للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن الجزء الأول
لم تكن المرة الأولى لكابوسه المستمر، لكنه يزداد حدةً وصعوبةً كل مرة. ويعلم هو أن ما يراه ليس كابوسًا أو حلمًا أو حتى أضغاث أحلام، بل واقع عاشه بتفاصيله في صغره، وبقي في سجن عقله حتى صار شابًا ثلاثينيًا… بكل ما يملكه وما يستطيع فعله، بكل نفوذه وسطوته… إلا أن لا أحد يعلم عن هواجسه التي يصارعها في كل ليلة بمفرده.
استقام من على فراشه حافي القدمين، واتجه إلى شرفته وفتحها على مصراعيها، حتى ضرب الهواء البارد وجهه وصدره العاري. أغمض عينيه السوداوين مستنشقًا نسمات الهواء رغم برودتها، فقد جافاه النوم وانتهى…
انتهى من ارتداء حلّته الرسمية التي لائمت جسده، مبرزةً تقاسيمه الرياضية. لا يملك ذلك الجسد المتكتل بالعضلات، لكنه جسد رياضي، حافظ على لياقته. نثر عطره واتجه إلى الأسفل بخطوات واثقة متريثة.
وفي بهو القصر الواسع، كانت صورة كبيرة متصدّرة الواجهة، صورة لوالده الراحل. ورغم أنه توفي وعمره ثمان سنوات، إلا أن تلك السنوات القليلة عاشها كلها بتفاصيلها معه فقط، وكانت أفضل سنوات حياته… حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، لم يكن معه غيره، في أصعب اللحظات وأقساها، والتي ما زال يعاني منها حتى الآن…
لكن في النهار، وأمام الجميع، من ذا الذي لا يهابه… لا يعرفه… لا يتمنى أن يملك ما يملكه… من لا يعرف قسوته…
من ذا الذي يراه ولا يبدي ولاءه واحترامه لرجل الأعمال الأشهر:
قاسم عمران..
للهوى رأي آخر
الفصل الثاني
في اجتماع استمر لوقت متأخر، طاولة ممتدة عليها أهم رجال الأعمال في مختلف المجالات، ويترأس طاولة الاجتماع قاسم عمران الجالس بهيمنة وثقة، الذي احتكر عدة مجالات في السوق مؤخرًا، مما أظهر رفضًا وامتعاض عدد من رجال الأعمال المتواجدين.
قال أحدهم:
_يا قاسم بيه، أنت راجل سوق وعارف إن اللي حصل ده يأثر علينا.
أجابه قاسم وهو يتلاعب بقلمه بين أصابعه بينما عيناه بلون الزمرد الأخضر متحجرة:
_وهو لازم كل واحد فيكم ياكل السوق في بطنه لوحده؟
قال آخر رافضًا:
_يا باشا، كده في ناس كتير بتتأثر وبيوتها بتتخرب.
ارتفع إحدى حاجبيه باستهزاء:
_تؤ تؤ، إيه شبورة الحنية دي؟ قال: وأنا اللي عرفت بالعمال اللي اتصابوا في المصنع عندك، وبدل ما يتصرف لهم علاج لإصابة عمل ومكافأة، استغنيت عن خدماتهم ورفدتهم.
ثم ضرب بقبضته على سطح الطاولة هادرًا وبعينين قاسيتين:
_أكره ما عليا مدّعي الفضيلة، أنا راجل واضح، مالاقتش في السوق اللي قدر يقف لي، فبقي في إيدي.
