قلبي لمن بقلم أمل نصر

لكن الصدمة الحقيقية كانت حين التقت عيناها بعيني “جمال”. لم تكن نظرة خطيب عائد لنصيبه، بل كانت نظرة “خبيثة” لا يفهم شفرتها أحد سواها. كانت عيناه تقولان بوضوح: “شفتي؟ رجعت البيت من أوسع أبوابه، وبكرة هخليكي تشوفي الويل وتوافقي غصب عنك.. أنا اللي مسيطر هنا.”

حاول جمال أن يرسم دور الوقار أمام والدها، وقال بصوتٍ هادئ يستفز كل ذرة كرامة في ياسمين:

ـ “نورتي يا ياسمين.. كنا لسة بنقول إن البيت ميكملش من غيرك، وإنك كنتِ واحشانا في قعدة الصلح دي. اقعدي يا أختي، ده إحنا أهل.”

شعرت ياسمين بغثيان يكتسح كيانها. وقفت مسمرة في مكانها، بينما والدتها تلح عليها:

ـ “اقعدي يا بنتي سلمي على طنط وعلى جمال.. بلاش وش الخشب ده في ليلة زي دي.”

كانت ياسمين تنظر إلى والديها اللذين اشتريا “راحة البال” الزائفة على حساب كرامتها، وإلى جمال الذي يمارس لعبته القذرة تحت سمعهم وبصرهم. شعرت أنها غريبة في هذا البيت، وأن الغدر لم يأتِ من الغرباء فحسب، بل نبت في قلب صالتهم القديمة.

………………………

عادت ياسمين إلى غرفتها، لكن جدرانها لم تعد تمنحها السكينة. كانت أصوات الضحكات والهزار المتصاعد من الصالة تخترق الباب كأنها إهانات شخصية موجهة إليها. “هل يعقل أن يكونوا بهذه السذاجة؟ أم هو العمى الاختياري من أجل سترة بنية وراحة بال زائفة؟” تساءلت بمرارة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من التفكير.

كانت تعلم أن كشف حقيقة هذا “الفاسد” مغامرة غير مأمونة العواقب. فمن صدقوه حين ترك ياسمين واختار سما في جلسة التعارف الأولى، ومن استقبلوه بالأحضان بعدما كسر قلب سما وفسخ الخطبة، هل سيصدقون الآن أنه يطارد ياسمين في الخفاء؟ سيقولون “غيرة”، أو “أوهام”، أو ربما يتهمونها بأنها تريد تخريب فرحة أختها للمرة الثانية.

لكن الكرامة كانت تصرخ بداخلها، ولم تعد تحتمل الصمت. نهضت فجأة، وبخطواتٍ يملؤها التصميم، توجهت نحو المطبخ حيث كانت والدتها “اعتدال” تنهمك في إعداد “واجب الضيافة” لهذا الضيف الثقيل.

وقفت ياسمين خلف أمها، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم العاصفة التي تسكنها:

ـ “ماما.. إنتوا إزاي توافقوا على رجوع البني آدم ده تاني؟ إزاي قدرتوا تفتحوا له الباب بعد كل اللي عمله؟”

توقفت اعتدال عن تقليب الطعام، والتفتت إليها بضيق وهي تمسح يدها في المريلة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *