قلبي لمن بقلم أمل نصر
ختمت حديثها وتحركت نحو غرفتها فوراً، تاركةً والدتها متجمدة من وقع كلماتها القاسية. لم يشعر رشدي بنفسه إلا بعد أن غابت عن عينه وهرعت زوجته لتلحق بها؛ فسقط على مقعده بقهرٍ دفين. فقد كان حتى اللحظة الأخيرة يمارس سلطته الأبوية بتجبر، رغم أن تصرفه هذه المرة نابع من عجزه عن منعها.
منعه كبرياؤه من التوسل إليها لتسامحه على مجمل أخطائه، أو حتى الوعد بإصلاح ما هو آت؛ لكن يبدو أن الفرصة قد ضاعت، وما تبقى ليس سوى “فتافيت” مودة، إن ضاعت هي الأخرى، فقد خسر ابنته للأبد
………………………….
دخلت “اعتدال” إلى غرفة ابنتها، فوجدت الحقيقة المرة تتجسد أمام عينيها؛ كانت ياسمين قد وضعت حقيبة سفرها على الفراش وبدأت تجمع ملابسها ومتعلقاتها الخاصة من الخزانة بسرعة وإصرار. انقبض قلب الأم وهي تدرك أن ابنتها تمضي فعلاً في طريق الرحيل والابتعاد عنهم، شعرت بعجزها القاتل عن منعها.
ومن غير تفكير، هرولت اعتدال نحو ابنتها وجذبتها إلى حضنها، ثم غرقت في نوبة بكاءٍ حارق. ورغم العهد الذي قطعته ياسمين على نفسها بألا تذرف دمعة أخرى، إلا أن مشهد انهيار والدتها جعل عينيها تدمعان رغماً عنها.
سرعان ما استعادت ياسمين رباطة جأشها، وحاولت التملص من حضن والدتها لتتحدث إليها بقوة وثبات، بينما كانت اعتدال تردد من بين شهقاتها بنبرة مكسورة:
ـ ـ “مش عارفة هعيش في بعادك عني إزاي؟ ولا قادرة أقولك ‘بلاش’.. لاضيع عليكي فرصة جديدة وتشيلي مني أكتر.”
انفجرت اعتدال مرة أخرى في البكاء، وما إن همت ياسمين بالعودة للتخفيف عنها حتى تناهى إلى مسامعها صوت شقيقتها “سما”؛ فعلمت أنها عادت من الخارج. التفتت ياسمين نحو والدتها، ووجهت إليها الرجاء بنبرة حازمة لا تقبل التهاون:
ـ “ليا رجاء عندك يا ماما.. حكاية السفر والشغل دي ما تقوليش عنها أي حاجة نهائي قدام بنتك.”
صمتت اعتدال بشرود وذهول، لتضيف ياسمين بتحذيرٍ أشد:
ـ “وتنبهي كمان على جوزك.. لا سما ولا خطيبها جمال يعرفوا مكاني، ولا أي تفاصيل عن شغلي. اعتبريني سافرت سياحة، أو اختفيت.. المهم ميعرفوش طريق ليّا.”
أومأت اعتدال بطاعة وهي تمسح دموعها، عازمةً على تنفيذ رغبة ابنتها المكلومة، دون جدال أو محاولة لاقناعها عن التراجع، فهي الاعلام بصواب قرارها.
خرجت إلى زوجها في الصالة، وكانت نظراتها تحمل إصراراً غريباً وهي تبلغه بتحذير ياسمين؛ فقد أدركت أن كتمان السر هو الخيط الوحيد الذي قد يربطها بابنتها مستقبلاً، بعيداً عن ألاعيب جمال وأنانية سما.