للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن الجزء الأول
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في قصر لم تره سوى في التليفزيون أو المجلات، توقفت سيارة عمّها أمام البوابة الحديدية الكبيرة،
ترجلت فيروز، وجالت بأنظارها المكان، ومعالم الانبهار مرسومة على وجهها الحزين،
دخلت مع السيد كمال، الذي استقبلته إحدى الخادمات مع نظرات فضولية موجّهة لفيروز، والتي تبدو كلوحة باهتة وحزينة وسط كل ما يحيط بها من ثراء…
السجاد الثمين الذي تمشي عليه بحذائها المتسخ من ركضها أمس،
الستائر المخملية بألوانها الزاهية، والتحف واللوحات الغالية الثمن، حتى تبدو أنها أغلى منها شخصيًا.
انتبهت على ركض الفتاة لوالدها، والتي ما إن أبصرت فيروز توقفت، وبعينيها تتساءل،
قال عمّها بهدوء مشيرًا إلى فيروز الصامتة بجواره:
_ فيروز يا أسيل… بنت أخويا، الله يرحمه
تعالت على وجهها الدهشة وباستغراب ردّدت من خلفه:
_ بنت عمي!
أجابها بإيجاز قائلًا:
_ هافهمك كل حاجة بعدين يا أسيل، دلوقتي فيروز تعبانة ومحتاجة ترتاح، طلّعيها في أوضة الضيوف لحد ما أجهز أوضتها
بحركة من رأسها أومأت، رغم فضولها الشديد لمعرفة أي تفاصيل عن ابنة عمّها التي ظهرت فجأة ولا تعرف متى ومن أين أتت…
وكان أفضل ما قيل لفيروز: أن ترتاح.
تشعر بتعب يكاد يُغشي عليها، وجسدها يصرخ طالبًا بعض الراحة والنوم.
أسيل لا تشبه والدها في الشكل، لكن تشبهه في اللطف، فتحت لها الغرفة وبابتسامة رقيقة قالت:
_ دي أوضتك مؤقتًا زي ما قال بابا، هاسيبك ترتاحي، ولما تصحي نبقى نتعرّف على بعض براحتنا
تركتها للحظات، ثم عادت وبيدها منامة وبعض المستلزمات إن أرادت فيروز أن تأخذ حمامًا وتغيّر ملابسها.
ورغم أن فيروز لم تنطق بكلمة واحدة، إلا أن أسيل كانت تتصرف بلطف مقدّرة حالتها وما توحي به من تعب وإرهاق…
أغلقت أسيل الباب من خلفها، وظلت فيروز مكانها لعدة لحظات،
ثم جلست على طرف الفراش، وعقلها لا يصدق تواجدها في مثل ذلك المكان الآن، ومع عمّها الذي لم تره منذ كانت صغيرة،
خلعت حذاءها، وعادت بظهرها على الفراش، دست نفسها تحت الغطاء بملابسها كما هي،
وبوضع الجنين انكمشت على نفسها، وظلت عيناها مفتوحتين مترقبتين كما اعتادت مؤخرًا،
ودون إرادة منها سقط جفناها، وغفا عقلها، واستسلم جسدها لنعومة الفراش من تحتها.
…….
بانتباه استمعت أسيل لوالدها وهو يلقي على مسامعها ما كان يعرفه عن زوجة أخيه وابنته، وبعتاب قالت ابنته:
_إزاي يا بابا ما تدورش عليهم وتعرف هما فين؟
أجابها كمال:
_أنا دورت والله دورت عليهم كتير، يا أسيل أنا سافرت وفيروز كانت صغيرة جدًا وأخويا كان لسه عايش، سافرت بره مصر وغصب عني، الغربة صعبة، ووسائل الاتصالات كانت صعبة جدًا غير دلوقتي، أنا فجأة عرفت بوفاة أخويا، وسألت عن مراته وبنته ما لاقيتش ليهم أثر، ولما رجعت عرفت من ناس جيران إنها اتجوزت، ومرت السنين وسافرت تاني ورجعت وأخبارهم بقت صعب توصلها.
تساءلت أسيل بحيرة:
_طب وصلت لحضرتك إزاي؟
مسح على جبينه وقال:
_اتصلت بيا، ماعرفش وصلت لرقمي إزاي، بس المهم إني لاقيتها.
سكتت أسيل وبترقب قالت:
_بابا، إنت متأكد إنها بنت أخوك؟ يعني مش ممكن تكون واحدة نص…
قاطعها رافعًا يده بوجهها وقال مؤكدًا:
_بنت أخويا يا أسيل، لو شفتي عمك هتعرفي هي قد إيه شبهه، وكمان إحساسي، البنت اللي فوق دي شافت كتير ومرت بحاجات الله أعلم بيها، هي بنت أخويا، أنا متأكد.