلس على المقعد القريب، دون أن ترفع عينيها عن الباب الذي اختفى خلفه ثوانٍ أم دقائق لم تعد تعرف الزمن في تلك اللحظة فقد معناه كل ما كانت تسمعه هو صوت قلبها، يدق بعنفٍ داخل صدرها، وصدى كلماته يتردد في رأسها: