للهوى رأي آخر بقلم سارة حسن الجزء الثالث
رأى تصلب وجهها وأدارته الجهة الأخرى: مش عارفة، يمكن مش لاقيه لها مسمى بالظبط
_ ليه؟
حاولت التملص من الإجابة والعودة لغرفتها تحتمي من ذكريات سيئة تركت في نفسها أثر لم تتجاوزه بعد، تحركت من جانبه لكنه استوقفها ومسك ساعدها:
_ ليه يا دهب؟
سحبت يدها منه ثم عقدتها أمام صدرها بانفعال مكبوت:
_ لأنه ماكنش موجود، مرات قليلة اللي شوفتوا فيها
ابتسمت بسخرية مسترسلة له لأول مرة: كان عنده بيت تاني، أقصد أولاني، كان عنده زوجة وأولاد كبار ووقته كان ليهم، زياراته كانت باردة وقصيرة، كان خايف يعرفوا إنه اتجوز، و عرفوا…
و الوضع ما اختلفش كتير،
يمكن وصل إن زياراته انعدمت وقبل ما يم*و*ت بفترة كانت المصاريف بتوصل مع البواب، فكرت كتير ليه كمل في الجوازة دي، كنت فاكرة إنه سحر كامليا، لكنه كان خوف من الفضائح، وفجأة مات، وشوفت لأول مرة في حياتي إخواتي من أبي، كرههم لكامليا عمي عينيهم عني وهم بيحاولوا بكل الطرق ياخدوا نصيبنا الشرعي، كامليا محدش يعرف ياخد منها حاجة فبعدوا عنا، ودي كانت أول وآخر مرة أشوفهم فيها.
التقطت نفس مرتجف بعد حديثها المطول، أمام موسى المنصت لها، وعينيه التي لم تفارق ملامح وجهها بانفعالاته وعينيها الحزينة والتي تخفيها بنظرة ساخرة.
مسحت على جبينها وتمتمت بخفوت: ما كانش لازم أحكي كل ده
اقترب منها موسى، فارداً كفها وماسحًا بإبهامه بداخله، لأول مرة يرى ذلك الجانب من دهب، يراها طفلة فقدت والدها وهو على قيد الحياة مرة ،وأخرى عند م*و*ته.
نظرت له وتمنت أن يهون عليها بين ذراعيه، وهي كأنها تطلب منه شيء، شيء مبهم له لا يفهمه،
فقال بصوت هادئ مداعبًا:
_ المفروض إني إجازة النهارده، والنكد بدأ من أول ما شوفتيني، ممكن لو سمحتي يعني نفطر الأول، لأني بصراحة جعان جدًا، وبعدها نشوف هانكد على بعض بقية اليوم إزاي
ابتسمت حتى شمل وجهها ضحكة رائعة وهي تومئ برأسها موافقة وتحركت مقررة أن يكون الإفطار في الهواء، تتبعها موسى مع ظهور بسمة خاصة بها ونظرة لو رأتها لهدء قلبها وأشرقت.
……..
بخطوات بطيئة وثقيلة دخل قاسم غرفته، يحاوطها الظلام إلا من نور ضعيف آتي من النافذة، لم يصدر صوت بعد ما أدرك أنها غافية، متقوسة على نفسها وشعرها مشعث بجانبها، ملامحها المرتخية لم تخفِ إرهاقها.
الآن فقط تذكر أنها لم تأكل شيء منذ يومين، جلس على الكرسي القريب من الفراش مستندًا بساعديه على فخذيه، وحالة الندم تعصف بداخله وتأنيب ضميره يق*ت*له، كيف فعل بها كل هذا وصدق الافتراء عليها.
لقد خذلها قاسم، وفيروز وإن كانت هشة، إلا أنها لن تصفح عنه بسهولة، بل من الممكن أن تخرج كل الكبت بداخلها به، وسيتحمل، يتحمل أي شيء فقط أن تظل بجواره، وفكرة ابتعادها عنه مستحيلة مهما كانت الظروف، وخروجها من بيته يعني أنها لن تعود أبدًا، ولن يسمح بذلك حتى لو احتاج الكثير من الوقت لتغفر، سيفعل أي شيء فقط لتسامحه.
لم يشعر بنفسه وهو يتأملها أنه بدأ يغفو على وجهها، وجفونه بدأت تستجيب لسلطان النوم على غفوته تهدأ من ازدحام عقله.
تململت بعد ما شعرت بأشعة الشمس المتساقطة على وجهها، فتحت عينيها وتأملت أشعتها لبداية يوم جديد، أحلام يسعى أحدهم لتحقيقها وآخر يستقبل اليوم بحماس وتفاؤل، وهي تستقبل يومًا جديدًا من العذاب، تنتظر نهايته منذ أن بدأ حتى ترتاح وتهرب بنومها من واقعها المرير، لم يعد لها رغبة لأي شيء ولا حتى للحياة.
ظنت أنها بدأت تعيش، تحلم، وتحب، وترسم مستقبلًا، لكن بعد ما حلقت في السماء اصطدمت بالأرض بكل قوتها، وفقدت القدرة حتى على أن تساعد نفسها وتنهض مرة أخرى.
نزلت من على الفراش فأنساب فستانها الذي لا تعرف متى ارتدته، لامست قدميها الحافيتين الأرض الصلبة من تحتها واتجهت لتلك المرأة الكبيرة في جانب الغرفة، لم تنتبه لقاسم الذي يتتبعها بعينيه دون أن يصدر صوت، فقط يراقبها بعينين متألمتين.
قابلت وجهها الشاحب وعينيها المنتفختين، شعرها الباهت وعينيها الفاقدتين للحياة، لقد فعلوا كل شيء ليحطموها، فعلوا كل ما بوسعهم لتصبح شبح امرأة كالتي تراها أمامها الآن.
انسابت دمعتان بصمت على خديها، والخواء والكسر تأكلها، وهدَر قلب ذلك الحزين….
لامست المرآة بأصابعها وفجأة تحولت بأهتياج فدفعتها بقوتها حتى سقطت المرآة للخلف ودوى صوت تحطيمها الغرفة متناغمًا مع صوت بكائها العالي، أسرع إليها قاسم وقيدها من الخلف، فاهتاجت أكثر وحاولت التملص منه بغضب، لكنه لم يتركها، بل اعتدل وحاوطها بين ذراعيه وصدم مما استمعه منها وجعله يتخشب مكانه.