للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن ج3
ضم قاسم شفتيه وغص بحلقة أنه فعل مثلهم، لم يختلف عنهم في شيء بل كان أحقرهم، فكما قالت فيروز هؤلاء يكرهونها وهي تعلم، أما هو، فالسعي دائمًا لإثبات حبه… ثم خذلها
شعر بنفسه يختنق فخرج من ذلك المكان المقيت بعد ما ألقى أوامره المشددة لحراسته أن هؤلاء القابعين بالداخل أصبحوا تحت رحمة قاسم عمران.
للهوى رأي آخر
الثامن عشر
ألقى هاتفه بضيق شديد على سطح الطاولة، ثم أخذ الكأس وتجرعه مرة واحدة، لم يهتم بمرارته وعقله يكاد يجن من تجاهل أسيل عليه، مضطرب، يشعر أنه تائه محتاج لمن ينتشله من هنا، صخب الموسيقى حوله لم يطغَ على ضوضاء عقله، والآن وفي ذلك الضعف تحديدًا، ظهورها خطر لم يعمل له حساب.
شعر بملمس يدها على ظهره، كارفرفة الفراشات، تنحى ياسين جانبًا ولم تهتم، لكنها وقفت أمامه مستندة تظهرها على حافة الطاولة الباردة وابتسامة دلال:
_ ما صدقتيش لما عرفت إنك هنا
أجابها بحدة:
_ دلال، أنا مش في مزاج للكلام دلوقتي
مالت إليه حتى شعر بأنفاسها الساخنة تلفح وجهه:
_ قولي مين الست اللي تقدر تزعل راجل زيك، ده انت تحط رجل على رجل وتشاور بس
التوى فمه بسخرية:
_ أنا مش عايز أختار، المشكلة إنّي عارف أنا عايز مين
_ عايز مين قولي
_ واحدة مافيش منها اثنين، عمري ما تجرأت إني ألمسها، بخاف عليها حتى مني
لم ير تلك الابتسامة الصفراء على وجهها وهي تقول:
_ وسيباك كده، يمكن عشان عارف الكلام ده بتتقل، فيه بنات كده بتحب اللي يفضل يجري وراها
تجرع كأسًا آخر وبدأ ياسين في الهذيان، فأستغلت دلال وقالت تجذبه ليقف:
_ قوم معايا
بتأفف وغير وعي هتف ياسين:
_ يووه عايزة إيه انتي
وفي ركن منزوي عن الأنظار قالت دلال بأغواء:
_ بحبك يا ياسين وإنت مش حاسس بيا
ثم مالت تقبله، لم يصدها أو ينهرها، لكن صورتها ظاهرة في عقله تبكي وعينيها تعاتبه حزينة، لا يشعر بشيء مما تفعله دلال، بل كل ما يشعر به أنه يحتاج أسيل، أسيل! هنا
اتسعت عينيه ثم أبعدته دلال عنه بتقزز، وبخطوات مترنحة رغم أنه بدأ باستيعاب ما حوله بتشوش، وقف قبالتها ينظر إليها بتأمل غير مدرك وجودها حقًا، فرفع يده ببطء وحاول أن يلمسها، فابتعدت خطوة للخلف محذرة بغضب:
_ ما تلمسنيش
توقفت يده في الهواء وعينيه تنظر إليها بضعف، بينما بُكر واضح بعينيها:
_ إنت اي يا أخي، ما عندكش ضمير أو إحساس، طب حتى أزعل شويه أو أتأثر، ازاي قادر تكون ممثل شاطر كده، تبقي معايا رافض بعدي ومن ورايا بتخوني، ازاي ما كنتش شايفه وشك الحقيقي
فتح فمه ليقول أي شيء، لكن لم يسعفه عقله التائه، وقلبه يوجعه من كلامها وتلك النظرة التي كان يخشى أن تصل إليها أسيل بسببه.
انسابت عبراتها رغم أنها أرادت أن تظهر قوية، لكن صعوبة الوضع لم تتحملها، لكنها قوية بدليل أنها واقفة أمامه بقوة رافضة الخيانة، رافضة وجوده المزيف.
_ أنا ندمانة على كل لحظة حبيتك فيها، قلبي واجعني على اللي عملته فيه وإنّي أسمحلك تستهتر بيا وبمشاعري بالشكل ده
مسحت بكفها وجهها بعنف مشيرة عليه بأشمئزاز:
_ لكني أستاهل، ليه سكوت على نزواتك، ليه أرضي إنّي ماكنتش رقم واحد والوحيدة في حياتك
ثم صرخت بقهر باكي:
_ لييه أحب واحد زيك خاين، لييه؟؟
علا بكائها وفقدت السيطرة على انفعالها، وهو كالتمثال الحجري، متجمد مكانه قاضبًا جبينه ينظر لحالتها التي وصلت إليه بسببها دون أن يستطيع أن يفعل أي شيء، رآها تتحرك تجاه سيارتها التي تحركت بها حتى اختفت عن أنظاره، جلس على الأرض الصلبة أسفله، واضعًا رأسه بين كفيه التي تدور به، وبعد لحظات صمت كانت أصوات أنفاسه المتهدجة والتي توحي أنه يبكي، وأن يبكي رجل يعني أنه يتألم بشدة لكنه أيضًا جرح قلب لا ذنب له سوى أنه أحبه.
