قطة في وادي الذئاب بقلم إسراء عبد القادر الجزء الثالث

أخذ يقتطع من الخبز أمامه ثم يخلط به بعضا من الجبن و يقربه من فمها قائلا بحنو:
_ آخر حتة
تقلصت معالمها بتقزز و هي تردف نافية:
_ مش قادرة با باسل ، كفاية كدة أرجووك
لم يبعد يده او يمتثل لها و إنما قال محذرا:
_ لازم تاكلي يا دارين و إلا هتتعبي من تاني و الدكتور شدد على الأكل
تنهدت دارين بضجر ثم انصاعت إلى سؤاله و أكملت مضغ طعامها دون شهية تستدعي ذلك ، و اسنانها بالكاد تتحرك و قد نال منها الألم ما نال ، على مضضٍ أنهت طعامها بعد رجاء باسل كي تكمل ثم تتناول دواءها المخصص لما بعد العشاء ليقف باسل و هو يحمل صينية الطعام مبتسما:
_ برافو يا داري ، نامي دلوقتي عشان انتي أكيد تعبانة
اماءت برأسها موافقة لينحني بجذعه ثم يلثم مقبلة رأسها ثم يبتعد عنها حتى يصل إلى باب الغرفة تحت انظارها المرتضية ، ثم يغلق المصباح و يخرج كي يضع الصينية بالمطبخ و يعيد ضبط الأشياء به ، حينما خرج تذكر محادثته الأخيرة مع محمد بعد عودته من هذا الاختطاف الغريب الذي تم بتخطيط امرأة! ، تذكر حينما أعطاه محمد المشاركة لتدمير أكمل كما أشرف ، فهو الذي يعشق زينة و يمكنه تقبيل ثرى قدميها مقابل نظرة من عينيها ، و لكنها جافته و عاملته بقسوة ، و بالتأكيد لها كل الحق بما تقوم به ، سيثأر لأجلها بعدما علم من نوايا خبيثة اضمرها كل من أشرف و أكمل لها ، كما هو حاله حيث يضمر الانتقام لكليهما ، فلا يمكنه نسيان أخته سيرينا و ذهاب روحها سدى ، و كل ذلك فقط حينما فكرت في العودة إلى الثراء من جديد بعد الإفلاس الذي قضى على مجدهم ، تزوجت أكمل عرفيا و حملت منه و حينما طالبت بحقوقها في الاعتراف بجنينه و إعلان زواجهما أبى و قت.لها بكل دم بارد و حينما عرف باسل كان الأوان قد فات ، و كذلك أشرف الذي وافق على العمل عنده بطلب من محمد و ذلك لقاء مبالغ من المال حتى يعلن أشرف إفلاسه ، لأنه في أمس الحاجة إلى المال لرعاية أخته الصغيرة صاحبة مرض الكبد الذي يكاد يفتك بجسدها النحيل ، جلس باسل على الأريكة ثم مسح وجهه بارهاق قبل ان يتحدث في نفسه ببعض الألم:
_ أيوة هبهدلكم انتو الاتنين ، ماحدش أغلى عندي من اخواتي ، هدمرك يا أكمل و انتقم لسيرينا ، و ادمرك يا أشرف و أنقذ دارين

كان سفيان يجلس بغرفته الشاسعة الاتساع أرضا غير عابئ بحلته ذات السعر الغالي التي تلامس أرضية الغرفة السيراميكية ، يمسك بعنق زجاجة الكحول أمامه ثم يميله كي يسكب منه القليل داخل الكوب ، ثم يتجرعه بلحظة واحدة ، لا مذاق لها حلوا بل مذاقها حامضا معتقا و لكن لها ميزة إذهاب العقل و السفر به إلى أرض النسيان ، على خلاف حاله حيث يتجرع منها بقدر ما يتجرع إلا أنها لا تنسيه ذرة من آلامه المعتملة بصدره برعونة! ، يشرب و يشرب حد الثمالة و لكن لا تختفي أوجاعه إلا مع رؤيته لصورة الصغيرة ذات الثمان سنوات التي لا تفارقه أينما ذهب ، أخرج محفظته ثم فتحها و التقط منها الصورة ثم ألقى المحفظة جانبا كي يتمتع برؤية صغيرته ذات الجدائل السوداء القصيرة ، و ابتسامتها البريئة منقوصة سنتين من الأمام ، ابتسم رغم ما يسكن بفؤاده من هموم حينما تذكر مشهد ما قبل التقاط هذه الصورة حينما كانت حزينة لأن أسنانها ليست جميلة ، و لكنه استطاع كعادته اقناعها بكونها لا زالت جميلة ، كان و لا يزال يعشق كل تفصيلة فيها فلم تغيره ألمانيا او القاهرة عن رغبته بها و ضمِّها إلى مملكته و عش حبهم الصغير الذي هاجمته الظروف و لم تترك به قشة جيدة!
دخل مراد الغرفة ليجدها مظلمة كعادتها و يجد سفيان الجالس هناك يتجرع من كأسه بينما عيناه الصامدتان مثبتتان على صورة زينة كما يفعل كل ليلة! ، حاول تلطيف الأجواء الليلة حيث هي من المفترض ليلة سعيدة بالنسبة لصاحبه و لكنه دوما لا ينسى الاختلاء بنفسه عدد ساعتين كي يجدِّد من جراحه دون رحمة ، قال مراد و هو يقترب منه مداعبا:
_ الله يرحم أيام ما كنت ترفض أي نوع خمور و تحلف مية (100) يمين ما تشربها يا فارس!
استدار برأسه نحو مصدر الصوت ليرمقه بابتسامة واثقة اتبعها بقوله:
_ و انت الله يرحم ما كنت تحلف بالطلاق عالبِدَل و دلوقتي ماشاء الله فاهم ف كل ماركاتها يا سليم!
عض سليم على شفتيه بحزن و قد تذكر بالفعل كونه سليم لا مراد! ، جلس على الأرض بجانب صاحبه ثم تنهد بحرارة قبل ان يردف بحزن بلغ قسماته قبل صوته:
_ الدنيا دي غريبة أوى يا صاحبي ، يعني الواحد لو نافق و عمل فيها بيحب الكل كل الناس تحبه ، و اللي يفكر ف مشاكل الناس و يحلها يتكره هو فى الآخر! ، صبلي كاس
ناوله كأسا كما طلب ثم نظر إليه متأملا حيث يتناول كأسه جرعة واحدة ثم يكمل بشئ من الحسرة:
_ الطار كان بيقضي على الكبير و الصغير ، و موِّت شباب بعدد شعر الراس ، و لما جه الدور عليا قلت أسلم كفني عشان اوقف نزف الدم اللي حصل ده! ، اتهموني اني جبان بخاف من الموت و البلد كلها كرهتني و أهلي طردوني و مراتي كرهتني و طلبت الطلاق و حرمتني من بناتي لحد ما وصلت لحالة الانتحار لولا ما لحقتني يا فارس!
قالها و هو يرمق فارس ممتنا بينما يتحدث الأخير بخمول:
_ وجعك صعب يابن عمي ، بس زيك انا كمان موجوع ، عارف يعني اي بعد ما اكون متفوق و اخد منحة على ألمانيا و ادرس هناك ، و بسبب شهامتي السفارة ترجعني مصر تاني و تجيب جثة و تطلعلها شهادة وفاة! ، و ابقى انا دلوقتي سفيان نوح مالك الشركات إللي معاه ثانوية! ، آه عالقهر!!
ثم التفت إلى صورة زينة بيسراه ليوجه حديثه إليها قائلا:
_ لولا صورة زينة بنت عمي اللي مهونة عليا المرار!
قطب سليم حاجبيه متعجبا قبل ان يتساءل:
_ يا ترى لسة فاكراك و ماسكة صورتك؟
أجابه بثقة:
_ أكيد لسة فاكراني و بتشكيلي همومها كمان

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *