حكايات زهرة الربيع كارم الجزء الرابع
مشى كارم بخطوات ثابتة في وسط القاعة، والناس حوايليه بترقص وتغني، والأنوار الملونة بتتطاير على الوجوه، وهو حاسس إن العالم كُله اتكثّف في بضعة أمتار بينه وبين طاولة “عزت الدالي”. كانت كل ثانية بتمر كأنها دهور، ودقات قلبه طالعة في أذنيه زي طبول الحرب.
عزت الدالي كان قاعد مائل بظهره، حاطط رجل على رجل وممسك بالتليفون في إيده، وعينيه مثبتة على الكوشة بنظرة تشفّ وقسوة. حراس الثلاثة كانوا واقفين حواليه زي الأشباه، أيديهم جوة أزياء بدلهم، مستعدين لأي حركة.
كارم وصل قدام الطاولة، وسحب كرسي وقعد قدام عزت مباشرة بمنتهى الهدوء والثبات، وبص في عينيه بثبات يربك أعتى المجرمين.
عزت ابتسم ابتسامة صفراء وقال بصوت خفيض وناشف:
“أهلاً يا كارم… كنت متوقع إن العريس أو عمك هما اللي هيجوا يترجوني، بس كويس إنك جيت أنت… صاحب المصيبة الأصلي.”
كارم مال بجسمه لقدام وقال بنبرة هادية بس مليانة حسم:
“عزت بيه… أنت راجل تاجر وبتحسبها بالورقة والقلم، واللعبة اللي أنت عاملها دي مالهاش غير حل من اتنين؛ يا إما تخرج من هنا مرفوع الراس ومعاك اللي أنت عايزه، يا إما تخرج من هنا في كفن أنت ورجالتك… والقرار في إيدك أنت دلوقتي.”
عزت ضحك ضحكة مكتومة وقال وهو بيشاور بتليفونه:
“أنت بتهددني؟! أنا بضغطة زرار واحدة من التليفون ده هخلي الكوشة باللي عليها تطير في الهواء، والقاعة دي أتحول لسرادق عزا في ثانية واحدة! سلمني الشيكات الجديدة وتنازل رسمي عن القضايا ضد أخوي صابر وممدوح، وإلا الرحمة مش هتعرف طريقها لبيتك.”
في اللحظة دي، حازم كان بيتسحب من وراء الكوشة بالتنسيق مع الضابط المتخفي. الضابط كان معاه جهاز تشويش مصغر للترددات اللاسلكية. الضابط قعد تحت المسرح بحذر شديد، وفتح الجهاز وضغط على زر التشغيل… في نفس اللحظة، اللمبة الحمراء اللي في العبوة الناسفة اتطفت، والتردد بين التليفون والعبوة اتقطع تماماً!
حازم أدّى إشارة خفية بإيده لكارم من بعيد… إشارة إن العبوة تم إبطالها بنجاح والتغطية اتقطعت!
أول ما كارم شاف الإشارة، ملامح وشه اتغيرت تماماً… الهدوء والتحفظ اختفوا، وحلت مكانهم نظرة شراسة وقوة تسري في دم ابن الأصول لما يستقوى.
كارم ابتسم ابتسامة قاسية وسخرية وقال لعزت:
“جرب تضغط كدة يا عزت بيه… وريني الشو اللي كنت ناوي تعمله!”
عزت اتفاجأ بجرأة كارم، وبص له بغل وضغط على الزرار في التليفون… مرة… اتنين… ثلاثة! بس ما حصلش أي حاجة، والقاعة فضلت شغالَة بالزغاريد والأغاني!
عزت وشّه اصفر والدم هرب من عروقه، وبص لكارم بذهول ورعب:
“أنت… أنت عملت إيه؟!”
كارم ما سابلوش فرصة يكمل الجملة؛ وقّف فجأة وضرب الترابيزة برجله، فقلبها على عزت وحراسه! وفي أقل من ثانية، سحب كارم كاس زجاجي ثقيل من على الطاولة اللي جنبه، ونزل بيه على رأس أقرب حارس لعزت، فجابه الأرض سايح في دمه!
المعازيم في آخر القاعة ما أخدوش بالهم من اللي بيحصل في الزاوية المظلمة بسبب صوت الأغاني العالي والأنوار.
الحارسان التانيين سحبوا أسلحتهم بسرعة، بس قبل ما يرفعوا السلاح، هجم عليهم الضباط المتخفيين وحازم من الضهر، ونزلوا فيهم ضرب وطرحوهم أرضاً، وقتفوا أيديهم بالكلابشات في أسرع عملية شل حركة!
عزت حاول يهرب ويجري ناحية الباب الخلفي للقاعة وهو بيترعش، بس كارم نسى جرح كتفه، وجري وراه وبغضب السنين كلها زقه بقوة، وقع عزت على الأرض والتليفون طار من إيده.
كارم نزل فوقه، ومسكه من ياقة بدلته ورفعه لفوق، وضربه بقلم قوي رن في الزاوية، وقال له وهو بينهج ونظرة عينيه بترعب:
“أنا كنت عيل طايش وبايع أهلي… بس النهاردة أنا راجل العيلة دي! اللي يمس شعرة من عمي أو أبويا أو بنت عمي، ما يحصلش طيب! فاهم ولا لأ؟!”
عزت كان بيبص لكارم برعب واستسلام وهو بيترعش ويقول:
“أنا… أنا آسف… أرجوك ما تقتلنيش…”
في اللحظة دي، دخلت القوة الرسمية للشرطة من الباب الخلفي، وسحبت عزت الدالي ورجالته بعد ما حرزوا التليفون والعبوة الناسفة المتكتم عليها. الضابط قرب من كارم وحازم وقال بحرص واهتمام:
“الله ينور يا رجالة… شغل عالي وبحرص ممتاز. عزت الدالي وشبكته الدولية أتقبض عليهم متلبسين بمحاولة وابتزاز، وكدة الملف بالكامل اتقفل للأبد.”
كارم وقف وهو بينهج، وكتفه كان بوجعه جداً والدم بدأ يظهر خفيف من تحت القميص من شدة المجهود، بس كان حاسس براحة ونصر ما حسش بيهم في حياته كلها.
حازم قرب من كارم وضمه بكل قوة وقال له:
“أنت بطل يا كارم… أنت أنقذتنا كلنا النهاردة من كارثة محققة!”
خرجوا من الزاوية المظلمة ورجعوا للوسط القاعة… كان محمود وسالم واقفين بيضحكوا ويبصوا للناس، وأول ما شافوا كارم حازم راجعين، سالم قرب وقال بابتسامة دافية:
“كنتم فين يا رجالة؟ الفرح شغال والأولاد بيسألوا عليكم!”
كارم بص لعمو سالم ولأبوه محمود، وابتسم ابتسامة صافية وقبل إيد عمو سالم وإيد أبوه وقال:
“كنا بنطمن إن كل حاجة في الفرح ماشية تمام يا عمي… وإن مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تعكر صفو عيلتنا تاني.”
محمود حط إيده على كتف ابنه وحس برطوبة الدم، وشّه اتغير بخوف وقال:
“كارم! كتفك ينزف يا بني!”
كارم ابتسم وقال بروقان:
“ده دم الغرور والطيش القديم اللي بيخرج من جسمي يا بابا… اهدى خالص، أنا زي الفل.”
وانطلقت الموسيقى والزغاريد، ونزل كارم في وسط الصالة مع حازم وعلياء وسالم ومحمود، ورقصوا كلهم سوا ورؤوسهم مرفوعة في السماء… علياء كانت بتبص لكارم بنظرة فخر وامتنان كبير، ونورهان واقفة تصفق وبصاله بإعجاب شديد.
مرت الأيام والشهور…
وبعد سنة كاملة من القصة دي، كان كارم واقف في ورشة تصنيع وحسابات كبيرة فتحها بعرقه وشقاه من الصفر، وربنا كرمه ونجح وبقى من أكبر التجار الشرفاء في السوق.
وفي يوم دافئ، كان العيلة كلها متجمعة في بيت سالم؛ علياء وحازم ومعاهم مولودهم الأول، ومحمود وسالم قاعدين يشربوا الشاي ويضحكوا، ونورهان كانت قاعدة معاهم…
سالم بص لكارم وقال بابتسامة مليانة حب:
“يا كارم يا بني… أنت أثبت إنك راجل وسند، والورشة كبرت وبقيت على وش جواز… إيه بقى؟ مش نكشف السر ونفرح بيك أنت كمان؟”
كارم بص لنورهان اللي وشها أحمرّ وابتمست بحياء، وقام وقَف وقبل إيد أبوه وعمه وقال:
“أنا اخترت خلاص يا عمي… والمرة دي اخترت بعقلي وبقلبي وبأصولي… أنا بطلب إيد الأنسة نورهان قدامكم كلكم!”
محمود وسالم قاما وحضنوا كارم، والزغاريد ملأت البيت من جديد، لتعلن بداية فصل جديد لعيلة صانت الأصول، وعرفت إن الراجل الحقيقي مش اللي ما بيغلطش… الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف يصلح غلطه ويقف كالجبل حامي أهله وناسه.
وقفت العيلة كلها تتشارك الفرحة والضحك، والصالة اتملت زغاريد وهياص بعد قرار كارم وإعلانه لطلب إيد نورهان. محمود وسالم كانوا طايرين من الفرحة، حاسين إن شقاهم وتعب السنين وتضحياتهم أثمرت أخيراً، وإن كارم أتحول لراجل يوزن بلد، يصون الأصول ويشيل المسئولية برأس مرفوعة.
لكن وسط كل الزغاريد والفرحة دي، تليفون كارم رن في جيبه… نغمة رسالة هادية بس وقعها كان زي الصاعقة في أذنه.
سحب كارم التليفون بحذر، وفتح الرسالة بعيد عن عين أبوه وعمه. كانت الرسالة من رقم مجهول ومعاها صورة جودة عالية جداً… صورة لورقة رسمية مختومة بختم الدولة، مكتوب فيها بخط عريض:
*(قرار إفراج ونقل للمحاكمة العاجلة خارج السجن للمتهم: ممدوح عبد الجواد… نظراً لتدهور حالته الصحية).*
عينين كارم اتسعت بذهول، وركبه كانت هتخونه تاني! خاله ممدوح! الثعبان اللي زرع الغل، وكان السبب الرئيسي في كل اللي حصل… خرج من السجن بحجة مرضية، أو بوسطة نفوذ صابر وعزت الدالي اللي لسة إيديهم الطويلة شغالَة من وراء القضبان!
كارم قفل الرسالة بسرعة وبلع ريقه، وبص لنورهان ولعلياء اللي كانوا ملمومين بيضحكوا، وحس إن الأمان اللي وصلوا له كان مجرد هدنة قصيرة قبل العاصفة الأخيرة والنهائية!
خرج كارم للبلكونة عشان ياخد نفسه، والليل كان ساكن ونسمات الهواء باردة. لحقه حازم بهدوء بعد ما لاحظ الشرود اللحظي اللي ظهر على وش كارم.
حازم حط إيده على كتف كارم وقال بصوت واطي:
“في إيه يا كارم؟ وشك اتغير فجأة أول ما مسكت التليفون… عزت وخاله ممدوح اتسجنوا خلاص، في حاجة تانية ظهرت؟”
كارم لف وشّه لحازم ووراه الصورة اللي على التليفون وقال بصوت محروق من الوجع والتوتر:
“ممدوح خرج يا حازم… ممدوح أخد إفراج! الراجل ده ما بيستسلمش، والغل اللي جواه من ناحية أبويا وعمي مالوش حدود. الراجل ده طالع وهو عارف إن مستقبله انتهى، يعني معندوش حاجة يخسرها خالص… وده أخطر نوع من البشر!”
حازم اتصدم وبص للصورة، وقرأ التفاصيل بسرعة وقال بتصميم:
“إحنا لازم نبلغ الشرطة فوراً يراقبوا تحركاته، وما نسيبش عمي سالم ولا عمي محمود يتحركوا شبر واحد لوحدهم!”
كارم هز رأسه بنفي وقال بكل قوة ونضج:
“الشرطة هتعمل شغلها يا حازم، بس ممدوح عارف المداخل والمخارج بتاعة العيلة أكتر من أي حد براني. ممدوح مش جاي يطالب بفيديو أو شيكات المرة دي… ممدوح جاي ينتقم في أعز ما نملك، وفي وقت إحنا فاكرين فيه إننا في أمان تام! المرة دي المصيدة لازم نعملها إحنا بنفسنا، ونقفل الصفحة دي بأيدينا وللأبد!”
حازم بص لكارم بثقة كبيرة وقال:
“أنا معاك يا أخويا… خطتك إيه؟”
كارم أخد نفس عميق، وبص للنجم في السماء وقال بنبرة حادة زي السيف:
“كتب كتابي على نورهان الأسبوع الجاي في نفس البيت هنا… ممدوح مش هيقدر يقاوم فكرة إن العيلة كلها متجمعة بتفرح ونفسه تتملي غل، وهيجي للبيت هنا فاكر إنه بيباغت الضحية في جحرها… والمرة دي، إحنا اللي هنكون مستنيينه، وبإيدنا اللي هينهي وجوده في حياتنا مرة واحدة وللأبَد!”
وقف كارم وحازم في البلكونة، يتبادلون النظرات والتصميم، متأهبين للمواجهة الحاسمة والأخيرة… المواجهة اللي هتحسم كل حاجة، وإما تثبت أصول العيلة وتدفن الشر للابد، أو تكتب الفصل الأخير في حكايتهم!
كان البيت يمر بليلة دافئة ملؤها الزغاريد والأنوار؛ تجهيزات كتب كتاب كارم ونورهان كانت شغالة على قدم وساق في بيت عمو سالم، والمكان زُيّن بالورود البيضاء والناس فرحانة. لكن تحت هذا السطح المبهج، كان هناك تحرك سري ومحكم بين كارم وحازم وأجهزة الأمن؛ البيت كله كان متأمن بشبكة كاميرات مخفية، وقوة من المباحث متخفية في الشارع وفي مدخل العمارة، بانتظار الذئب الجريح الذي جاء ليصب غله الأخير.
في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، وبعد ما المأذون خلص كتب الكتاب وانطلقت الزغاريد وعلت أصوات التبريكات، استغل “ممدوح” الزحمة والحركة على الباب، ودخل متسللاً وهو يتخفى في ملابس عامل صيانة. كان وشّه شاحب ومظلم، وعينيه مليانة بشر وغل لا يوصف.
تسحب ممدوح وسط الطرقات لحد ما وصل للمكتب الجانبي اللي كان قاعد فيه محمود وسالم بمفردهم بيعدوا فلوس المهر ورسوم المأذون، وفي إيد ممدوح سلاح أبيض!
فتح ممدوح الباب فجأة وقفله وراه بالترباس، وقال بصوت خفيض وفيه هسيس أفعى:
“نهاية الخدمة يا محمود أنت وسالم… فاكرين إنكم خلصتم مني ومن صابر وعزت؟ أنا خرجت عشان أكتب نهايتكم بأيدي، وأتحرمكم من الدنيا زي ما حرمتوني من كل حاجة!”
محمود وسالم اتصدموا ووقفوا بمكانهم، وسالم بص لممدوح بأسى وقال:
“يا ممدوح… ده أنت أخونا ودمنا! أكلت معانا في طبق واحد، توصل بيك الدناءة إنك تجيلنا في يوم فرح ابن أخوك؟!”
ممدوح صرخ بغل:
“مفيش إخوات ومفيش دم! الورث والفلوس والعز ده كان لازم يكون لي!”
وقبل ما يتحرك ممدوح بثانية واحدة… اتفتح باب الصالون الداخلي الخفي، وانقض عليه كارم وحازم بسرعة البرق!
كارم مسك إيد ممدوح ورفعها لفوق، وحازم هجم على جسمه وطرحه أرضاً! ممدوح حاول يقاوم وهو بيصرخ ويدعي، بس كارم ثبت إيده على الأرض وسحب منه السلاح وقذف بيه بعيد، ونزل على ركبه فوقه وهو بينهج ونظرة عينيه أصلب من الصلب.
في نفس اللحظة، اقتحمت الشرطة الغرفة وحاصرت المكان بالكامل، وقيدوا ممدوح بالكلابشات الحديدية.
كارم وقف وهو ينفض هدومه، وبص لخاله ممدوح اللي كان مرمي على الأرض بيبكي بكسرة وجبن بعد ما خطته اتكشفت وفشلت تماماً، وقال له كارم بصوت هادي وراسخ هز الغرفة:
“أنت فاكر إنك باغتتنا يا ممدوح؟ إحنا كنا مستنينك من أول ما خرجت… العيلة دي مش بتتكسر، لأنها ممسوكة برباط الأصول والدم النظيف، وأنت اللي اخترت تكون الغريب والخاين… اخرج من حياتنا للابد!”
الضابط سحب ممدوح للخارج وسط نظرات الحضور والقرايب اللي اتجمعوا على الصوت، وكان الكل بيبص لممدوح بقرف وازدراء، وهو بيجر رجليه ويدخل سيارة الشرطة اللي أخذته للمحاكمة النهائية والسجن المؤبد دون أي أمل في الخروج.
انتهى الكابوس كلياً، واختفى كل شق وشر كان بيهدد العيلة.
وقف محمود وسالم في الصالة، وبصوا لكارم بحب وفخر لا يوصف… سالم قرب من كارم وضمّه لصدرو ودموعه في عينيه وقال:
“أنت صنت الوعد والأصول يا كارم… أنت راجل العيلة وسندها الحقيقي.”
ومحمود مسك إيد ابنه وإيد نورهان وحازم وعلياء، وجمعهم كلهم في حضن واحد دافي، وقرأوا الفاتحة مع بعض، والضحكة والراحة رجعت لقلوبهم من جديد.
وهنا اتكتبت كلمة النهاية… نهاية كل طيش وغرور، وبداية حياة جديدة لعيلة عرفت إن الحق والأصول مهما اتضغط عليهم أو واجهوا من غدر… في الآخر هما اللي بيكسبوا ويفضلوا مرفوعين الرأس طول العمر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
