جواد بلا فارس بقلم منى سلامة الجزء الرابع
************************************
وقف “آدم” أمام القبر يدعو ويستغفر .. بدا وكأنه لا يريد مفارقة هذا المكان .. كان الحزن والألم ينخران فى جسده فبدا وجهه كلوحة تعبر ببراعة عما يقاسيه ويكابده .. ودعها بنظراته الحزينة وعيونه الدامعه وقد اتسعت الهالات تحت عينيه .. همس لها بصوت مرتجف وكأنه قادم من مكان سحيق :
– مش هنساكى
اقترب منه “زياد” وربت على كتفه .. التفت اليه “آدم” فجذبه “زياد” من ذراعه قائلاً :
– يلا يا “آدم”
سار “آدم” معه وتوجها كلٍ الى سيارته .. نظر “زياد” الى “آدم” بقلق وقال :
– هتعرف تسوق ؟
ارتدى “آدم” نظارته الشمسية وهو يفتح باب سيارته ويقول :
– أيوة
وانطلقا فى طريقهما الى .. العين الساخنة
*************************************
تمدد “آدم” على فراشه ينظر الى سقف الغرفه ..كالجثة التى فارقت الحياة لا يميزه عنها سوى حركة جفوته الرتيبة من حين لآخر .. تابعته أمه بنظراتها المشفقه وهى لا تدرى ماذا تصنع لولدها لتخفف من هذا العذاب الذى يدب فى أوصاله .. لم يظن أنه سيتألم لفقدها الى هذه الدرجة .. لم يدرك أنها مهمة له لهذا الحد .. علم فى تلك اللحظة أنه لم يحب فتاة قبلها .. أشد ما يؤلمه هو الطريقة التى ظن أنها ماتت بها .. ظل يتخيل الزلزال وانهيار البناء والحريق .. هل قاست وتعذبت أم ماتت على الفور مثل “حليمة” التى دفنها فى القبر المجاور لها .. ظهرت تقطيبة على جبينه وهو يتمنى ألا تكون قد تألمت .. ظلت الأسئله تتقاذف الى عقله .. ماذا يحدث لها الآن .. أقبرها الآن روضة من رياض الجنة .. ام حفرة سحيقة من حفر النار .. ارتجف جسده وارتعد .. امتدت يده الى مصحفه وفتحه وشرع فى القراءه .. واهدائها هذا الأجر
امتنع “آدم” عن الذهاب الى عمله اليومين الماضيين .. لم يجد فى نفسه القوة على العمل أو حتى الحديث .. ظل قابعاً فى غرفته لا يلوى على شئ .. ذات ليلة أتت “ساندى” للإطمئنان عليه بعدما علمت من “زياد” شدة تأثره لوفاة “آيات” خطيبته السابقة .. شعرت “ساندى” لأول وهلة بالحزن لوفاتها ثم ما لبثت أن شعرت بالغيظ .. كانت تظن أن “آدم” نسى “آيات” ومحاها من تفكيره تماماً .. لكنها اكتشفت أنها كانت مخطئة وظنت أن هذا ما كان يحول بينها وبينه .. لم تنكر تلك السعادة التى شعرت بها فيما بعد وهى تفكر فى أنها تخلصت من غريمتها .. وللأبد .. وبالتأكيد سيكون “آدم” محتاج الآن لمن تبقى معه وتبدد أحزانه .. عدة أيام أو أسابيع وسينساها ويبدأ قلبه فى البحث عن حب جديد .. وستكون هى ذاك الحب .. توجهت الى الشاليه .. فتحت لها والدة “آدم” ودعتها للدخول .. فإبتسمت لها “ساندى” قائله :
– انا جيت أطمن على “آدم”
قطبت أمه جبينها فى حزن وهى تقول :
– والله يا بنتى زى ما هو .. لا عايز يخرج ولا عايز يتكلم مع حد .. طول الوقت حابس نفسه فى أوضته .. وحتى الأكل بياكل بالعافية
تسرب شعور بالغبظ الى نفس “ساندى” لكنها قالت بأسف زائف :
– بجد ربنا يصبره .. أكيد كانت حاجه صعبة عليه .. مع انى كنت فاكره انها خلاص مبقتش تفرق معاه من ساعة ما سابوا بعض
قالت أمه بتأثر :
– اذا كنت أنا اللى شوفتها مرة واحدة واتأثرت بموتها .. ربنا يرحمها كانت صغيره
قالت “ساندى” وهى تجول بعينيها فى المكان :
– ممكن يا طنط تقوليلى انى عايزة أشوف .. أنا قلقانه عليه أوى وعايزه أطمن عليه
لكن رد “آدم” كان حاداً عندما قال لأمه :
– قوليلها نايم
قالت أمه بعتاب :
– يعنى يا ابنى أحرج البنت وهى فى بيتنا أنا قولتلها انك صاحى .. ميصحش برده
قال “آدم” بحزم :
– مش طايق أشوف حد .. يا تقوليلها انتى يا أطلع أقولها
كان آخر ما سنقصه الآن هو رؤية “ساندى” بسماجتها وثقل ظلها .. رن هاتفه فتفحصه للحظة ثم رد قائلاً :
– ألو
قال الطرف الآخر :
– أيوة يا دكتور “آدم” .. ازى حضرتك .. أنا “مدحت” والد “أسماء”
– أيوة رقمى عندى يا أستاذ “مدحت
قال “مدحت” بحرج :
– أنا آسف لو اتصلت فى وقت غير مناسب
– لأ ابداً اتفضل
– كنت عايز أسأل عن “أسماء” موصلتش لحاجة ؟ .. معرفتش حتى طريق صاحبتها “آيات”
دمعت عيناه وهو يقول بصعوبة بصوت مضطرب :
– “آيات” .. “آيات” الله يرحمها
صمت “مدحت” للحظات ثم صاح :
– لا حول ولا قوة إلا بالله .. ماتت ازاى
تحدث “آدم” بصعوبة بالغة وقد شق عليه التحدث عن موتها مع أحد :
– الزلزال اللى حصل .. البيت الى كانت ساكنه فيه مع الدادة وقع
قال “مدحت” بلهفة ولوعة :
– أسماء كانت معاها ؟
– لا مكانتش معاها
– انت متأكد ؟
– أيوة متأكد لإن الجثث كلها استلموها أهلهم
قال “مدحت” بأسى :
– ربنا يصبر أهلهم .. البقاء لله يا دكتور .. وآسف انى ضايقتك
ألقى “آدم” الهاتف على فراشه بلامبالاة وأسند ظهره الى الخلف ليغرق فى أحزانه من جديد .. شعر بكل شئ حوله تافهاً لا قيمة له .. كل ما كان يحلم به وكل ما كان يطمح اليه .. كل شئ فجأة بدا صغيراً .. بلا قيمة .. وضيعاً .. تسرب اليه الندم ينهش فى قلبه .. شعر بأنه ترك ما يستحق من أجل مالا يستحق .. شعر بأنه كان يسير طيله الفترة الفائتة كالمغيب .. كالأعمى .. كفاقد البصر والبصيرة .. غضبه وقهره والظلم الذى تعرض له أحادوه عن الطريق الصحيح وسلسله الشيطان فى سلاسله يحركه كما يشاء .. واستسلم هو بلا أى رغبة فى المقاومة .. حركته رغبته فى الإنتقام واسترداد حقه حتى قسى قلبه كقلوب من ظلموه .. فلا فرق بينهما الآن .. كلاهما ظالم مذنب هالك عاجلاً أم آجلاً .. أغمض عينيه وهو يتمنى أن يفقد ذاكرته .. أو يعود بها الى عامين مضوا .. الى حيث كان “آدم” .. شخص آخر .. غير “آدم” الذى يراه الآن فى مرآته

