رحم للايجار بقلم انجي الخطيب الجزء الثاني

البارت التاني
طارق حس إن الدم اتجمد في عروقه، الست دي بالذات رجوعها معناه إن الماضي القذر اللي حاول يدفنه بكل قوته رجع يفتح بابه تاني. فريدة الألفي.. الست اللي خدعته زمان باسم الحب، وكانت هتضيع اسم عيلة الشاذلي لولا إنه كشفها في آخر لحظة وطردها برة البلد مكسورة العين والقلب.
​فريدة كملت بضحكة باردة زي التلج: “مالك سكت ليه يا ابن الشاذلي؟ الصدمة لجمتك؟ سلملي على المحروسة اللي معاك.. وقولها تستعد، عشان اللي جاي مش هيعجبها”. وقفت السكة.
​طارق كان واقف زي الصنم، إيده اللي ماسكة التليفون كانت بترتعش من كتر الغضب والغل، عيونه اسودت وبقى يتنفس بسرعة ونفسه عالي جداً.
​نرمين حست بنار قايدة جوة طارق، قربت منه بخوف وحطت إيدها الرقيقة على صدره اللي كان بيترعف بقوة: “طارق.. حبيبي في إيه؟ مين دي؟ ومين فريدة؟ مالك وشك اتقلب كدا ليه؟”
​طارق بص لنرمين.. البراءة والنقاء اللي في عيونها حسسوه بالذنب، هو مش عايز يدخل النسمة دي في وسخ الماضي بتاعه. لف وشه عنها وحاول يمشي: “مفيش يا نرمين.. شغل.. مكالمة تافهة”.
​نرمين قفشت في دراعه بكل قوتها ودموعها نزلت: “ماتكدبش عليا! أنا شوفت الرعب في عينك، شوفت غلك.. طارق أنا مراتك وأم ابنك، اللي يوجعك يوجعني.. مين الست دي اللي عايزة تاخد حقها
انجى الخطيب
…………
طارق قفل السكة من غير ما ينطق بحرف واحد، بس إيده كانت بتترعش من كتر الغضب، والموبايل كان هيتكسر في كف إيده. لَف لنرمين وهو بيحاول يرسم ابتسامة مكسورة عشان متلاحظش النار اللي جواه، بس نرمين اللي حفظت كل تفاصيله، قرأت الخوف والشرار اللي في عيونه.
​قربت منه وحطت إيدها على صدره، وحست بدقات قلبه السريعة زي طبول الحرب: “طارق.. في إيه؟ مين دي اللي كانت بتكلمك؟ ومالك اتأثرت كدا ليه؟”
​طارق حوط وشها بإيديه وباس جبينها بنعومة، وحاول يخلي صوته هادي: “مفيش حاجة يا قلب طارق.. دي مجرد مشاكل في الشغل، منافسين قدام بيحاولوا يضايقوني مش أكتر. متشيليش هم واطلعي ارتاحي في السرير عقبال ما أعمل مكالمة سريعة”.
​نرمين بصلته بشك بس هزت راسها وطلعت على السرير، وهي حاسة إن في غيمة سودا بدأت تقرب من حياتهم المستقرة.
​طارق دخل البلكونة، والهوا البارد لَح ف وشه، طَلع تليفونه ورن على “عمر” صاحب عمره وضابط العمليات الخاصة. أول ما عمر رد، طارق قال بصوت فحيح الأفاعي: “فريدة الألفي رجعت مصر يا عمر.. لسه مكلماني حالا وبتشاور على نرمين وابني”.
​عمر صوته اتغير تماماً وبقى كله جدية وحزم: “فريدة؟! دي هربانة في أوروبا من 4 سنين بعد ما حجزنا على كل أملاكها! إزاي دخلت البلد؟ طارق، الست دي مجنونة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تنتقم منك ومن والدك لأنكم كسرتم شوكتها في السوق وسجنتوا أخوها.. اسمعني، من النجمة حراسة مشددة هتكون حوالين الفيلا، ونرمين متبطليش خطوة برة البيت”.
​طارق مكنش سامع غير فكرة إن حد ممكن يمس شعرة من نرمين، همس بغل: “لو قربت من عيلتي، المرة دي مش هسجنها يا عمر.. أنا هنهيها من على وش الأرض”.
​تاني يوم الصبح، طارق رفض يروح الشركة، وقرر يقضي اليوم كله مع نرمين في الجنينة بتاعت الفيلا عشان يطمنها ويكون عينه عليها. الجو كان مشمس وجميل، وطارق كان قاعد على الكرسي ونرمين نايمة ومسندة راسها على رجله وهو بيلعب في شعرها ببطء، وبيأكلها فراولة بإيده بدلع ورومانسية نستها قلق امبارح.
​نرمين رفعت عيونها وبصتله بحب: “طارق.. أنا بحس إن الدنيا بتصالحني بيك. أنت حنين أوي، عكس ما الناس بتقول عنك برة إنك صخر ومبترحمش”.
​طارق مال عليها وباس شفايفها بوسة رقيقة خطفت أنفاسها، وهمس: “أنا صخر مع الدنيا كلها، بس معاكي أنتِ بكون طفل مستني رضاكي.. أنتِ حمايتي وأماني يا نرمين”.
​في اللحظة دي، دخل الشغالة وهي مرعوبة وماسكة في إيدها علبة قطيفة سودا أنيقة: “طارق بيه.. في دليفري ساب العلبة دي على الباب وقال إنها لمدام نرمين مخصوص”.
​طارق قام وقف فجأة، وعيونه اتسعت بقلق. أخد العلبة من الشغالة وطلب منها تدخل جوة. نرمين وقفت جنبه بفضول: “دي إيه يا طارق؟ مين هيبعتلي هدية؟”
​طارق فتح العلبة ببطء.. وداخلها مكنش في مجوهرات ولا ورد.. كان في “سلسلة فضة مكسورة” وعليها نقط دم ناشفة، وجنبها كارت مكتوب عليه بخط إيد نسائي محترف: (مبروك يا طارق على الوريث.. السلسلة دي كانت بتاعة أمك الله يرحمها اللي ماتت بقهوتها، تفتكر نرمين والبيبي هيلحقوا يلبسوها؟.. اللعبة بدأت).
​نرمين أول ما قرأت الكلام حطت إيدها على بقها وصرخت برعب، وجسمها كله بدأ يترعش، ووقعت في حضن طارق وهي بتبكي بانهيار: “طارق! مين دول؟ هما عايزين يموتوا ابني؟ طارق أنا خايفة!”
​طارق ضمها لضلوعه بقوة رهيبة لدرجة إنه كان هيخنقها من كتر خوفه عليها، عيونه اسودت تماماً وعروق رقبتها برزت، وبص للسما وبقى يتنفس بسرعة وغل أعمى.. فريدة الألفي لعبت في الممنوع، والمرة دي الأكشن والمواجهة مش هيرحموا حد. طارق شال نرمين ودخل بيها جوة وهو بيهمس في ودنها بصوت زي الرعد: “متقلقيش يا عمري.. ورب العزة ما هيرمشلي عين لحد ما أجيب راسها تحت رجليكي!”.
انجى الخطيب
…………
طارق دخل بنرمين الجناح وحطها على السرير بالراحة، وجسمها كله كان لسه بيتفض زي الورقة في وسط الريح. قعد جنبها وأخدها في حضنه، وفضل يبوس راسها وعيونها ويملس على ضهرها وهو بيهمسلها بصوت دافي بيحاول يطمنها بيه: “أنا جنبك يا قلب طارق.. طول ما أنا بتنفس مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك، أنتي في حمايتي وحماية ربنا.. اهدى عشان خاطر ابننا يا روحي”.
​نرمين دفنت وشها في صدره ودموعها مغرقة قميصه: “أنا مش خايفة على نفسي يا طارق، أنا خايفة عليك وعلى البيبي.. الست دي شكلها مجنونة ومش هتهدى”.
​طارق بصلها بعيون مليانة عشق وتحدي، وباس كف إيدها: “المجنونة دي متعرّفش طارق الشاذلي ممكن يعمل إيه لو حد فكر بس يقلق ليل مراته.. نامي وارتاحي ومتفكريش في أي حاجة”.
​أول ما نرمين بدأت تهدى وتنام من كتر التعب والخوف، طارق سحب إيده بالراحة وغطاها، وخرج برة الأوضة وعيونه اتحولت لكتلة نار. طَلع تليفونه وكلم “عمر”.
​عمر رد فوراً: “إيه يا طارق؟ عرفت حاجة؟”
طارق صوته كان مرعب من كتر الهدوء: “بعتت لمراتي تهديد صريح في بيتي يا عمر.. فريدة حفرت قبرها بإيدها. أنا مش هستنى لما تعمل حركة، أنا اللي هروح لها”.
عمر بحسم: “أنا حددت موقع الرقم اللي كلمك امبارح، الإشارة جاية من فيلا مهجورة في حزام أكتوبر، بس المكان متأمن بحراسة شديدة.. استنى يا طارق هجيب قوة وأجيلك، متهوروش!”
طارق قفل السكة من غير ما يرد.. الغيرة والغل على مراته وعيلته عَموا عينه، مكنش مستعد يستنى دقيقة واحدة.
​طارق نزل جَس نبض الحراسة اللي برة الفيلا، وأكد عليهم يفضلوا صاحيين وعينهم على أوضة نرمين، وركب عربيته وطلع بأقصى سرعة على العنوان اللي عمر قاله عليه.
​الليل كان ليل كاحل، والمطر رجع يمطّر تاني بغزارة. طارق وصل للمكان، فيلا قديمة وضلمة ومحاطة بشجر كثيف. نزل من العربية بهدوء، وسحب مسد_سه من جنبه.. ملامحه الرياضية وجسمه القوي كانوا بيتحركوا في الضلمة زي الفهد.
​لمح اتنين حراس واقفين على الباب بيتكلموا، طارق قرب من وراهم وبحركة سريعة ومحترفة ضرب الأول بظهر المس_دس على دماغه وقعه فاقد الوعي، والتاني لسه هيلف ويصرخ، طارق كتم بقه وضربه في بطنه وقعه جنبه.
​دخل طارق جوة الفيلا، المكان كان هادي زيادة عن اللزوم، وده خلاه يشك. وفجأة.. الأنوار كلها اتفتحت مرة واحدة، وظهر من ورا العواميد حوالي خمس رجالة مسلحين وموجهين سلا_حهم عليه!
​ومن وسطهم.. خرجت ست في أواخر الثلاثينات، لابسة فستان أسود أنيق، ملامحها حادة وفي عيونها نظرة شماتة وشر رهيب.. “فريدة الألفي”.
​فريدة ضحكت بـ غل وهي بتصقف بإيدها: “نورت فيلتي يا طارق بيه.. كنت عارفة إنك هتيجي برجليك، الحب بيموت برضه وبيخلي الواحد غبي.. بعتلك السلسلة عشان أشوف هتعمل إيه، وفعلاً جيت لوحدك!”
​طارق رفع مس_دسه بثبات ومتهزش، وعيونه بتطق شرار: “فريدة.. لعبك معايا زمان أنا فوتّه بمزاجي، وسجنت أخوكي عشان كان حرامي.. بس تقربي من مراتي وابني، يبقا أنتي اللي استعجلتي على عمرك”.
​فريدة ملامحها اتقلبت لغل أعمى وصوتها بقى حاد: “أبوك وأنت دمرتم عيلتي! خسرتوني كل حاجة وسجنتوا أخويا الوحيد.. وأنا راجعة عشان أحرق قلبك على أكتر حاجة غالية عندك.. تفتكر الحراسة اللي عندك في الفيلا هتحمي نرمين؟”
​في اللحظة دي، طارق حَس بخبطة قوية على دماغه من ورا من حارس كان مستخبي.. الدنيا لفت بيه والمس_دس وقع من إيده، ووقع على ركبه وهو بيقاوم عشان ميفقدش الوعي.
​فريدة قربت منه وبصتله من فوق لِتحت بشر: “اربطوه.. وكلموا الرجالة اللي قدام فيلته، ينفذوا الخطة ويهاتولي المحروسة مراته هنا.. عايزاه يشوفها وهي بتموت قدام عينيه عشان يدوق طعم الحرق”.
​لكن فجأة.. وقبل ما أي حد من رجالتها يتحرك، صوت ضرب نار كثيف جداً هز الفيلا، والشبابيك الإزاز كلها اتكسرت!
​دخلت قوات العمليات الخاصة بقيادة “عمر” اللي كان داخل ومس_دسه شغال حصد في رجالة فريدة. عمر صرخ: “أثبت مكانك منك ليه! المكان كله محاصر!”
​بدأت معركة أكشن ومطاردة ضرب نار تحبس الأنفاس جوة الصالة الواسعة. طارق، رغم الدوخة والدم اللي بدأ ينزل من دماغه، استجمع كل قوته وقام لَف للحارس اللي ضربه، وأداه بوكس قوي في وشه وقعه على الأرض، وأخد مس_دسه تاني.
​فريدة شافت خطتها بتبوظ والبوليس مالي المكان، جريت تحاول تهرب من الباب الخلفي، بس طارق كان أسرع منها.. جيري وراها وزنقها عند المخرج، ورفع المس_دس في وشها ونفسه عالي وعروق رقبته بارزة: “انتهت اللعبة يا فريدة.. مفيش هروب المرة دي”.
​فريدة بصتله برعب حقيقي لأول مرة وهي شايفة نظرة الموت في عيونه. عمر جري على طارق ومسك إيده بالراحة: “نزّل سل_احك يا طارق.. الست دي خلاص انتهت وهتتأبد، متضيعش نفسك عشانها.. نرمين مستنياك في البيت”.
​كلمة “نرمين” نزلت على طارق زي المايه الباردة اللي طفت النار اللي جواه.. طارق نزل الس_لاح، وعمر كلبش فريدة وأخدها والشرطة سحبتها وهي بتصرخ بغل.
​عمر بص لطارق وطبطب على كتفه: “ألف سلامة عليك يا صاحبي.. أنا بعت قوة تانية أمنت الفيلا عندك تماماً، نرمين في أمان”.
​طارق مسح الدم من على جبهته ومفكرش في أي حاجة غير إنه يرجع لحضنها.. ركب عربيته وساق بأقصى سرعة، ومحسش بالوقت غير وهو بيفتح باب الجناح بتاعه.
​نرمين كانت قاعدة على السرير صاحية وبتعيط وقلقانة، أول ما شافت الباب بيفتح وطارق داخل وهدومه متبهدلة وفي دم على وشه، صرخت وجريت عليه ونزلت تحت رجليه وهي بتعيط بانهيار وأخدت وشه بين إيديها: “طارق! إيه الدم ده؟ أنت كويس؟ عملوا فيك إيه يا حبيبي؟”
​طارق نزل لمستواها على الأرض، وأخدها في حضنه بكل قوته، دفن وشه في شعرها وهو بيعيط من كتر اللهفة والخوف اللي عاشه عليها: “أنا كويس يا عمري.. خلاص، كبوس وانتهى ومحدش هيقدر يقرب مننا تاني.. فريدة اتقبض عليها وكل حاجة خلصت”.
​نرمين رفعت وشها وبصت في عيونه العسلي، وبدأت تمسح الدم من على جبهته بطرف كمها وهي بتبوس مكان الجرح بنعومة وحنان يخطف العقل: “أنا كنت حاسة إنك في خطر.. قلبي كان هيقف من غيرك يا طارق.. متسبنيش تاني وتروح في حتة لوحدك، أنا وابنك ملناش غيرك”.
​طارق شالها بين إيديه بالراحة خالص، وقام بيها وحطها على السرير وقعد جنبها، وأخد إيدها حطها على قلبه اللي كان بيدق عشانها وبس، وقال بنبرة مليانة حب ورومانسية تدوّب الصخر: “أنا عمري ما هبعد عنك تاني.. أنتي النفس اللي بطلعه وبدخله يا نرمين.. أنتي الست اللي حاربت الدنيا عشانها، ومن النهاردة مفيش غير الحب والأمان وبس.. وبكرة ابننا ييجى وينور دنيتنا”.
​نرمين ابتسمت بوسط دموعها وحضنته جامد، وطارق ضمها ليه وهو بيحس بأمان حقيقي لأول مرة في حياته وسط ريحة المطر برة ودفء حضنها جوة.
انجى الخطيب
…………

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *