خيوط العنكبوت بقلم فاطمة الألفي الجزء الثاني
الفصل الثامن
في المنصوره ..
كان فاروق عائدا من مدرسته ثم قرر التوجه إلى المعرض الخاص بالأجهزة
الكهربائية الخاصة بشقيقه، يريد أن يعرض عليه شراء منزله، فقد اتخذ
قراره وهو أن يذهب بعائلته إلى القاهرة بعد أن تنتهي تلك السنة الدراسية
دلف داخل المعرض واقترب من شقيقه هاتفاً :
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد بمضض وهو عابث الوجه :
– وعليكم السلام
سحب فاروق مقعد وجلس بالقرب من شقيقه ، دار الاخير وجهه للجهه الأخرى، لم يتطلع إليه
تنهد فاروق وقال بصوت حاني:
– حقك تزعل طبعا يا حج، بس والله الجواز ده قسمة ونصيب، ده أنا بقول
لو جرالي حاجة مش هكون خايف ولا قلقان على البنات عشان مش
هسيبهم في الدنيا لوحدهم بقول عندهم تلات رجالة ما شاء الله عليهم ربنا
يحفظهم هيكونو هم دول سندهم وعزوتهم،حياة مش رفضت طارق عشان حاجة ، هي بتقولي أنها شايفاه أخوها الكبير
قاطعه بحدة:
– بنتك بتبص بره ،خرجت عن طوعك خلاص، وأنت ماقدرتش تقولها لا إبن
عمك هو إللي يستهالك؛ بدل ما تقف في وشها وتعقلها ماشي ورا كلامها،
بنتك خلاص خرجت عن طوعك وانسي يا فاروق أن ليك اخ إسمه شريف،
واعمل اللي تعمله أمشي ورا بنتك اللي هضيعك
زفر بضيق وقال :
– يعني هو ده رأيك يا اخويا ، مش عاوز حتى تسمعني للآخر وبتقطع صلة
الرحم إللي بينا ، هو لازم اغصب بنتي على الجواز من ابنك لا إلا تقطع
الإخوة اللي بينا هو ده كلامك
– أيوه ده إللي عندي أنا بحاول اقرب منك ونلم شمل العيلة لكن أنت اللي بتقطع كل حبال الود إللي بينا
نهض فاروق عن مقعده وقال وهو يتطلع لشقيقه بحزن:
– يبقى مافيش داعي اقولك أنا جاي ليه ، أشوف وشك بخير يا حج
غادر المعرض بحزن عميق يسكن قلبه بسبب حديث شقيقه الجاف معه،
استقل سيارة أجرة تقله إلى منزله وأثناء شروده انسابت دمعة حارقة من
عينيه حزنًا على ما توصلت إليه الأمور بينه وبين شقيقه الأكبر الذي قطع
صلته به من أجل رفض ابنته إتمام زواجها من إبنه
❈-❈-❈
داخل منزل مهجورًا بعيدا عن الاحياء السكنية، بمكان خالي، دلفت بثينة سيرا على
أقدامها إلى أن وقفت أمام الباب المتهالك؛ استردت أنفاسها ثم وجدت
سيدة في العقد الخامس من عمرها تهلل مرحبة بها:
– أهلا وسهلا يا ست بثينة، الشيخ مسعود في انتظارك
دلفت تتطلع حولها بريبة فهي تتوجس خيفة من ذلك المكان ، ابتلعت ريقها
بتوتر وسارت خلف تلك السيدة التي اصطحبتها بغرفة في أخر الممر حيث
يجلس بها الشيخ التي أتت بثينة من أجله كما يدعون ولكن هو ليس بشيخ
إنما هو ” دجال” ينهب أموال السيدات ويوهمهما بأنه سيغير اقدارهم منهم
التي تريد الزواج واخرون يردون الإنجاب ويظنون أن ذلك الرجل سيهبهم
ما يتمنون وانما الرزاق والوهاب هو الله ولكن هم غافلون.
هتف مسعود بصوت غليظ يشير إليها بالجلوس بالمقعد المجاور له :
– تعالي يا ام طارق ، اقعدي هنا
انصاعت بثينة لأوامره وجلست بجواره ثم اخرجت من حقيبتها بعض
النقود المتفق عليها من قبل السيدة التي استقبلتها :
– اتفضل يا شيخنا المبلغ اللي اتفقنا عليه
سحب منها النقود ونظر لها بتمعن ثم قال:
– جبتي اترها اللي عليها القصد والنية
دست يدها داخل حقيبتها ثانيا واخرجت المحرمة الورقية التي بها خصلة من شعر حياة وقالت بلهفة:
– ايوه أنا جبتلك خصلة من شعرها، اهي
التقطها منها وهتف بصوته الغليظ :
– أطمني يا ام طارق ، كلها سبع ليالي بس وحياة بنت دلال هتلاقيها قدام
باب بيتك وراكعة قدام ابنك مذلولة وبتطلب منه أن يتجوزها
ابتسمت بتشفي وقالت:
– لو ده حصل ليك عندي ضعف المبلغ ده وكل اللي تطلبه، ده يوم المنى لم اكسر دلال وبنتها
أخرج ورقة بيضاء ثم التقط ريشة طاووس وغمسها داخل الكبريت الأحمر
الخاص بالسحر ونقش بعض الرموز والطلاسم ثم طواها على هيئة مثلث صغير واعطاها إياه:
– الحجاب ده تحطيه في بلكونة إبنك تخلي الهواء يوصله وكل لم الهوا
يهفف عليه حياة حياتها هتكون نار من غيره ، ولم تنولي المراد تشيلي
الحجاب ده وتجبهولي وتبشريني أن الجوازة تمت
– حاضر يا شيخ ، هعمل كل اللي قولت عليه
اشاح بيده لكي تغادر :
– يلا قومي روحي واوعي حد يشيل الحجاب ده مفهوم
أومت برأسها وهي تغادر الغرفة:
– مفهوم طبعا
استوقفتها السيدة قبل أن تغادر المنزل :
– حلاوتي فين يا ام طارق
ربتت علة كتفها واعطتها ورقة مالية فئه المائتين ثم اردفت قائلة:
– لو تم المراد يا ام نجوى ليكي عندي جوز أساور دهب
تهللت اساوره الأخيرة وقالت:
– هيحصل ، ده سره باتع الشيخ مسعود وابقي قولي أم نجوى قالت
غادرت بثينة المنزل وهي تُتمتم بنفاذ صبر :
– كله لأجل سعادة ابني واللي هيجي عليه مش هيكسب
❈-❈-❈
تهللت اساورها من السعادة عندما هاتفتها ” مها” تخبرها بضرورة الحضور غدا لمقر الشركة ، فرب العمل يريدهم غدا وهو سوف يتولى أمر تدريبهم.
زفت الخبر إلى والدتها التي فرحة لسعادة ابنتها ولكن عندما عاد والدهم عابث الوجه؛ أقتربت منه حياة بقلق وهتفت قائلة:
– بابا مالك ؟ حضرتك تعبان؟
هز رأسه نافياً وجلس يرتاح أعلى المقعد الموجود خلف باب المنزل ، فلم تعد قدامه تحمله بسبب الحزن الساكن باعماقه ، فقد كان لحديث شقيقه ألم لا يوصف سكن قلبه واعتصره حزناً.
شعرت دلال به فهبطت لمستواه وربتت على اقدامه برفق ثم قالت:
– قابلة الحج شريف وده اللي مزعلك
كادت أن تسقطت دمعته وهو يؤمي بالايجاب
كانت حياة واقفة تتابع الموقف بصمت ولكن عندما شعرت بحزن والدها اقتربت منه تضم راسه وطبعت قُ.بلة حانية أعلى خصلاته البيضاء وقالت :
– بابا أنا أسفه ، ممكن ماتزعلش نفسك ، أنا هروح لعمي واقوله
نهض واقفاً كأنه أصابه ماس كهربائي ونظر لابنته قائلا:
– لا يا حياة مش هتروحي لحد يا بنتي ، زي ماهو عنده ابنه اهم من اخوه ، أنا كمان عندي انغتي وأخواتك بالدنيا كلها ، ولا يمكن اغصب واحدة فيكم على حاجة هي مش عايزاها ، أنا ربيتكم على الصراحة وعندي ثقة فيكم وفي قرارتكم ، واطمني يا قلب ابوكي أنا وماما هنوصلك القاهرة زي ما وعدتك
هتفت دلال قائلة:
– وعمتي كلمتني امبارح تطمن عليه وبلغتني أن إبن بنتها مسافر في شغل
بره القاهرة، يعني محلولة حياة هتقعد معاها لحد لم ندبر أمورنا ، كلها
اسبوعين بس واخواتها يخلصوا امتحانات وننقل حياتنا كلها هناك ، خلاص
مابقاش لينا حد هنا
هتف فاروق بهدوء:
– لينا رب إسمه الكريم ومش هيضيع تعبنا ولا تعب بناتنا
ثم نظر إلى زوجته وابنته وقال:
– هنصلي العصر ونتحرك على القاهرة، هنوصلك يا حبيبتي عند عمتك
ونطمن عليكي ونرجع عشان اخواتك ، وكلها كام يوم هرتب أموري وأخواتك
تخلص امتحاناتهم ونكون عندك بأمر الله.
أستقلو سيارة بيچو تقلهم إلى القاهرة وبعد مرور ساعتين كانت تصف السيارة بحي مصر الجديدة حيث تقطن عمة زوجته .
طلب من السائق انتظارهم فسوف يعودو معه ثانيا إلى المنصورة
كانت الساعة السادسة مساءً عندما وقفوا امام باب المنزل يدقون جرسه.
فتحت لهم السيدة المرافقة لعمتها ، استقبلتهم بوجه بشوش فهي على علم مسبق بقدومهم ، رحبت بهم وطلبت منهم الدخول .
اقتربت سناء بخطوات بطيئة ترحب بابنه أخيها :
– يا الف مرحب نورتونا يا دلال
احتضنتها بلهفة واشتياق واستمر العناق لحظات كل منهما مشتاق لأحضان الآخر .
وبعد أن ابتعدت عن أحضانها ، صافحت زوجها بود ، وأشارت إلى حياة أن تستقبلها داخل أحضانها قائلة:
– والقمراية بتاعتنا مافيش حضن لعمتو
اقتربت منها بحب فقد شعرت بحنانها منذ الوهلة الأولى ، ق.بلت وجنتيها وعانقتها بعاطفتها الحنونة ثم جلست وضمت حياة خلف ذراعها ونظرت إلى السيدة ثريا قائلة:
– حضرلينا الغدا يا ثريا
هتف فاروق باعتراض:
– لا مافيش داعي والله أحنا اتغدينا قبل ما نطلع من المنصورة
شهقت سناء بحزن:
– معقول يا ابو حياة، مش عاوز ناكل مع بعض ولا إيه ؟ لا أنا كده هزعل
ابتسم لها بود وقال:
– مانقدرش على زعلك يا ست الكل بس والله عشان البنات مش عاوزين نتأخر عليهم، ومعانا سواق منتظرنا ، كمان أحنا مطمنين على حياة معاكي
ربتت على كتفه برفق:
– دي في عنية الغالية بنت الغالية، وأن كان على السواق ثريا هتبعتله غداه وأنتم هتفضلوا هنا للصبح أنا ماشبعتش من بنت أخويا لسه
هتفت دلال بحب :
-غصب عننا والله يا عمتو، مانقدرش نبات هنا ونسيب البنات هناك لوحدهم ، وبعدين يا جميل اطمني كلها أسبوعين بس بالكتير وتلاقينا كلنا هنا جنبك وتحت امرك
– خسارة يا ريت البنات كانو معاكم ، عشان خاطرهم بس مسمحاكم ، بس ده مايمنعش أن كلامي لازم يتسمع ، تعالو نتغدا ونكمل كلامنا بعدين
جلسوا لتناول الطعام حول المائدة وهتفت دلال بتسأل :
– رقية عاملة أيه يا عمتو؟ هي مش ناوية تنزل ولا ايه هتفضل متغربة كده
تنهدت بحزن ثم قالت:
– تقريبا كده الغربة عجبتها ومش هتنزل غير تحضر دفنتي
شهقت بصدمة وربتت على كفها بحنان وقالت:
– بعد الشر عنك يا قلبي، معلش اعذريها ماحدش عارف ظروفها ، بس ماتقلقيش مسيرها ترجع لبلدها وتستقر فيها
– هقول ايه ربنا يعين كل واحد على حاله
بعد مرور ساعتين قررُ العودة إلى بلدتهم وودعو ابنتهم ولم تنسى دلال
من وصاياها لابنتها أن تهتم بصحتها وبعملها وودعتها بالدموع الحارقة
بسبب ابتعادها فهي لم تبتعد عن أحدى بناتها منذ ولادتهم ، تركتها بقلب
منفطر يرفض الابتعاد ولكن ليس بيدها فعل شيء فهذا مستقبل ابنتها .
❈-❈-❈
اصطحبت سناء حياة لغرفتها التي رتبتها من أجلها ، ثم تركتها تنام فقد كانت متعبة أثر ساعات السفر التي قضتها بالسيارة
وغدا لديها عمل باكر ، يجب أن تذهب إليه
بدلت ملابسها بمنامة قطيفة شتوية من اللون الفيروزي واستلقت بالفراش واغمضت عيناها لتذهب في النوم بعد عدة ثواني .
❈-❈-❈
عاد سليم متعب من عمله وقبل أن يدلف لداخل الڤيلا وجد نفسه يتوجه إلى حوض الزهور الذي زرعه شقيقه بنفسه، تابع نمو الأزهار بنظرات فاحصة ليتفاجئ ببعض الورود ذابلة، يبدو بأنهم يشتاقون لليد التي كانت ترويهم كل صباح، تنهد بضيق ثم سحب مقعده ليصل إلى رشاش المياه ، فتح المحبس والتقط الرشاش بيده ثم بدء في ري الازهار بعناية وبعد أن أنتهى من مهمته أغلق المحبس ودلف لداخل الفيلا.
جحظت عيناه بصدمة عندما وجد “شاكر البدرواي” في انتظاره يجلس بالصالون مع والدته.
هتفت خديجة بجدية :
– تعالى يا سليم، عمك شاكر منتظرك من بدري
زفر بضيق بعد أن فاق من صدمته وهتف مرحبا به بفتور:
– أهلا وسهلا يا شاكر بيه، ثم استرسل حديثه قائلا:
– لو كنت أعرف أن حضرتك منتظرني أكيد ماكنتش اتاخرت عليك
هتف شاكر ببرود :
– محتاج اتكلم معاك على إنفراد، ده بعد إذن الهانم
ضيق جبينه ونظر إلى والدته قائلا:
– افتكر والدتي لازم تكون موجودة بم أن حضرتك جاي تتكلم في طلاق حفيدتك من اخويا، بس أعتقد غايب عنك أن القرار في ايد أسر مش في أيدينا
أبتسم بمكر وقال:
– مين قال إن جاي اتكلم في طلاق، لا خالص أنا جاي اتكلم في أمر تاني وأفضل أن والدتك ما…تكونش موجودة لأن الكلام اللي هقوله صعب الهانم تستوعبه
نظرت خديجة لابنها بقلق ، طمئنها بنظرة عيناه الحانية
هتفت بتوجس:
– خير أسر فيه حاجة ومش عاوزني أعرف
– الكلام اللي هقوله صعب أسر يعرفه ولو وصله الكلام ده أكيد مش هيكون بخير خالص
هتف سليم منفعلا:
– وضح كلامك واتكلم دغري مابحبش اللف والدوران
زفر انفاسه بهدوء ثم قال:
– الحرب اللي عملتها عليه لازم تنتهي وحالا وإلا
قاطعة باستهزاء:
– وإلا ايه يا شاكر بيه ، سليم السعدني مابيتهددش ولا بيتجبر ينفذ أوامر
نهض واقفًا ونظر له بغضب :
– أسر لو عرف أنك سبب تدمير حياته الزوجية مش هيسكت، لو وصله بس
خبر أنك ورا إصرار نور على الإنفصال منه بسببك أنت مش بسبب حد تاني
،اكيد هيكرهك ده غير أن حالته الصحية هتدهور وهيفقد الثقة فيك وفي كل اللي حواليه
ثم القي نظرة أخيرة على والدته وقال:
– عقلي إبنك يا هانم بلاش يلاعبني بأسلوبه ده عشان اللي هيتحرق بناره
هو أخوه مش أنا
ثم سار بخطوات واسعة مبتعدا عن الڤيلا واستقل سيارته عائدا إلي فيلته
يبتسم بانتصار، فقد انتصر السحرة على الساحر وانقلبت لعبته ضده ، فهو
يعلم أن ما فعله هو الصواب من أجل انقاذ حفيدته وشركته من الخسارة.
هتفت خديجة بقلق وهي تمسك بذراعي أبنها:
– سليم ، شاكر مابيهددش ،شاكر عاوز يخسرك اخوك، اكيد نور وصلتله كلام
ماحصلش وهو مصدق حفيدته وعشان كده جاي يساومنا ، أرجوك يا بني
أبعد عن شاكر خالص عشان حياة اخوك، أحنا ماصدقنا أن خد قرار الانفصال
عن نور، بلاش يعرف اي حاجة تانية ممكن تمو…ته
– ماتخفيش يا ماما ، شاكر مايقدرش يعمل هو بس ثرثار شويا و عنده علم
أن اقدر اخرصه ، بس أنا سايبة حلاوة روح مش أكتر ، أسر خط أحمر ولو
هو فكر يتعدا الخط ده مش هيكون في صالحه
– يا بني يا حبيبي ريح قلبي وبلاش تقرب من شغله مش عشان خايفين منه
، بس أنا بشتري راحة ولادي ، عشان خاطري
-حاضر يا امي ، خاطرك غالي ومش هقرب منه بس ده مش خوف منه ، ده
عشان عاوز حضرتك تطمني وماتقلقيش ، ادعي بس لأسر يرجع بالسلامة
– هو أنا عندي أغلي منكم ادعيلوا ربنا يسعدكم ويريح بالكم ويعمر قلوبكم
بالانسانه إللي تستحقه وتصونه
أبتسم لها بحب ثم التقط كفيها يطبع على كلاهما قُ.بله حانية ثم نظر لها بمرح قائلا:
– ينفع الشحط إللي قدامك ده ينام في حضنك انهاردة ولا كبرت عليه
ابتسمت له بحنان ولمعت عيناها بفرحة ثم قالت:
مهما كبرت حضن امك هيفضل يساعك ومتاح لك العمر كله
– ربنا يخليكي يا ديچا قلبي
سحبت مقعده المتحرك ودلفت به المصعد وبعد أن توقف بالطابق الثاني
وغادروا المصعد حركت المقعد الى حيث غرفتها ، ساعدته على أن يمدد
ج.سده بالفراش وعندما وضع رأسه أعلى الوسادة اغمض عيناه ليذهب في
نوم هادئ ، ابتسمت هي ودثرته بالفراش وظلت جواره تمسد على خصلاته
برفق وتتمنى داخلها أن يسعد قلبه ويحظي بالحياة التي يستحقها ، فهو
مثله كمثل أي شاب من حقه أن يتمتع بحقه في الحب والزواج وتكوين
أسرة وينجب الاطفال.
تنهدت بحزن عندما شردت لذلك التفكير، ثم أغمضت عيناها هي أيضا ونامت
قريرة العين بجانب ابنها الحبيب .
❈-❈-❈
الفصل التاسع
كانت تسير حافية القدمين بمكان مظلم لا تعلم اين هي، تتلفت حولها
كالتائهه التي ضلت طريقها ،وفجاة ظهر من خلفها كلب أسود كبير ينبح
بصوته القوي ، يريد النهش بها ، ركضت بكل ما أوتيت من قوة وهو يركض
خلفها، ظلت تصرخ تستنجد بأحد لكي يخلصها من ذلك الكلب ولكن صوتها لم يكن مسموع .
صرخت بكل قوتها وفتحت عيناها بفزع ثم انتابها نوبة من البكاء
يبدو بأنها كانت داخل كابوس مزعج.
فتحت سناء عينيها عندما استمعت لصوت صراخ حياة، نهضت من فراشها
وسارت بخطواتها المتبطئه متوجهه إلى غرفة حياة للاطمئنان عليها .
دلفت الغرفة وشهقت بصدمة عندما وجدت ج.سدها ينتفض أعلى الفراش وتبكي بنحيب ، اقتربت منها بحنو وجلست جانبها اعلي الفراش وحذبتها
لاحضانها وظلت تهدهد عليها برفق وهمست بصوتها الحاني ما تيسر من
القران الكريم ، وضعت كفها اعلي جبين حياة وهمست قائلة المعوذتين
وسوره الاخلاص والفاتحة وختمت بأيه الكرسي ، ظلت ترددهم ثلاث مرات
متتاليه ثم ربتت على ظهرها وقالت:
– ماتخفيش يا بنتي، شكلك كنتي بتحلمي عشان مغيرة مكان نومتك
همست حياة من بين دموعها وهي متشبثه باحضان سناء :
– كابوس فظيع يا عمتو
ضمتها برفق واراحت ج.سدها بجانبها وهتفت بطمئنينه:
– انتي بخير يا حبيبتي ماتقلقيش وانا هنام جنبك وماتحكيش اللي شوفتيه في منامك
هدا ج.سدها من الرجفة وظلت متشبثه باحضان سناء إلى أن غلبها النعاس ،
أما عن سناء فظلت تردد بعض الآيات القرآنية إلى أن غفلت هي الأخري
وكل منهما يحتضن الآخر بتشبث..
❈-❈-❈
في الصباح ..
أستيقظ سليم وجد نفسه بغرفة والدته ولكن لم يجدها ، سحب المقعد
المتحرك خاصته ليجذبه إليه ثم رفع ج.سده بذراعيه وجلس أعلى المقعد
وضبط وضع اقدامه عليه ، ثم ضغط زره ليسير به مغادرة الغرفة ليذهب
إلى غرفته ، لكي يبدل ثيابه ويتوجه إلى عمله .
وبعد أن أنتهى من استحمامه وارتداء ملابسه ، تطلع لهيئته داخل المرآة
ومشط شعره ثم نثر عطره ونظر للمرآة ثانيا وجد عينان باكية تتطلع له ،
اغمض عيناه وعاد فتحها ليتأكد منما راءه ولكن لم يجد شئ ، ظن بأنه
يتخيل ذلك ، غادر غرفته واستقل بالمصعد ليهبط به إلي الأسفل ومن ثم وجد والدته تنتظر قدومه اعلي مائده الطعام ، طبع قبله اعلي وحنتها وقال مبتسما:
– صباح الخير يا ست الكل
ابتسمت له بحب وقالت :
– صباح الورد والفل والسعادة عليك يا حبيبي ، افطر الاول قبل ما تروح الشركة
– حاضر يا قلبي
اعطته قطعة خبز توست دهنتها بعسل النحل:
– بالهنا يا حبيبي
التقطها من يدها :
– تسلم ايدك
ثم هتف متسألا:
– أسر ما أتصلش بحضرتك؟
هزت راسها نافيه وخيم الحزن وجهها
ربت علي كفها بهدوء وقال:
– ماتقلقيش هو بخير ، سراج اتصل بيه، بس عشان فرق التوقيت بينا أسر عارف إن حضرتك بتنامي بدري، بس هو كويس محتاج لدعواتك وبس
– ربنا معاه ويرجع بالسلامة يا رب
– يارب .
ابتعد عن المائدة ثم قال وهو يحرك مقعده :
-محتاجه مني حاجه يا ست الكل، أنا هتأخر في الشركة ، اليوم هيكون طويل في تعين شباب جداد وهكون مشرف على تدريبهم بنفسي ، عشان سراج مش موجود
– ربنا معاك ويوفقك يا حبيبي
عندما غادر الفيلا التقى بسائقه الخاص، ألقى عليه الأخير تحيه الصباح ثم
فتح له باب السيارة الخلفيه وساعده في الدلوف لداخل ، ثم حمل المقعد
المتحرك ووضعه بحقيبه السيارة وعاد الي مقعده يجلس خلف المقود ثم
انطلق في طريقه إلى شركة السعدني..
❈-❈-❈
عندما استيقظت من نومها انتابتها نوبة من الاختناق عندما تذكرت الكابوس الذي راودها ليله أمس ، حاولت ان تزفر أنفاسها بهدوء ، ثم استجمعت
شتاتها ودلفت المرحاض لتنعش ج.سدها بالماء لعلها تفوق وتنتهي من نوبه
الاختناق والقلق اللذين يهاجمان تفكيرها الان ..
بعد أن انتهت وارتدت ملابسها المكونه من بنطال أسود يعلوه بلوزه ورديه
وكنزه طويله شتويه باللون الاسود ثم ارتدت حجابها الوردي الهادئ وحملت
حقيبتها السوداء وغادرت الغرفه لتجد عمتها تنتظرها أمام الطعام .
هتفت حياة بهدوء :
– صباح الخير يا عمتو
– صباح الهنا يا حبيبتي ، تعالي اقعدي جنبي لازم تفطري الاول
هزت راسها نافيه وقالت:
– بالهنا والشفا علي قلبك يا عمتو ، معلش انا ما بفطرش
– لا طبعا لازم تفطري قبل ما تخرجي، اقعدي واسمعي الكلام
جلست على مضض لا تريد أن تغضبها
شعرت سناء بعبوس وجهها وعلمت بأن سبب حزنها هو ذاك الكابوس الذي أفزع منامها ، ربتت علي كفها بحنان وقالت:
– مش معقول الوش الجميل ده يكشر كده علي الصبح بسبب حلم ، يا حبيبتي ماتفكريش في اللي حصل أرمي ورا ضهرك وابدئي يومك بسعاده وتفائل ، ده حتي انهارده اول يوم شغل ليكِ ، افردي وشك كده ووريني ضحكتك الحلوه
ابتسمت بهدوء ثم نهضت تعانقها بحب ، بادلتها سناء الابتسامه وقالت:
– ربنا يوفقك وينور طريقك يا حبيبتي
خلي بالك من نفسك واوعي تنسي العنوان هنا ،ومعاكي تليفوني لو احتاجتي لحاجه كلميني فورا
هزت راسها بالايجاب وغادرت المنزل واستقلت سياره أجري تقلها الي
الشركه ولكن مازال القلق يعكر صفوها فبعد أن كانت سعيده بذلك العمل ، لا
تعلم اين تبخرت سعادتها بين ليله وضحاها.
عندما وصلت إلى وجهتها كانت الساعه التاسعه وخمس دقائق ، بعدما ترجلت من السياره واعطت السائق نقوده ، ركضت لتلحق بأول اجتماع لديها داخل الشركه الذي تاخرت عنه لعدة دقائق ولكن أكملت ركضها وهي تصعد الدرج وتلهث انفاسها بتسارع الي ان وقفت أمام مكتب السكرتيره مها
ابتسمت لها مها وقالت : حياه لازم مواعيدك تكون منضبطه ماينفعش تتاخري
عبث وجهها بطفوله ثم قالت:
– والله غصب عني،ده انا واخده السلم كله جري
جحظت عيناها بصدمه ثم قالت :
– جري ليه هو الاسانسير مشغول
هزت راسها نافيه وقالت وهي تسترد أنفاسها:
– لا انا عندي فوبيا
هزت راسها بتفهم ثم قالت :
– الاجتماع بدء مع مستر سليم من عشر دقايق
هتفت بصدمه:
– وأنا
– انتي اصلا مالكيش دور في الاجتماع عشان مستر سليم مجتمع مع مدير المبيعات والتسويق والشباب اللي في الاجتماع تخصص اداره مبيعات
لاحت ابتسامتها الرقيقه وتنفست الصعداء ثم جلست أمامها وقالت بمرح:
– حيث كده بقا اشرب معاكي الكابتشينو
هتفت مها بود قائلة:
– يا سلام عيوني
رفعت سماعه هاتف مكتبها وتحدثت مع الشخص الخاص بالبوفيه وطلبت منه إحضار اثنان من مج الكابتشينو بمكتبها ثم أغلقت الهاتف.
وعندما همت بالتحدث وجدت سليم يناديها عبر زر الاستدعاء
– مها تعالي عايزك
نهضت علي الفور قائله:
– حالا يا افندم
تركت حياه ودلفت الي مكتبه أخبرها بأن تصطحب الشباب الي مكاتبهم الخاصه بالشركه وأخبرته هي عن قدوم حياه الفتاه الوحيده التي تم قبولها بالعمل
هز رأسه بعدما تذكرها واذن لها بالدخول:
– خليها تدخل انا منتظرها
أخبرت مها حياه بدخولها لمكتب سليم ، ولكن تفاجئت بتوتر حياه
– ماتقلقيش مستر سليم غير مستر سراج خالص
نظرت لها حياه بعدم فهم ثم قالت بتسأل:
– وهو مستر سراج فين؟
هتفت مها وهي تسير برفقه الشباب الثلاث وقالت وهي تتطلع لحياه:
– بعدين نتكلم لم تخلصي مقابلتك مع مستر سليم
طرقت حياه باب مكتبه ثم دلفت بهدوء بعد أن استمعت لصوته الرخيم يأذن لها بالدخول .
رفع سليم أنظاره عن الاوراق التي أمامه وظل محدقا بها ينتظر سماع صوتها ولكن حياة كانت صامته متسمره مكانها .
عندما طال صمتها أشار إليها بالجلوس :
– اتفضلي
ثم صوب أنظاره للملف الذي أمامه وهو الملف خاصتها ،انتهي من قراءته واغلقه ثم عاد يتطلع إليها ليجدها مازالت واقفه
هتف بصوت عالٍ:
– اتفضلي يا انسه حياة اقعدي عشان نتكلم عن طبيعه شغلك هنا
أسرعت في خطواتها وجلست أمامه
بدء سليم في التحدث وانظاره متعلقة بانظارها أما هي فقد شعرت بالخجل عندما تطلعت لحدقتيه البنيه ، اخفضت بصرها ولكن هذا ما ازعجه وجعله يهتف بحده:
– يا آنسة من فضلك بصيلي عشان كلامي موجه ليكِ مااحبش حد يتجاهلني لم اتكلم ، ركزي معايا
توردت وجنتيها بحمرة الخجل ورفعت مقلتيها الخضراء رغما عنها تطلع
لملامح وجهه الجادة ثم تعلقت بمقلتيه الغامضة
استرسل سليم حديثه قائلا:
– محتاجك تكوني دقيقة جدا في شغلك وعاوز تقرير أسبوعياً
قاطعته بتسأل:
– تقرير عن إيه؟
– انتي بتعرفي تعملي هـ,ـكر
هزت راسها بالايجاب
تنهد سليم بضيق ثم قال:
– محتاج كل المعلومات الموجودة على السيستم الخاص بالشركة
هتفت بصدمة:
– يعني أنا هشتغل جاسوسة على موظفين الشركة
ضحك سليم علي ما توصل إليه تفكيرها منما جعلها تنظر له بغضب
بعدما استرد انفاسه قال بجديه:
– جاسوسة أيه يا أنسة، اولا دي شركتي وأنا عاوز أامن الحسابات و
المعلومات الخاصه بالشركه ، عاوز افهم هتقدري تخترقي سستم الحماية ولا
لا ولو حصل محتاج اعرف في معلومات مهمة لاي كمبيوتر هنا وهل
المعلومات الموجودة عليه تم تسريبها قبل كده ولا لأ ، بعد كده تعملي نظام حمايه جديد
واعتقد ده دورك كمهندسة كمبيوتر ولا مش هتقدري تنفذي المهمة المطلوبة منك؟
لعنت نفسها علي تسرعها وهتفت بجديه:
– لا هقدر انفذ المهمه طبعا ،ثم قالت بثقه:
– دي مهمه بسيطه جدا
رفع أحدي حاجبيه وأعجب بثقتها ثم قال:
– ورينا شاطرتك، اتفضلي عند مها توصلك لمكتبك
لمعت عيناها بفرحة وغادرت مكتبه بكل ثقة وشموخ منما جعل سليم يردد بدهشة:
– غريبة فعلا ، لم اشوف هتنجح في أول اختبار لها ولا لأ
جلست حياة بمكتبها القابع بجانب غرفة الاجتماعات، نظرت حولها بانبهار فقد كان مكتب ضخم ويوجد به اثاث عريق باللون البني الغامق، وجدت حاسوب اعلي المكتب فتحته بحماس وبدأت تدق باناملها الرقيقة عليه وهي تشعر بسعادة أنها تعمل الشئ التي تفضله ولم تجد نفسها إلا به.
ولا تعلم بأنها مراقبة عبر الكاميرات المنتشرة بمكتبها ومرفقة بمكتب “سليم” الذي أتاه الفضول بأن يعرف ماذا فعلت تلك الفتاة عندما دلفت لذلك المكتب.
وجدها حقا مفعمة بالحيوية والنشاط ولديها حماس وجادة منذ أن جلست علي مكتبها وهي تتابع ما أمرها به
اخرجت حياة نضارتها الطبيبة وبعد أن ارتدتها دققت النظر أمام شاشة الحاسوب وتابعت من خلال ايميل الشركة الأجهزة الموجودة بكل ركن داخلها وفعلت الهكر وظلت منكبة عليه عدة ساعات دون أن تشعر بمرور الوقت.
❈-❈-❈
بمدينة نيويورك
كان يشعر بالضيق بسبب حديث الطبيب ولذلك ترك سراج داخل الفندق وقرر أن يتفتل وحده بالمكان.
ارتدى المعطف الجلدي أعلى تيشرته الابيض وبنطاله الأسود ودس كفيه داخل جيب المعطف وسار بخطوات مبتعدة عن الفندق، لا يعلم إلى أين هو ذاهب، شاردًا بحياته مع زوجته أيام خطبتهم والسعادة التي كانُ يعيشونها سويا، وبعد زواجهم وما هالت إليه الأمور لتجعلها تنفر منه الآن ولن تتحمله ولا تتقبل مرضه ولا تريد أنجاب الأطفال منه، ظل يتسأل داخله ماذا حدث وماذا فعل من أجل تبديل حياتهم لذلك الوضع.
زفر أنفاسه بضيق وجلس بإحدى الحدائق على الأريكة الموضوعة وعاد بظهره للخلف ثم أغمض عيناه بشدة فقد انتابه نوبة صداع شديد وضغط بقوة على أسنانه يخشى أن تاتية نوبة الصرع بذلك المكان الذي لا يعرفه به أحد، حاول السيطرة على ج.سده ولكن ارتجفت مفاصله وقبض قبضة يده بقوة ولكن لم يتحمل الصمود خرج صوته بصرخة مكلومة وفتح مقلتيه يتطلع للسماء يهتف وينادي
-يارب تعبت ريحني بقا
انسابت دمعة عالقة باهدابه وأسرعت فتاة جميلة تركض إليه عندما علمت من لكنته بأنه عربي وعندما أقتربت منه بلهفة وجدته يتألم ويتطلع للسماء
وقفت أمامه قائلة بكلنتها السورية:
-شو فيك؟ أنت عربي؟
عاد بمقلتيه يتطلع لصاحبة الصوت ولاحت شبه إبتسامة بجانب ثغره ثم أؤمى برأسه قائلا:
-أنا مصري وأنتي
جلست بجواره أعلى الأريكة ثم مدت يدها تصافحة قائلة:
-ميلانا من سوريا
صافحها هو الآخر وهمس قائلا:
-أسر من مصر
بادلته الإبتسامة برقة وقالت:
-اهلين بيك هون، ثم استرسلت حديثها قائلة:
-هون لأجل الدراسة ولا العمل
ضحك بخفة وقال:
-لا ده ولا ده ، أنا هنا لأجل العلاج
اختفت ابتسامتها وقالت معتذرة:
-لا تواخذني الله يعطيك العافية
-وأنتي هنا ليه؟
أخرجت تنهيدة عميقة ثم قالت بأسى:
-أنا هون من أجل العمل والدراسة، بعمل لأجل مصاري الدراسة
أعجب بكفاحها وظل يسترسل معها بالحديث ونسى الالم الذي كان يشعر به وقرر أصحابها لتناول وجبة الإفطار معًا ولكن رفضت بسبب جذهابها للجامعة الآن ، وتبادلون أرقام الهواتف وطلب منها أن تهاتفة إذا احتاجة لأي شيء، وعدته أن تلتقى به ثانيا ريثما ينتهى دوام عملها، ثم ودعته وركضت مغادرة الحديقة لتستقل بسيارة أجرة تقلها إلى جامعتها..
أما عنه فودعها بابتسامة عذبة فقد شعر بالالفة بالحديث معها وقرر أن يعود إلى سراج لتناول الإفطار معه بغرفة الفندق.
❈-❈-❈
عودة إلى القاهرة، حيث شركة السعدني.
انتهى دوام عملها ونهضت تهندم ملابسها ثم التقطت حقيبتها وغادرت مكتبها.
في ذلك الوقت كان يغادر سليم مكتبه أيضاً
تسمرت حياة مكانها وظلت تحدق به بصدمة فقد تفاجئت بوجوده جالس على مقعد متحرك
أشار إليها لتسير أمامه وهتف بتسأل عن أول يوم عمل لها:
-أخبار الشغل إية ؟
قالت بصوت خافت:
-كله تمام
استوقفها أمام المصعد الكهربائي وطلب منها أن تستقله ولكن عادت بخطواتها للخلف وهزت راسها بتوتر وقالت:
-لا لا شكراً
ظن بأنها مازالت تحت تأثير صدمتها عندما علمت بأنه قعيد ولكن هي ركضت إلى حيث الدرج لتهبط دراجاته ببطئ لا تريد أن تلتقى به ثانيا.
❈-❈-❈
الفصل العاشر
ظل سليم يحدق في الفراغ حيث كانت تقف حياة، ضيق حاجبيه بأستغراب ودلف هو لداخل المصعد ليهبط به بالطابق الأرضي ثم غادر مبنى الشركة ليجد السائق أمامه ساعده على الجلوس بالسيارة ثم أنطلق إلى حيث وجهته
هتف سليم قائلا :
-مجدي، أطلع بينا على ڤيلة شاكر البدراوي
-أوامر حضرتك يا باشا
أخرج سليم هاتفه من داخل سترته وظل يعبث بارقامة إلى أن وقعت عيناه على هدفه، أرسل إليها رسالة عبر الواتساب ،محتواها لم يتعدى إلا كلمتين يطلب منها أنتظاره أمام باب الفيلا
كانت نور بغرفتها وعندما صدح رنين هاتفها معلن عن وجود رسالة عبر تطبيق الواتس اب، التقطت الهاتف بضيق ولكن عندما وجدت المرسل سليم، لمعت عيناها بالفرحة ثم فتحت الرسالة ليقرع قلبها بالطبول ، نهضت مسرعة من الفراش ووقفت أمام خزينة الملابس تنتقي ثوب يليق بمظهرها الجذاب لكي يراها سليم بهيئتها الجذابة.
أنتقت ثوب زمردي بربع كم، قصير يصل إلى ركبتيها، ذات فتحة ص.در واسعة وتركت شعرها الكستنائي ينساب بنعومة على كتفها الأيمن
ثم نظرت لهيئتها بالمرآة ووضعت القليل من مستحضرات التجميل ثم نثرت عطرها المميز وانتعلت الحذاء الزمردي وتبخطرت في مشيتها استعدادًا لمقابلته، ونبضات قلبها تعصف بها بقوة لم تصدق بأنه يريد مقابلتها الآن، انتابتها حالة من السعادة والنشوة بأنها ستحصل على حبيبها، يبدو بأنه فاق لنفسه ويريد أن يغدقها بحبه وحنانه ولم يعد أمامهم عائقًا بعد الآن، بعدما اتخذ شقيقه قرار الإنفصال..
❈-❈-❈
استردت حياة أنفاسها وهي تغادر مبنى الشركة ثم أستقلت بسيارة أجرة لتقلها إلى منزل عمتها سناء، وأثناء الطريق كانت شاردة بحالة من الصدمة والذهول، فلم تتوقع بأن رب عملها قعيد، شعرت بالحزن والأسى على حاله، ولكن لديه هيبة ووقار كما أنه جاد بعمله وشعرت أيضا بقسوة في التعامل معها بأول لقاء ولكن نفضت تلك الفكرة وقالت داخلها يفعل بها ما يشاء فيبدو بأنه يتعامل بهذا الشكل بسبب عجزه ويريد أن يثبت لهم بأنه لا يُستهان به
فاقت من شرودها عندما هتف السائق قائلا:
-وصلنا العنوان يا بنتي
ترجلا من السيارة ثم أعطته النقود وشكرته واكملت هي طريقها لمنزل عمتها، دلفت لداخل البناية ثم صعدت إلى حيث الطابق الثالث وهي تزفر بقوة وتلهث بسبب ركضها ومن حين تقف قليلا تسترد أنفاسها وتهتف بضيق:
-اه يا ربي مش قادرة، هنا والشركة كمان؛ لا ده أنا لازم اتعالج من الفوبية اللي عندي ارحم بكتير من وضعي ده
ثم وقفت أمام باب الشقة ضغط زر الجرس وانتظرت فتحه وهي تضع كفها على ص.درها تسترد أنفاسها
فتحت لها السيدة ثريا بابتسامتها البشوشة:
-حمدلله على سلامتك يا بنتي
-الله يسلمك يا جميل، ثم دلفت تبحث عن عمتها قائلة :
-أمال فين عمتو؟
اقتربت منها سناء وهي تتكز على عصاءها:
-أنا هنا يا قلب عمتو، كنت بصلي العصر
اقتربت منها تُق.بل وجنتيها ثم قالت:
-حرمًا يا حبيبتي
ربتت على كتفها قائلا بحنو:
-جمعًا يا رب، ثم أردفت قائلة:
-عاملتي أية في أول يوم شغل
أمسكت بكفها تسير بها ثم جلست سناء وجلست هي بجوارها ثم قالت:
-الحمد لله كان يوم جميل ومر بسلام
ابتسمت لها بود وقالت:
-يستاهل الحمد يا حبيبتي، وأنتي عاملة أيه مرتاحة ولا لسه في خنقة بسبب كابوس أمبارح
نظرة حياة لسناء بحزن شديد عندما تذكرت الكابوس الذي هاجمها امس ثم قالت :
– الحمد لله أنا بخير دلوقتي
ربتت سناء على ظهرها برفق :
– هو اكيد عشان لسه جديدة على المكان ، بكرة هتتعودي عليه يا حبيبتي، يلا غيري هدومك عشان ثريا تحضر الغدا وبعد كدة نقعد مع بعض نشوف فيلم ولا مسرحية
نهضت حياه عن مقعدها وتوجهت إلى غرفتها لتبدل ثيابها
❈-❈-❈
اما عن سليم صفا السائق سيارته امام فيلا بدران؛ نظر له سليم وقال انزل يا مجدي استناني بره محتاج اتكلم مع مدام نور
ترجل مجدي من السيارة: امرك يا فندم
كانت واقفة بانتظاره
تطلع سليم من نافذة السيارة واشار الى نور لكي تستقل بالسيارةجانبه ليتحدث معها؛ على الفور انصاعت نور لاشارته، واستقلت السيارة لم تصدق سعادتها وهي جانبه الآن كانت تود الاقتراب منه تُ.قبله ولكن رفع سليم كفه أمام وجهها بتحذير
ازدرت ريقها ونظرت له بغضب قائلة:
-طلبتني نتكلم ممكن أعرف السبب
– نظر لها بحنق ثم قال انا هنا باتكلم معك عشان نشوف حل للوضع ده اوعي تفكري ان نائم على وداني، أنا لا يمكن اسمح باي اذى لاسر وأنتي فاهمه أنا قصدي ايه كويس، كلامك مع جدك ما يهمنيش وما يخصنيش في حاجة، وأسر اتفق معايا قبل السفر لم يرجع بالسلامة هينفذ كل طلباتك وهتنفصلوا في هدوء، لكن إياك تلعبي معايا يا نور أنتي لسه ما تعرفيش وشي التاني، لو جدك فكر يلعب بيه ويوصل كلامك القذر لاخويا هتلاقيني شيطان قدامك ومش هرحمك، وبلغي جدك بلاش يلعب بالنار معايا عشان هو اللي هيتحرق بيها وأقسم بالله يا نور لو أسر وصله أي كلام كدب وما حصلش هتكوني بتجني على نفسك ودة اخر تحذير ليكي
انفجرت باكية وهتفت بانفعال من بين دموعها:
-كنت متخيلة انك جاي عشان واحشتك مش عشان تهددني يا سليم، أنا هدوس على قلبي اللي حبك في يوم من الايام، وهيجي يوم يا سليم وتعرف قيمة حبي ليك عشان مش هتلاقي حد يحبك وانت بوضعك ده ، أنا كنت راضية بيك عشان بحبك كنت مستعدة أضحى بعمري كله عشانك لكن انت للاسف ما تستهلش يا سليم، والنار اللي بتتكلم عنها دي مش هتحرق غيرك أنت، ومش مسمحاك على قلبي اللي كسرته ودمرته، ثم ترجلت من سيارة بانفعال وصفعت الباب بقوة
تطلع سليم لطيفها الذي يبتعد بدهشة فلم يتوقع منها تلك الجراءة فهو لم يوعدها بشيء من قبل حتى أنه لم ينبث بكلمة حب واحدة ليجعلها تتعلق به بهذا التعلق المرضي.
استقل مجدي السيارة أمام الوقود ونظر لرب عمله هتف بتسأل:
– هنطلع على الفيلا يا باشا
-لا يا مجدي، أرجع بينا على الشركة
تطلع له بدهشة ثم قال:
-دلوقتي يا افندم؟
-ارتدى نظارته الشمسية وقال:
-في ايمالات مهمة لازم ارد عليها دلوقتي
على الفور عاد مجدي إلى حيث الشركة وساعدًا سليم على الترجل من السيارة واجلسه بالمقعد المتحرك وقال:
-تحب أجي معاك يا باشا
-لا يا مجدي انتظرني مش هتاخر عليك
ثم ضغط زر المقعد ليتحرك به إلى صرح الشركة ثم استقل بالمصعد ومنه إلي الطابق الذي يوجد به غرفة مكتبه، لم يجد أحدا بذلك الوقت ولذلك دلف مكتبه واشعل انواره،ثم أقترب من مكتبه وفتح حاسوبه الشخصي، أجاب على عدة ايمالات خاصة بعمله ثم اغلقه ثانياً ، واغمض عيناه يحاول استرجاع الحديث الذي دار بينهم منذ قليل ثم فتح عيناه باتساع وقرر أجراء إتصالا هاتفيًا سوف يلقن شاكر وحفيدته درسًا لن ولم ينسوه وستكون رسالة موجهة لهم بأنه الشخص الذي لا يُهزم ولا يُستهان به..
❈-❈-❈
بعد تناول الغداء بصحبة سناء وثريا شعرت بالالفة بينهم وكأنها وسط أهلها، ابتعدت عنهما لتهاتف والدتها وتطمئن عليهم وتطمئنها على أحوالها أيضا وتخبرها بأنها سعيدة بالعمل.
وظلت تثرثر مع شقيقتها فريدة وتنقل لها ما حدث بيومها داخل الشركة إلى أن وقعت عيناها على برواز صغير موضوع أعلى الطاولة المستديرة الصغيرة داخل غرفة الصالون لم تنتبه له من قبل، التقطت ذلك البرواز ودققت النظر داخله ثم أغلقت الهاتف سريعاً مع شقيقتها واقتربت من عمتها سناء تتسأل عن الشاب الذي داخل ذلك الإطار الخشبي وبجانبه سيدة في العقد الخامس من عمرها تقريبا
-عمتو صورة مين دول؟
التقطت منها سناء الإطار وقالت وهي تنظر داخله ثم تنهدت بعمق وقالت:
-دي خالتك رقية بنتي، واللي جنبها ده سراج ابنها وحفيدي اللي كان عايش معايا هنا ومسافر في شغل
جحظت عيناها بصدمة وقالت:
-مستر سراج يبق حفيدك
هتفت سناء بتسأل:
-أنتي تعرفي سراج؟
ابتسمت حياة وجلست جانبها تقص عليها معرفتها بسراج واول لقاء جمع بينهم داخل الشركة
– شوفتي بقا الدنيا صغيرة إزاي، هو كده مافيش قلق عليكي من الشغل، سراج هيكون جنبك وماتحمليش هم حاجه
-أنا كنت فاكرة وقتها مستر سراج صاحب الشركة
-لا دي شركة توفيق السعدني وولادة أسر وسليم صحاب سراج
علمت بأنها تعلم شجرة عائلة السعدني فأرادت أن تتسأل عن حالة سليم ولماذا يجلس على مقعد متحرك وما حدث له
هتفت سناء بحزن على شاب في ريعان الشباب ويحدث معه ذلك:
-ده يا حبيبي اتعرض لحادثة كانت صعبة أوي والحمدلله خرج منها على خير؛ بس بقا مشلول يا قلب أمه ومابقاش يقدر يحرك رجلة تاني
انتابها الحزن أيضا عليه وقالت:
-طيب وشاب بمستوى مستر سليم وبهيلامنه وشركاته ما يقدرش يسافر أي مكان في العالم ويعمل عملية ويرجع يمشي على رجله من تاني ويحاول
-والله يا بنتي اللي عرفته من سراج أن هو مسلم بأمر الله وماعندوش استعداد يدخل عمليات وتفشل، ماحدش عارف الخير فين
ظلت منشغله بذلك الشاب الغريب الذي يرفض إجراء جراحة من الممكن أن تجعله يعود كما كان بالسابق لماذا هذا اليأس الذي يشعر به، فهو لديه من المال ما يجعله يدور حول العالم من أجل رحلة البحث عن علاجه، تُرا ما هذا التسليم.
شعرت سناء بالنعاس فاستاذنت حياة ودلفت إلى غرفتها أما عن حياة فلم تشعر بالنعاس ولكن دلفت لغرفتها ثم اردتدت اسدالها أعلى المنامة التي كانت ترتديها ووقفت بشرفة الغرفة تتطلع للسماء وللسحب البيضاء التي تهدد بهطول الأمطار ، وفجأة أستمعت لصوت الرعد واناره السماء بالبرق وهطلت الأمطار ولكن اتاتها نوبة فزع، دلفت على الفور لداخل غرفتها وأغلقت الشرفة وركضت إلى فراشها دثرت نفسها بالغطاء وهي تشعر بالخوف، وهذه ليس بعادتها فهي تحب المطر وتحب الركوض أسفله ولا تخساه ابدأ، لكن اليوم تشعر بالعكس تمامًا
وفجأة أنقطع التيار الكهربائي عن المنزل، صرخت بأعلى طبقات صوتها وظل ج.سدها يرتجف كما أنها شعرت لطيف ما داخل غرفتها واستمعت لأصوات هامسة بأذنها لم تتحمل ما تشعر به الآن
تعالات صرخاتها بالمنزل أتت إليها سناء وثريا خلفها تحمل الشموع المضاءة
احتضنتها سناء وهي تهدهد على ظهرها بحنو:
-ما تخفيش يا بنتي، دلوقتي الكهرباء تيجي
هدأ صراخها ولكن ج.سدها باردًا كالثلج ولم تكف عن الارتجاف
هتفت سناء لثريا:
-قوام يا ثريا تعملي لحياة حاجة تدفيها البنت متلجة
ركضت ثريا بالفعل إلى المطبخ لتعد لها مشروبًا دافئًا وعندما أتت الكهرباء أشعلت المدفئة بغرفة حياة
انسابت دموعها بصمت ودفنت وجهها بص.در سناء وهمست بصوت مرتجف:
-أنا مش عارفة إية اللي بيحصلي في الوقت ده؟
هدأتها سناء واخبرتها ربما يحدث لها ذلك لأنها بعيدة عن عائلتها واشعلت بجوار فراشها الراديو على أذاعة القرآن الكريم لعلها تهدئ من نوبة فزعها، وظلت سناء ملازمة لفراشها.