الفصل السابع والثلاثون بداخل السيارة وهي جالسة في الأمام بجواره كانت مستندة برأسها لخلف المقعد تنظر من نافذة السيارة للطريق الخارجي واليه مع ترديدها لكلمات الأغنية التي يصدح بها مذياع السيارة.. وهمسلي قالي الحق عليه نسيت ساعتها بعدنا ليه فين دموع عيني اللي مانامت ليالي . بابتسامة من عيونه نساهاني . أمر عذاب واحلى عذاب، عذاب الحب للأحباب ماقدرتش اصبر يوم على بعده ماقدرتش اصبر يوم على بعده دا الصبر عايز صبر لوحده. كان يقود السيارة هو مندمج معها ومع صوتها الرقيق ومعاني الكلمات الموجهة اليه وهي خالصة بالعشق.. رفع كف يدها يقبلها بحب قائلًا : - ربنا مايحرمني منك يارب. تنهدت قائلة بصوتٍ كخرخرة القطة: - انا بحب الأغنية دي قوي ياعلاء عشان بتعبر قوي عن اللي جوايا ناحيتك.. انا فعلًا مااقدرش اصبر يوم على بعدك ولا حتى دقيقة احس فيها بجفاك.. يعني لو حصل. ضغط بكفه المطبقة على كف يدها يضعها على ركبته متأوهًا : - بس بقى الله يخليكي كفاية كدة انا مصبر نفسي بالعافية.. مش كفاية عملة الزفت حسين اللي هاتخليني انتظر فرحي عليكي شهور تاني.. كنت ناقصه انا ده . ضحكت بدلال وهي تزيح بكف يدها الحرة خصلات شعرها المتطايرة على وجهها بفعل الهواء. - ياسلام يعني لدرجادي انت مستعجل على جوازنا؟ ترك الطريق لينظر اليها ويحدثها بصدق: - اوي يافجر.. نفسي اليوم دا يبقى امبارح مش بكرة ولا النهاردة.. نفسي اغمض عيني وافتحها الاقيكي معايا في بيتي ومعانا اولادنا.. انا مقدرش اوصفلك إحساسي كان إيه لما شوفت بنت عصام النهاردة.. قلبي رفرف جوا ضلوعي وانا بتخيل انها تبقى بنتنا انا وانتي.. حتة منك وشبهك.. ياه ياجدعان امتى دا يحصل؟. تبسمت بمرح قائلة : - بس بنت عصام دي حلوة زي الخوجات.. لكن انا ياعم على قدي . التف اليها محذرًا : - مين دي اللي على قدها.. اثبتي مكانك طيب بدل ما اتعصب عليكي.. لو بنت عصام قمر فاانتي قمرين وبنتنا هاتبقى تلت قمرات في بعض عندك اعتراض بقى؟ قهقهت ضاحكة تقول: - طيب انا كنت عايزة اسألك بقى مدام عجباك لدرجاك كدة زي مابتقول.. ايه اكتر حاجة شدتك فيا؟ التف اليها مجيبًا دون تفكير: - عنيكي. هزت رأسها قائلة بوجه متورد يشع بالسعادة: - اشمعنى عيوني بقى؟ افهم .. اصل انا طول عمري شايفاهم عادين يعني.. مش زي عيون شروق مثلًا لونهم العسلي بيلفت النظر خصوصًا في الشمس. كان قد وصل الى وجهته فاأوقف السيارة أمام البناية التي تضم شقتيهم.. نظر اليها محدقًا بعيناها يرد: - مش موضوع لونهم ولا شكلهم ايه؟ الموضوع اني اول ما بصيت فيهم حسيت وكأن فيهم رابط بيربط مابينا.. فيهم حاجة بتشدني ليكي زي المغناطيس.. فاكرة لما قولتلك بلاقي فيهم راحتي وقولت كلام كتير تاني عنهم.. انا مكدبتش في حرف يافجر.. انا عندي استعداد اقعد بالساعات وانا مركز فيهم واقرا كل لفته منهم.. وعمري ما امل.. عيونك المرسى اللي رست عليه مراكبي بعد شقا سنين طويلة يافجر. فغرت فاهاها واغلقتها عدة مرات حتى خرج صوتها اَخيرًا : - طب انا اقول ايه دلوقت قصاد كلامك الحلو ده؟ انا حاسة اني لو حاولت اردلك هاطلع حمارة وش قدام رومانسية المعلم علاء .. انت بتجيب الكلام دا منين؟ صدحت ضحكته الرنانة : - الكلام بيخرج من قلب المحب من غير تفكير ولا تركيز.. ياقلب علاء. بقلب يضرب بالسعادة داخل صدرها لوحت بكفها قائلة: - كفاية والنبي.. خليني استوعب شوية شوية الكلام الحلو ده بعد نشفان وشد اعصاب الأيام اللي فاتت .. عشان ما يغماش عليا قدامك دلوقتي. قرب وجهه منها يقول بحنان: - سلامتك ياعمري من أي سوء.. انا عارف اني مقصر معاكي عشان الظروف اللي طبت علينا فجأة.. بس وعد عليا.. كل ده هايتعوض الأيام اللي جاية. هتفت بلهفة : - بجد ياعلاء.. يعني هايبقى فيه كلام حلو زي اللي قولتوا دلوقتي؟ تنهد باضطراب أمامها محدقًا بها بصمت وملامح مبهمة غير مفهومة وهي منتظرة الإجابة ثم مالبث ان قال: - بقولك إيه يافجر.. قومي الله يرضى وخلينا نكمل كلامنا بعدين عشان بس مانعملش فضايح . تسائلت باستفسار وحسن نية: - فضايح ليه؟ هو احنا بنعمل حاجة غلط ؟ رد مقررًا بتأكيد : - انا اللي هاعمل لو ماقومتيش من قدامي دلوقتي على طول.. يبقى اتحملي انتي اللوم لو والدك ولا حد من الجيران ظبطني وانا بحضنك او....... - لا وعلى إيه؟ سلام ياعم . قالتها بعجالة وهي تترجل من السيارة هاربة اثارت ضحكته المرحة مرة أخرى. اعتلت الدرج وقلبها يقفز من السعادة معها وهي تستعيد كل لفتة وكل همسة منه.. تغزله لعيناها ولهفته عليها ونظراته المشبعة بالعشق.. ولكنها توقفت فجأة وكأنها استفاقت من سكرة عشقه.. ليصدح هذا الصوت بداخلها: - ياترى لو عرف فاتن عايشة هايفضل على حبه ولهفته دي ولا هايحن لحبه القديم؟ تنهدت بأسى تكمل اعتلاء الدرج وقد ذهب عنها مرح اللحظة وعاد اليها هم القادم . ................................... بداخل المدرسة محل عملها كانت جالسة مع صديقتها في ركن وحدهم تحت ظلال إحدى الشجيرات يتحدثن كالعادة في الموضوع الملح: - ماتقولي يابت رديتي وقولتي ايه ؟ زفرت سحر تشيح بوجهها عنها: - يووه عليكي يافجر ماقولتلك موضوع وخلص.. لزوموا ايه بس الرغي . هتفت عليها حانقة: - لزوموا ان الراجل بيكلمني ويتصل بيا عشان اقنعك.. هو في ايه بالظبط؟ انا حاسة ان الموضوع اكبر من حكاية سفرك معاه. التفت اليها تنظر صامتة باعين خاوية مما جعل قلب فجر يسقط في صدرها: - ايه اللي حصل ياسحر ؟ وليه الحزن دا اللي انا شايفاه في عيونك؟ هو غلط فيكي ولا خانك ولا إيه بالظبط؟ ردت بصوت منكسر: - مخانيش ولا غلط فيا بس انا قولتلك احنا ماننفعش لبعض.. انا أبلة وروحي في مناخيري وهو حلو ومتشيك تليقله واحدة زيه صغيرة تدلعه ويفتخر بيها. لكزتها بقبضتها على ذراعها: - بت انتي انا مش ناقصة اللغاز.. طلعي اللي جواكي واحكي ايه اللي حصل بالظبط؟ صدح هاتف فجر فجأة ليقطع تركيزها في التفكير لمعضلة صديقتها.. زفرت بغيظ وهي تنظر في اسم المتصل: - اسمعي اما اقولك لينا قاعدة نرغي فيها وتحكيلي كل اللي جواكي.. لولا ان اني بس مش ورايا حاجة مهمة دلوقتي.. لكن والنعمة ماهسيبك ياسحر.. سامعة . نهضت عن المقعد ترد على الهاتف بعد أن توعدت صديقتها: - الوو........ ايوة ياعصام ...........تمام حاضر هاتصل بيها ونيجي على طول ماتقلقش انا عارفة العنوان. بعد ان ابتعدت بمسافة كافية وسحر تتابعها بعيناها بشرود اجفلت فجأة على اهتزاز المقعد بجوارها يشير لجلوس احدهم .. وبمجرد التفافاها الى الجالس تفاجأت به يحدثها: - انا اسف لو فاجئتك او ازعجتك.. بس انتي ممكن تسمعيني الأول . ضيقت عيناها متسائلة: - اسمعك في إيه بالظبط ياأستاذ عبد الله؟ .................................... وفي مكان اخر كان حسين على سريره الطبي يحاول جاهدًا بيده السليمة ان يتناول منديل ورقي من العلبة الموضوعة على الطاولة القريبة منه.. يستحي ان يوقظ والدته التي غفت بجواره على المقعد الجلدي ولا يريد النداء على الممرضة.. انتابته رغبة ان يصل الى العلبة بنفسه دون المساعدة من أحد ولكنه كلما حاول ان يرفع جسده تألم بشدة.. تكررت المحاولات وفي كل مرة كان يسقط متنهدًا بتعب حتى كاد ان يفقد الأمل.. ليفاجأ في المرة الاَخيرة بشهقة انثوية وصوتها يصدح: - انت بتعمل ايه ياحسين؟ انتفضت زهيرة من نومتها وكادت ان تستيقظ فلاحقها حسين : - نامي ياأمي ماتقلقيش دي شروق بتهزر . عادت زهيرة لنومتها ودلفت شروق للداخل بخطوات خفيفة.. هتف عليها حسين ضاغطًا على اسنانه بصوت هامس: - مش تخلي بالك ياشروق.. دا انا مصدقت عيونها غفت من لطعتها جمبي طول الأيام اللي فاتت. تقربت منه قائلة بأعتذار: - معلش اسفة بس انا بصراحة لما شوفتك قلقت.. هو انت كنت بتعمل ايه؟ رد بصوت خشن : - انا كنت عايزة اوصل لعلبة المناديل اللي هناك دي.. بس مدام انتي جيتي اتفضلي يالا هاتيلي منديل . حينما تناولت المنديل اردف بأمر: - اتشطري بقى وامسحي العرق اللي على وشي كمان. همت لتنفذ امره ولكنها ارتدت فجأة قائلة بتوجس: - حسين.. اوعى تكون دي لعبة من الاَعيبك؟ قال متصنعًا الغضب: - الاعيب إيه وزفت إيه؟ في ايه شروق هو احنا هانهزر؟ تخصرت مدافعة: - اه الاعيب ولا انت نسيت امبارح.. لما قولتلي اشوف عينك اللي اتطرفت عملت ايه؟ رد بابتسامة خبيثة: - عملت ايه؟ ماتفكريني بقى عشان انا مش فاكر. قالت بابتسامة ازدادات اتساعًا تخفي خجلها: - ياسلاااام... يعني نسيت لما شدتني بدراعك السليم ده لحد اما اترميت عليك و....... لعب حاجبيه قائلًا بابتسامة عبثية: - وايه؟! ماتقولي.. ولا تيجي نعيد من تاني . لكزته بقبضتها على دراعه السليم هاتفة بضحك: - بس بقى قلة ادب اومال لو مكنتش مدشدش كنت عملت إيه؟ تأوه متألمًا : - اه ياني يامّا.. دراعي يامجنونة. صدح صوت زهيرة خلفهم : - مالوا دراعك ياحبيبي.. عملتلك ايه البت دي؟ وضعت كفها على فمها بإحراج غير قادرة على الإلتفاف نحو المرأة فرد حسين بجدية مصطنعة: - مافيش حاجة ياامي دا انا بس بهزر مع شروق. - كدة طب تمام يانور عيني.. ربنا يهنيكم ببعض.. بس ياريت والنبي توطوا صوتكم شوية عشان اعرف انام يعني. قالتها بنبرة تنضح بالخبث جعلت حسين يضحك من قلبه متشفيًا في شروق التى تسمرت محلها تكاد أن تموت من الخجل ووجهها اصبح كقطعة الفراولة من الإحمرار. .............................. - انا عارف انك متفاجئة وتلاقيكي مستغرباني كمان؟ بس بصراحة انا مصدقت اتشجع عشان اكلمك.. خصوصًا لما عرفت بموضوع فسخ خطوبتك مع الجدع البقف ده . - بقف! تفوهت بها مجفلة وقبل ان تتابع وجدته يقاطعها: - ارجوكي سيببني اكمل كلامي ياسحر. - سحر!! حاف تمتمت بها داخلها باستنكار وهي تستمع الي باقي حديثه: - اكيد انت عارفة او حسيتي من طريقة معاملتي ليكي ان معجب من زمان ونفسي اتقدم.. بس طبعًا كنت متردد عشان يعني كنت خايف لترفضيني عشان شكلي.. رغم اني في اوقات كتير كنت بحس بإعجابك بيا من خلال نظراتك او تلميحاتك بالكلام . اشارت بسبابتها نحوها بجزع : - انا كنت معجبة بيك وبلمح بالكلام؟ باغتها فجأة وهو يتناول كف يدها قائلًا : - مش مهم ياسحر ان كنتي لمحتي ولا لأ.. المهم اني فوقت لنفسي اخيرًا واتشجعت وفاتحتك.. فاضل بقى انك تتشجعي انتي كمان وتعترفي باللي جواكي .. بأنك متقبلاني رغم اني شكلي يعني على قدي مش زي الجدع دا اللي فاكر نفسه ولا نجوم السيما وهو مايسواش قشر بصلة. - قشر بصلة !! غمغمت بها مصدومة قبل ان تفاجأ بالأستاذ عبد وهو يرفع من ياقة قميصه وصوت رجولي خشن محمل بالغضب: - مين ياض اللي مايسواش قشر بصلة ؟ هتفت بجزع: - يانهار اسود رمزي.. سيبه يا رمزي. لوح بسبابته محذرًا نحوها : - اخرسي انتي مااسمعش نفسك خالص.. وانت ياض.. لساك ماسك في ايدها؟ سيبها ياض بدل ما اقطعلك ايدك دي. قالها وهو يفلت كفه عن كفها عنوة فصاح عبد الله: - وانت مالك انت يابارد.. هي مش خلاص فسخت خطوبتها منك.. ماتسبيها بقى تشوف حياتها مع الإنسان اللي بتحبه. شهقت سحر بغيظ من كلمات عبدالله لتفاجأ برد فعل رمزي القوي وهو يهتف: - بقى انا بارد وهي بتحبك انت ؟ طب دافع بقى ياشاطر عن حبها ليك . ثم طرحه ارضًا ليكيل لها باللكمات وسحر تهتف لتركه خوفًا على الاثنان ودرءًا للفضائح رغم انتشاءها بكل ضربة يتلقاها عبدالله بعد افتراءه عليها ......................................... على منضدة خشبية صغيرة بإحدى الإندية الخاصة بعلية القوم كان جالسًا يراقب صغيرته التي تلعب حوله مع أقرنائها من الاطفال.. منتظرًا بشرود اللقاء المرتقب.. لا يصدق حتى الاَن ان تكون حقيقة.. لقد مرت سنواتٍ طوال منذ الحادثة المأساوية التي ظلت عالقة بذهنه دون ان يتمكن من تخطيها والنسيان.. وكانت السبب الرئيسي لتحوله من آنسان عابث الى دكتور جاد لايلتفت سوى لمستقبله والمحافظة على ارث والده الذي كاد ان يفقد صحته حزنًا على اصابة ابنه وحيده.. هذه الإصابة التي نتجت عن الحادثة وجعلته يتأخر في مساعدتها وهو يثق تمام التقة في برائتها وطهارتها. - في مكان نقعد جمك يادكتور ؟ رفع رأسه على مصدر الصوت فارتد بمقعده للخلف مجفلًا لاتصدق عيناها رؤيتها.. رغم النظارة السوداء التي اكلت نصف وجهها لكنه عرفها.. ملفحة بحجاب طويل على ملابس عصرية ذو ماركات غالية يعلمها هو جيدًا .. وجهها الأبيض ازداد صفاءً ونضارة اكثر من ذي قبل مع ابتسامة رائعة زادته اشراقًا كما اظهرت النظارة الشمسية رقيًها ونضجها.. وتحمل بيدها طفلًا اكبر من ابنته بقليل ولكنه اجمع بين صفات ابيه الشكلية وجمال والدته .. طرقت فجر بقبضتها على المنضدة بقوة: - هاتفضل متنح لها كدة كتير مش ناوي بقى تقولنا اتفضلوا . نفض رأسه وهو ينهض عن مقعده بارتباك: - ااه طبعًا اتفضلوا ياجماعة. مدت اليه كفها الحرة بابتسامتها المعهودة - طب مش تسلم الأول يادكتور. مد كفه المرتجفة يصافحها بتوتر : - أهلًا بيكي يا فاتن... انتي عاملة إيه؟ - انا كويسة والحمد لله.. انتي اللي ايدك باردة اوي واكنك عيان . قالتها وجلست على الفور مع ابنها .. نظر هو لكفه التي صافحتها للتو صامتًا ولكنه اجفل على صوت فجر التي هتفت عليه: - انا واقفة على فكرة قدامك لسة.. ولا اقولك اقعد احسن مش وقت سلام لم يرد على مزحتها بل أكتفى ان يجلس على مقعده أمامهم وهو مازال مأخوذًا برؤيتها تكلمت فاتن بمرح: - انت لسة برضوا مش مصدق ان انا اللي قاعدة فصادك؟ - بصراحة متأخذنيش دي حاجة ولا في الخيال.. خصوصًا كمان لما عرفت انك كنني متجوزة الدكتور منذر .. يعني قرببة من دايرتي وانا اللي بقالي سنين بضرب اخماس في اسداس عن مصيرك المجهول. خبئت ابتسامتها وهي تتنهد قانطة قبل ان ترد: - عندك حق فعلًا.. اللي حصل كان اكبر من اي استيعاب او اي منطق.. بس الحمد لله ربنا وضع في سكتي اللي ياخد بإيدي وينجدني.. بس انا عمري مانسيت جميلك معايا ياعصام. ضيق عيناه متفكرًا : - جميل ايه بالظبط؟ انا مش فاكر حاجة . أجابت ممتنة: - يمكن انت متكونش فاكر.. بس انا لايمكن انسى اللحظة لما..... توقفت قليلًا متأثرة بذكرة الماضي ثم اردفت: - لما دخل علاء واشتغل ضرب فيك وانت كل اللي على لسانك فاتن شريفة وملمستهاش.. اتحملت الضرب وانت بتدافع عني في اضعف اوقات حياتي من غير ماترد بضربة واحدة على علاء اللي سابك في الأرض سايح في دمك.. وانت برغم كل اللي فيك كنت رافض مني المساعدة او انقذك.. دا انت حتى فضلت تنتظر والدم بينزف من دماغك.. مش راضي تتصل بحد ينجدك غير بعد ماانا امشي عشان ماتضرش بسمعتي.. كان اهم حاجة عندك انى افضل مستورة ومانفضحش . ظل ساهمُا بحديثها وهو لا يجد مايرد به عليها وكيف يرد وهذه الحادثة حاضرة في ذهنه كأنها حدثت أمس وجرحهها مازال ينزف بداخله.. صفقت فجر بكفيها لتفيق الاثنان: - اصحوا ياجماعة اللي فات راح وعدى خلينا في الحاضر .. وشوفوا اجتماعكم النهاردة على ايه من بالظبط. انشق ثغره بابتسامة مضطربة وهو ينظر نحو الطفل الصغير ليغير دفة حديثهم: - بسم الله ماشاء صحيح.. ابنك جامع في الصفات اللي هاتخلي البنات تجري وراه لما يكبر. ابتسمت بإشراق قائلة وهي تنظر نحو الطفل: - دي حبيبي دا ابن عمري .. عبد الرحمن هدية والده ليا قبل ما يتوفاه ربنا. - ربنا يخليهولك يارب ويرحم الدكتور منذر.. دا كان من احسن الناس خلقًا والله حتى في شراكته معانا كان في منتهى الإخلاص والتفاني . تبسمت ترد على كلماته : - اه شركته ليكم.. جينا بقى للمهم.. عشان انا كنت عايزة اتكلم معاك في الموضوع ده. اومأ برأسه: - حقك طبعًا.. انا جايب معايا النهاردة كل حسابات الشهور الي فاتت.. دا غير طبعًا اني عايزك تطلعي على كل التطورات اللي حصلت في الفترة دي وخصوصًا قسم الدكتور منذر... قاطعته فجر. - بس بس ياعم انا معنديش دماغ للتفاصيل بتاعتكم دي.. ايه رأيكم اخد عبد الرحمن ونروح نلعب مع الأمورة نانيس بنتك.؟ نهضت من جوارهم لتعلب مع الطفلان بحرية وسعادة متناسية الزمان والمكان حتى اتاها اتصاله فردت ضاحكة: - الوو ياحبيبي عامل ايه؟ اتاها صوته الغاضب : - انتي فين يافجر؟ ردت مرتبكة : - يعني هاكون فين يعني رحلت مثلًا ؟ هو انت بتسأل عليا ليه؟ وصلها صوت زفره طويلة وحادة قبل ان يهتف بغضب: - عشان انا روحتلك مدرستك وسألت عليكي قالولي خرجت من يجي ساعتين وفي البيت مش موجودة وعند حسين وشروق في المستشفى برضوا مش موجودة.. قاعدة فين يافجر دلوقتي ؟ جاوبيني حالًا . الفصل الثامن والثلاثون ارتبكت من حدته المفرطة في الحديث اليها حتى كادت ان تقول الحقيقة وتذكر اسم فاتن وعصام.. ولكنها تداركت نفسها فخرج صوتها بتلعثم : - انااا عند واحدة صاحبتي تانية غير سحر.. بزورها في بيتها عشان عيانة. وصلها صمته قليلًا قبل ان يسألها بريبة : - صاحبتك دي اسمها ايه يافجر؟ ردت كاذبة بأسم واحدة أتى على رأسها فجأة: - مدام نور...ااا هي مش أستاذة خالص على فكرة معانا في المدرسة.. عشان تعرف يعني . - امممم. تابع بنبرة هادئة بشكل عجيب: - طب خلصي مشوارك يافجر وياريت متتأخريش . اومأت بلهفة : - طبعًا طبعًا.. ححاول متأخرش ياحبييي . قال منهيًا المكاملة:. - تمام يافجر وانا منتظرك عشان تحكيلي.. سلام بقى. بعد ان انهاء المكالمة تنفست الصعداء وهي تشعر اخيرًا بدخول الهواء الى صدرها.. فقد وترتها مكالمة علاء الغريبة بشكل مخيف.. وانتابها شعور القلق بشدة فهي لم تعهد هذه الحدة قبل ذلك من علاء خطيبها الحنون على الإطلاق. التفت لتعود للأطفال بعد ان انشغلت عنهم بمكالمتها مع علاء.. ولكنها لم تجدهم.. جالت بعيناها تبحث عنهم في جميع الأنحاء وهي تُنادي بأسماءهم: - نانيس.. عبد الرحمن.. نانيس .. بيدوا ..ياولاد انتوا فين؟ سقط قلبها عند أقدامها حينما رأت الكرة الصغيرة التي كانت تتلاعب بها معهم بعد ان ابتعدوا عن طاولة فاتن وعصام بمسافة طويلة عنهم.. وبدأت تردد بصوت مرتعش وتبحث عنهم بتشتت : - يابيدوا .. ياناني .. يانهار اسود انتوا روحتوا فين وسيبتوني .................................. خرجت شروق من الباب الخارجي للمشفى لتستقل احدى سيارات الأجرة للعودة لمنزلهم بعد انهت زيارتها اليومية لحسين والإطمئنان عليه.. ابتسمت بخفة وهي تتذكر مناوشاته لها وهذا الجزء الخفي من الشقاوة لديه.. والذي لم يظهره لسواها ومكره الدائم للأيقاع بها رغم حالته الصحية واصاباته العديدة ولكنه استطاع بدهائه عدة مرات خطف القبلات واللمسات الجريئة منها متعللًا بأنه زوجها حتى لو كان طريح الفراش.. والغريب انها في كل مرة تأخذ حذرها منه ومع ذلك ينجح بألاعيبه معها . اعتلت الرصيف القريب من المشفى تشير بيدها لسيارات الأجرة امامها.. ولكن شتت انتابهها هذا الصوت المتكرر والذي تجاهلته عدة مرات حتى التفتت نحو المصدر حينما ازداد علوه.. وجدت امرأة ترتدي عباءة سوداء واقفة بمدخل إحدى الشوراع الضيقة و تغطي على نصف وجهها بطرف حجابها القصير وهي تشير لها بيدها : - بس بس تعالي. اومأت بسبابتها نحو نفسها ترد: - انت بتشاوريلي أنا؟ أجابت بصوت خفيض: - ايوة انتِ ياشروق.. إيه مش واخدة بالك مني؟ - شروق! رددت خلفها وهي تميز بحة الصوت والشبه الذي ليس غريبًا عنها.. تحركت بخطواتها حتى اقتربت منها على مدخل الشارع فسألتها وهي تدقق النظر بها: - انتِ نيرمين صح؟ اومأت برأسها وتكلمت بانكسار : - انا عارفة انك مستغرباني دلوقتي.. بس انا خايفة اكشف وشي لايشوفني ادهم ولا علاء ابنه وانا مش ناقصة. سألتها بحيرة: - مش ناقصة إيه؟ ثم انتِ موقفاني ليه بالظبط وانتِ هربانة من يوم حادثة حسين وماحد عارف مكانك فين؟ تلجلجت قليلًا ثم قالت بتماسك: - ممماهو ماهو انتِ ماتعرفيش ياشروق باللي عمله ادهم معايا عشان اهرب.. دا كان بيشك فيا وفي الاخلاقي من غير سبب لحد اما هجيت طفشانة.. بس انا تعبت وكنت عايزاه يسامحني عشان أرجع. - عايزة ترجعيلوا يعني طب وانا مالي؟ سألتها فحركت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وخاطبتها: - طب بقولك إيه.. ماتيجي معايا نقعد في أي حتة كدة عشان افهمك . هزت رأسها رافضة: - اسفة معلش انا يدوب اروح تحايلت بإصرار: - طب حتى ادخلي لجوا الشارع شوية لاحسن حد يوصل فجأة منهم.. دول بس كلمتين عالواقف عايزاكي تبلغيهم لأدهم عشان يرجعني. زفرت متأففه وهي تسلتسلم لسحبها لداخل الشارع الضيق وقبل أن تبتعد هتفت برفض: - خلاص كفايه هنا قولي بقى واتكلمي اديكي اداريتي شوية عن مبنى المستشفى . وقبل أن تتفوه نيرمين بكلمة تفاجأت شروق ييد كبيرة تلتف حولها والأخرى تكمم فاهها بمنديل ابيض ذو رائحة نفاذة حاولت مقاومتها ولكنها لم تستطع الصمود أكثر من دقائق حتى ارتخت أعصابها ولم تعد تشعر بما حولها على الإطلاق. ................................... تذرف الدمعات بدون توقف والقلق يأكل قلبها على الطفلان مع شعور بالحرج يكاد ان يفتك بها وهي لاتقوى على النظر بأعين عصام الذي انلطلق مع عمال النادي والموظفين في رحلة البحث عن الطفلين وفاتن قريبًا منها على إحدى المقاعد تبكي وتنوح اختفاء طفلها وبجوارها مجموعة من النساء أعضاء النادي يواسينها بعدة كلمات مطمئنة بقرب العثور على طفلها فلا احد يدخل ولا يخرج من النادي غير معلوم بالإضافة للكاميرات الموضوعة في مدخل النادي وخارجه. - اه يابني ياترى انت روحت فين بس؟ ردت عليها إحدى النساء: - يامدام اطمني مدام الكاميرات ماسجلتش خروجهم من البوابة يبقى أكيد هنا في النادي. قالت ببكاء: - بس انا قلبي هايوقف من الخوف عليه.. خايفة ليكون جراله حاجة هنا كمان جوا النادي دا مساحته كبيرة والأطفال ما بيفرقش معاها اي حاجة عشان تجربها. واستها المرأة الأخرى : - تفائلي يامدام وخلي إيمانك بربنا كبير. - ونعم بالله.. انا بس لو اعرف اختفوا ازاي كدة ؟ وجهت السؤال نحو فجر التي اشاحت بوجهها عنها بصمت وهي تتمنى الموت على أن يصيب الأطفال السوء.. انتفضت فجأة على صرختها باسم طفلها وهي تنهض من مقعدها مسرعة.. التفت فجر للأمام فوجدت عصام وهو يحمل الطفلان ابنته وعبد الرحمن الذي اختطفته والدتها لتعانقه بلهفة وشوق.. - انت لقيتهم فين ياعصام؟ سألته فجر بعد ان استقامت واقفة فأجاب هو بنبرة مرحة : - لقيتهم تحت الطرابيزة مستخبين ياستي في نفس المكان اللي كنتي بتعلبي فيه معاهم.. العفريتة بنتي بقى حبت تعمل فيكي المقلب اللتي بتعملوا معايا على طول وجرجرت ابن فاتن معاها ياعيني . - يعني كان مقلب من العيال وانا شربتوا! قالتها بصدمة لتسقط مغشيًا عليها بعد ذلك ............................ بداخل السيارة التي يقودها كانت نيرمين جالسة في المقعد الخلفي مسندة راس شروق الفاقدة للوعي على كتفها بسبب ما تنشقته. - طب انا كدة عملت كل اللي قولت عليا.. هاتنفذ وعدك بقى معايا ولا هاتخلى بيا؟ سألت وكان رده بحماس: - اطمني يانيرمين.. هو اَخرهم يوم ولا يومين بالكتير وهاتسافري معايا بلد جديدة انا جهزت كل حاجة. - طب دي هاتعمل فيها إيه؟ وليه أصريت على خطفها أصلًا؟ لزمتها إيه معانا؟. سألته بالإشارة الى شروق رد هو بابتسامة ذئب وعيناه في المراَة عليها : - هاعمل نفس اللي عملته من عشر سنين يانرمين.. وبعدها هي تختار بقى ياتيجي معايا ياتتحمل اللي هايحصل معاها.. وفي الحالتين هابقى انتقمت من حسين سبب كل البلاوي اللي حصلت معايا.. ويبقى يوريني هايرفع راسه ازاي قدامي بعد كدة بعد مااكون علمت عليه.. مش قولتلك مدام خربانة يبقى اَخد حقي صح. اومأت برأسها وهي تزدرد ريقها خوفًا منه ومن عقليته السامة.. لقد تجاوز بفعله فكر الشيطان نفسه. بعد عدة دقائق سألته وهي تلف رأسها للخلف: - على فكرة ياسعد في عربية ماشية ورانا من ساعة ماتحركنا. - عربية ايه؟ وماقولتيش ليه من الاول عليها؟ - التاكسي اللي ورانا على طول دا ياسعد.. انا بس مستغربة انه مافرقناش نهائي. دقق النظر في مراَته الخلفية الى ما تشير إليه وهو يبطئ السير فاحتدت عيناه بغضب وهو يزيد من سرعته: - دا مش تاكسي عادي يابت الهبلة.. دا الواد مازن ابن صاحب الخبز جارنا راكب فيه.. اكيد شافنا ابن الوارمة وفهم. شهقت عاليًا مخضوضًا : - يعني احنا كدة متراقبين؟ انت بتقولي فيها؟ الله يخرب بيتك وبيت سنينك ياشيخة دا...... ايه ده؟ قطع جملته وهو ينظر الى السيارة التي ظهرت أمامه فجأة ليتابع بهلع: - ياولاد ال...... دول عاملين عليا كماشة! هتفت بجزع هي الأخرى من الخلف: - تقصد ايه انا مش فاهمة حاجة؟ - عربية علاء دي اللي جاية من بعيد علينا.. دا باين الزفت مازن بلغه صاح بها وهي خبطت على وجنتيها بكفيها : - يانهار اسود.. دا انا كدة روحت في خبر كان.. ادهم مش بعيد يقطع من لحمي نساير لو عرف باللي حصل.. مش كفاية انه عرف بتاريخي معاك. - بطلي ندب بقى وسبييني اتصرف انا مش ناقصك. قالها من تحت أسنانه وهو يفتعل حركة غير محسوبة بسيارته حينما غير وجه سيرها للجهة العكسية متحديًا قوانين السلامة والمرور كي يفلت من الاثنان.. مما جعل علاء يزوم عليه بداخل سيارته مطلقًا وابل من الشتائم النابية نحوه.. فزود سرعة السيارة هو الاَخر وغير طريقه سيره للحارة الأخرى من الطريق كي يتمكن من ملاحقته.. ومازن الذي توقفت سيارته بوسط الطريق كان يتصل بإدارة المرور.. بناءًا على توجهيات علاء المتابع معه على الهاتف.. مبلغًا عن الخاطفين وأوصافهم مع ارقام اللوحة الخلفية لسيارتهم وشكل المخطوفة. ................... فتحت سميرة باب شقتها متأففة من صوت الجرس المستمر بإزعاج وهي تهتف: - ماخلاص اديني وصلت عشان افتح ..هو انا كنت واقفة على الباب يعني؟ يانهار اسود البت جرالها إيه؟ قالت الاَخيرة وهي تضرب على صدرها شاهقة حينما رأت ابنتها وهي مستندة بإعياء على جسد علاء الذي كان محاوطها بذراعه حتى لا تقع ورد على سميرة: - مش وقته دلوقتي ياخالتي خليني ادخلها الأول وافهمك اللي حصل. - اتفضل يابني البيت بيتك.. هو انت غربب. قالتها سميرة وهي تنزاح عن الباب بجسدها ليدلفا لداخل الشقة .. غمغمت تدلف خلفهم: - اموت واعرف بس المصايب مش ساييانا ليه؟ هو احنا كنا طلعنا القمر بس ولا إيه ياربي بس. قال بحزم: - احمدي ربنا ياخالتي دا احنا ربنا نجدنا. ردت بريبة على كلماته: - الحمد لله يابني بس هو إيه اللي حصل؟ بعد ساعة كان المنزل صاخب بالأصوات الساخطة والعالية بعد أن قص علاء جميع ماحدث من وقت أن اخبره مازن برؤية شروق ترفع مغيبة عن الواقع لداخل السيارة الغريبة ثم ملاحقته هو لهم وبعض أفراد الشرطة حتى يأس المجرمون فتركوا السيارة ومن بداخلها ليتمكنوا من الهرب. صاحت سميرة : - منه لله اللي يأذي الولايا.. بس انتي يابنتي ايه اللي يوقفك مع واحدة غريبة ومتلمتمة.. مخك راح فين بس؟ قبل أن تجيبها شروق وهي متلحفة بغطاءها على الكنبة وسط الصالة داخل أحضان زهيرة القت نظرتها نحو علاء الذي وصاها بعدم ذكر اسماء الخاطفين حرجًا من ابويها لما كان يمثله الإثنان بقربهم منه ومن عائلته فردت بصوت ضعيف: - معلش ياماما.. هي كانت غلطة وربنا ستر . شددت عليها زهيرة: - الف حمد وشكر ليك يارب انه نجاكي..حد عارف ولاد الحرام دول من انه بلد. تكلم شاكر بغضب: - بس انا مش هاستريح ولا يهدالي بال غير لما يتقبض عليهم ولاد الكل.... دول.. هي سرقة بنات الناس وفي وسط الشارع كدة هينة؟ دول باينهم فجرا ولاد ال...... ازدرد علاء ريقه الذي جف وانسحبت الدماء من وجهه وهو يومئ برأسه.. وبداخله يتمنى الأرض ان تنشق وتبتلعه ولا أن يعرف شاكر الحقيقة.. أجفل على صوت ابيه الثائر وهو يدلف لداخل المنزل: - وشرفي أنا ما هاسكت على اللي حصل ده.. مش مرات ابن الحج ادهم المصري اللي يتعمل معاها كدة.. هي العيال دي خابت ولا إيه؟ تركه علاء يلقي بكلماته الغاضبة وهو يرمقه بصمت في انتظار انتهاءه من مناقشاته معهم ثم طلب منه الجلوس على انفراد في شقته بعيدًا عن الجميع. .................................. ياولاد الحرام قالها ادهم وهو يشتد بجلسته على المقعد وقد ارتسم الذهول مشوبًا بالغضب على وجهه.. فتابع : - مااتصلتش بيا ليه وقتها عشان الحقك انا والرجالة ونعرف نجيبهم ولاد الهرمة دول؟ دا انا كنت عاجنتهم عجن. رد علاء وهو مستند بوجنته على اطراف اصابعه بسأم: - هو دا كل اللي هامك.. انك تمسكهم وتعجنهم! مش هامك منظرنا قدام الناس لما يعرفوا ان الحركة الواطية دي عملها صاحب ابنك ومراتك انت معاه؟ - يعني هانعمل إيه بس؟ ماهو دا حظنا بقى اننا وقعنا مع ولاد حرام قالها ادهم وهو يزفر بتعب وأحباط.. فقال علاء وهو ينظر امامه بشرود: - انا كنت في نص هدومي دلوقتي وانا وسط الجماعة وهما بيقرروني لاكون شفت الخاطفين.. حمد لله شروق التزمت بوعدها معايا ومااتكلمتش.. بس القضية شغالة وانا معرفش هقدر اخبي لحد امتى؟ تفاجأ بكف أبيه وهو يربت على ركبته بدعم يقول: - هون على نفسك يابني.. شاكر عاقل وانا متأكد انه لو عرف الحقيقة هايتفهم الوضع وهايقدر.. المهم انت عرفت ازاي في وقتها؟ تنهد بعمق وهو يرد : - لا يلدغ المرء من جحر مرتين.. انا سهيت مرة ولا يمكن أكررها تاني؟ أما اشوف التانية كمان ظروفها إيه؟ غمغم الاَخيرة بصوت خفيض لايصل الى أبيه.. مع زحمة من الافكار والمخاوف تكاد ان تعصف برأسه. ................................... في طريق عودتها الى البيت بعد ان استفاقت جيدًا من مقلب الأطفال أصر عصام على توصيلها بسيارته مع استحالة ان ترافقا فاتن.. كانت جالسة في المقعد الخلفي بجانب الطفلة التي كانت تلهو ببرائة معها وهي غير قادرة على الإندماج.. بسبب انشغالها في موقف علاء الذي تجاهل كل مكالماتها في الساعات الاَخيرة بعد ان اخلفت بوعدها معه وتأخرت في العودة للمنزل.. امسكت بالهاتف مرة أخرى تحاول الاتصال ولكنه كالعادة اغلق الإتصال دون رد.. زفرت بإحباط وتمتمت : - استغفر الله العظيم.. أكيد هايعملي فيها موضوع كبير. - أنت كنتِ بتكلميني يافجر؟ سأل عصام مما جعلها تخرج من شرودها وردت بالنفي: - لا لا انااا بس افتكرت حاجة كدة وطلع صوتي من غير ماحس.. ماتاخدتش في بالك انت. قال ضاحكًا : - ليكون افتكرتِ مقلب النهاردة ولا حاجة.. دا احنا شيبنا من الخوف لما اغمى عليكي.. واحنا كنا يدوبك كنا بناخد نفسنا برجوع الولاد. تغضنت ملامحها وهي تتذكر فقالت بسأم: - والنبي ماتفكرني.. دا انا لسة لحد الاَن مش قادرة اتلم على جسمي من الخضة.. انا في حياتي مااتعرضت لموقف زي ده . ضحك من قلبه بصوت عالي وهو يرد : - بصراحة انا عاذرك .. هي حاجة صعبة فعلًا .. بس انا اعمل بقى في بنتي؟ أصلها طالعة شقية زي ابوها.. انتي ماشوفتيش هي كانت ماسكة في الواد ازاي؟ ابتسمت لدعابته وردت: - ماهو عبد الرحمن كمان قمور.. عندها حق تعجب بيه. - انتِ هاتقوليلي.. ماهو جميل زي والدته دي بقت بطل.. اااسف يافجر متأخذنيش لم تستطع منع ضحكاته وهي تشيح بوجهها عنه مما جعله يبتسم بحرج .................................... حينما عادت اخيرًا لبنايتهم وصعدت الدرج تفاجأت بعلاء وهو يحتل الدرجة الاَخيرة امام شقتهم .. مشبك كفيه وينظر نحوها بتحفز وكأن سبب جلسته الغريبة هذه هو انتظارها. - انت قاعد كدة ليه؟ طب والسكان اللي طالعة ونازلة بيعدوا ازاي؟ سألت باندهاش وكان رده باقتضاب: - مستنيكي. صعدت الدرجات الباقية نحوه وهي تسأل: - طب ماانا كنت بتصل بيك ماردتش عليا ليه؟ زفر مطولًا قبل ان ينهض مفسحًا لها الطريق وهو يتحرك نحو شقته يقول: - تعالي عايزك الاول قبل ماتدخلي بيتكم. ردت مزبهلة وهي تراه يفتح بالمفناح باب شقته: - اجي عندك ازاي؟ والظاهر كدة ان خالتي زهيرة مش موجودة في البيت جوا. القى نحوها نظرة مخيفة وهو يدفع بيده الباب: - وافرضي الشقة مافيهاش حد غيرنا تفتكري اخلاقي تسمحلي انى استغل الوضع حتى لو كنتِ مراتي. اطرقت رأسها في الأرض بخزي منه وهو تابع: - خالتك زهيرة قاعدة عندكم في الشقة جوا .. والموضوع اللي انا عايزك فيه مايستناش. بدون تفكير تحركت لتدلف معه الشقة رغم تخوفها الكبير من هيئته . ................................ - بتقول إيه؟ صرخت بها بأعين جاحظة بهلع لتكمل وهي تهز رأسها بغير تصديق: - لا انت اكيد بتهزر صح؟ مش معقول يكون كلامك دا جد؟ مال برأسه مضيقًا عيناه قائلًا بنبرة متهكمة: - يعني هو دا كلام ينفع اهزر فيه؟ بزمتك انتِ تعرفي عني كدة؟ هتفت باكية: - يانهار أسود.. يعني انا أختي اتخطفت صح؟ - ايوة صح ولولا اني مشغل حد يتابعها ويجيبلي اخبارها مكنتش انا هقدر اوصل في الوقت المناسب عشان انجدها من ايد ولاد الهرمة دول. - انتي مخلي ناس تراقب اختي؟ قالت بعدم تصديق وهو اقترب منها يؤكد : - ايوة يافجر .. انا مشغل ناس تراقب شروق من ساعة اللي حصل مع سعد وانا مابقتش ضامن اي حركة غدر ولا خسة منه.. زي ما بالظبط مشغل ناس تراقبك انتِ كمان عشان ماضمنش انه يمكن يأذيني فيكي! فغرت فاهاها وهي تستوعب كلماته وقبل أن تنطق ببنت شفاه وجدته يسأل: - مين الست اللي دخلتي معاها النادي النهاردة يافجر وقعدتي فيه اليوم بطوله عشان تخرجي بعدها مع عصام يوصلك في عربيته. ارتدت للخلف مجفلة وهي تشعر كأن عقلها أصابه الشلل وما عادت قادرة على اختلاق كذبة ترد بها.. فقالت بتعلثم : - دي واحدة صاحبتي ااا.. اصرت تاخدني معاها النادي وو عصام اا.. قابلته هناك بالصدفة واصر يوصلني معاه في سكته ..بس كدة . اومأ براسه يمط شفتاه: - بس كدة!! طب الست دي اسمها إيه؟ هتفت بدفاعية: - وانت مالك انت باسمها؟ ماانا قولتلك انها واحدة صاحبتي ولا هو تحقيق وخلاص. - لا مش تحقيق يافجر.. بس انا لما الاقي خطيبتي او مراتي بمعنى اصح بتكدب وتألف قصص وتتأخر بسبب ست بتقابلها في الخفا يبقى انا لازم اعرف الست دي صفتها ايه عندك ؟ ولا انتِ نسيتي لما قولتِ الصبح انك في زيارة لواحدة عيانة اسمها نور وانت بتكلميني من قلب النادي. سقطت على المقعد خلفها بانهيار ولسانها انعقد عن الرد وكأنها فقدت النطق .. فتابع هو: - براحتك يافجر.. على العموم الست دي انا بقى عندي عنوانها وبكرة هسأل واعرف اسمها .. وان حصلت اروح لها البيت واحذرها من أذيتك هاعملها ومش هايهمني.. يبقى من الأحسن انك تتكلمي انتِ من نفسك. - اسمها فاتن. صرخت بها بانهيار .. قطب حاجبيه يسالها بتفسير: - ايه؟ بتقول ايه؟ مسحت بيدها دمعة فرت على وجنتها فقالت بقوة: - بقولك الست اسمها فاتن.. ولا انت مش فاكر فاتن ؟!! الفصل التاسع والثلاثون دلفت لداخل الشقة تجر أقدامها جرًا وقد اهلكها التعب..متجهة على الفور نحو غرفتها..متجاهلة الرد على الفتاة التي فتحت لها وسألتها عن سبب تأخرها في العودة للمنزل.. وهل كان بخطرها التلكأ بالشوارع بعد رحلة طويلة من العدو.. لوحت بكف يدها تلقي التحية على خالتها محاسن الجالسة مع فتياتها بوسط الصالة بملابسهم العارية تومئ براسها دون التفوه بنت شفاة. من وقت أن غادروا السيارة التي تركوها مضطرين هربًا من مطاردة علاء وبعض سيارات الشرطة.. هي لا تصدق حتى الاَن انها قد تمكنت من النجاة من براثن الشرطة وأدهم، بعد ان اوقعهم علاء في الفخ.. ولكن مهلًا مازال الخطر مستمر مادامت هنا في نفس المدينة معهم.. ارتمت على تختها وخلعت حذائها تدلك قدميها لبعض الوقت حتى تخفف عنهم الألم ثم استلقت وهي تتناول هاتفها تتصل به.. وكان رده سريعًا: - ايوة يانيرمين.. انتٍ وصلتي البيت ولا لسة؟ - ايوة وصلت اخيرًا.. بعد ما اتهلكت من الجري في الشوارع ياسعد.. وانت بقى وصلت ولا لسة؟ - انا وصلت اؤضتي عالسطح من يجي الساعة كدة.. المهم بقى حد حس ولا سألك انتِ اتاخرتي ليه؟ ردت بسأم : - والنبي ما تجيبلي سيرة حد ولا سبت.. انا فيا اللي مكفيني.. اتصرف بسرعة ياسعد انا عايزة اخرج من البلد دي واروح أي مصيبة بعيد عن هنا.. بعد اللي حصل النهاردة ماينفعش نتأخر اكتر من كدة. - خلاص يابت. قال بمقاطعة ثم تابع : - هما ليلتين بس اكون جهزت ورقي وورقك عشان نسافر ونخلص من الهم دا كله.. المهم بقى البت دي عاملة ايه عندك؟ بتخرج ولا لأ؟ زفرت متأففة؛ - ياعم واحنا مالنا بيها بس؟ خلينا في همنا. وصلها صوت انفاسه الحادة وهو يتكلم من بين اسنانه: - ماهو كله يبقى همنا يازفتة انتي.. ولا نسيتي انها هي السبب في كل اللي حصل لما جرجرتك زي البهيمة على شقتي وخلت حسين يسجلك ويسجلها.. دا انا الدم بيغلي في نفوخي وجسمي كله عشان ماعرفرفتش انتقم من حسين النهاردة.. وهاموت لو مشيت من غير ما افش غليلي في حد منهم.. سبب النصايب دول . ............................... متكومة على نفسها على سريرها بداخل غرفتها التي أغلقتها عليها من وقت ان عادت لمنزلهم .. رافضة الكلام مع احد وحتى الطعام لم تعد لها شهية فيه.. هي فقط اكتفت بالإطمئنان على شقيقتها وبعد ذلك دلفت الغرفة تكتم احزانها مع نفسها كالعادة.. ولكن هذه المرة كان الألم قويًا يكاد ان يمزق أحشائها.. ألم الفقدان.. تشعر بقرب بفقدانه كلما تذكرت تعابير وجهه المنغلقة وهي تسرد عليه كل ماحدث معها الأيام الماضية بدايةً منذ اللقاء الذي دبرته عمتها مع فاتن.. حتى ماحدث هذا اليوم في النادي ولقاءهم بعصام. كان يستمع لها وهو واجمًا لا ينطق ببنت شفاه وهي تسرد متعمقة النظر بملامح وجهه تريد ان تستشف ردة فعل واحدة تمكنها من معرفة ما يفكر به.. ولكنه لم يريحها أبدًا.. كما انه لم يثور كما توقعت.. حتى أسئلته كانت هادئة بشكل غريب حتى انهى الجلسة بطلبه اللقاء بها كي يتأكد. لقد وضحت لها فاتن في العديد من المرات انها تناست عشق المراهقة لما تبعه من ويلات وماَسي عانتها بسببه.. ورحبت بزواجها هي من علاء.. ولكن هو ماذا سوف يكون رد فعله حين يراها؟ ترى سوف يحن ويرق قلبه لقصته القديمة معها؟ وماذا عن عشقه لها هي؟ هل كان سرابًا وسوف يتبخر في الهواء مع ظهور العشق الحقيقي؟ تشعر براسها على وشك الانفجار وهي تدفنها بشكل متكرر في الوسادة.. وتتجاهل الرد حتى على اتصالات سحر العديدة. فليس لديها قدرة على الأستماع ولا التفوه بالكلمات.. فكيف ترد وعقلها معلق باللقاء المصيري غدًا بينها وببن فاتن وعلاء وعصام! ................................ كانت في سبات نومها العميق حينما شعرت بلمسات بدأت خفيفة على اقدامها كانت تتجاهلها مع ثقل رأسها ثم تطورات لمريبة حينما ارتفعت لباقي جسدها مما جعلها تعتدل بجسدها مفزوعة..فجحظت عيناها وهي ترى هذا الظل الضخم أمامها.. كادت ان تصرخ ولكنها تفاجأت بارتمائه بجوارها على التخت يكمم فمها ببده الغليظة وهو يهمس: - اهدي الله يخرب بيتك.. انتِ هاتجرسينا يابت ولا إيه؟ ذامت من تحت كفه برعب ولكنه اجفلها بإشعال ضوء المصباح المجاور لتختها.. فظهرت ملامح وجهه بالكامل لها.. هدأت حركتها بريبة وقد توسعت عيناها مزبهلة من المفاجأة.. رفع كفه والتمعت أسنانه التي ظهرت من تحت ابتسامة بعرض وجهه: - مدام هديتي كدة.. يبقى افتكرتي حبيب قلبك القديم صح! قال بغمزة وهي ابتعلت ريقها وعيناها تنتقل منه والى باب الغرفة: - اسماعيل! هو انت ايه اللي جابك هنا وفي اؤضتي كمان ؟ خلع قميصه فجأة واقترب يلف ذراعه عليها ليقربها منه وهو يهمس بإغواء: - الاسم طالع من بوقك زي العسل.. وحشتيني يانرمين ووحشتني لياليكي الحلوة يابت . انتفضت وهي تحاول لنزع ذراعيه عنها وجسدها يرتجف بأكمله: - ابعد ايديك دي عني يااسماعيل.. هو انت ايه اللي جابك هنا الله يخرب بيتك؟ شدد بذراعيه عليها أكثر وهو يردف بعينين تشتعل بالرغبة : - ابعد إيه بس؟ بقولك وحشتني لياليكي.. دا انا مصدقتش نفسي لما عرفت من صحابي انك رجعتي من تاني.. ربنا يخليلنا خالتي محاسن يارب. ازداد نفورها منه ومن رائحة التبغ الفائحة من فمه وهو يجول بشفتاه على وجهها وعنقها دون استئذان.. حاولت مجارته كي تكسب بعض الوقت قبل ان تتمكن من الهروب منه.. وقد فهمت مضمون كلماته فلا تستطيع الصراخ او المقاومة مع رجل كانت تعرفه قديمًا وتعرف حجم اجرامه و في بيت كهذا ومع امرأة مثل خالتها قبصت الثمن: - طب خليني افوق الأول ولا اقوم اغسل وشي. - لا انتي كدة حلوة اوي. اردف مابين قبلاته وهي تفكر في حجة اخرى ولكنها انتبهت على صيحات وصرخات تأتي من خارج الغرفة وقبل ان تستوعب تفاجأت باندفاع باب الغرفة بقوة ليدلف امامها لداخل الغرفة رجلين عرفتهم جيدًا من هيئتهم، فلطمت على وجهها تهتف بجزع : - يانهار اسود بوليس. ............................... في اليوم التالي وهي داخل زنزانة النساء كانت تبكي وتنوح بجوار خالتها وبقية الفتيايات والنزيلات ينظرن لها بحنق من صوتها العالي والمزعج في الندب. - منك لله ياخالتي منك لله.. ضيعتي مستقبلي ولبستنينى مصيبة وانا اللي طول عمري عايشة ورافعة راسي.. منك لله ياخالتي منك لله . مصمصت محاسن تعوج شفتيها باستنكار: - ياختي ماتفضيها بقى.. عمالة تدعي عليا من امبارح .. دا اللي يسمعك كدة يقول انك شريفة بحق هبت عليها صارخة: - ايوة شريفة ياختي.. ولولا عملتك انتِ السودة والداء الزفت اللي فيكي ماكنتش هاتحط في المصيبة دي ولا اقعد القعدة دي جمبكم. لوحت بيدها عليهم فتجاهلتها محاسن تشيح بوجهها عنها.. تابعت بصرخة اكبر : - بس انا اللي عايزة افهموا منك دلوقتي بالظبط؟ ايه اللي دخل اسماعيل سبرتوا عندي ودخل الرجالة مع النسوان في بقية الأوض وانا منبهة عليكي ان مافيش شغل في البيت؟ ماطمرش فيكي الفلوس اللي بديهالك عشان تنبطي وتسمعي كلامي.. دول هما يومين وكنت هاسيبك.. مكنتيش قادرة تصبري؟ نفخت محاسن من انفها بعمق ثم ضربت بكفيها وهي ترد بحدة: - لا ياختي كنت صابرة وساكتة.. بس اعمل ايه بقى؟ ليلة امبارح لقيت اسماعيل ورجالته دخلوا عليا فجأة وقالي عايز بنات للرجالة وانت كان جايلك مخصوص.. وقبل ما افتح بقي لقيتوا رمى الفلوس في حجري ودخلك .. هاقدر اوقفوا ازاي ده بقى قوليلي؟ وانت عارفاه ولا نسيتي؟ فغرت فاهها تستوعب فحوى كلماتها ولكنها اجفلت على نداء رجل الأمن بإسمها.. وقبل ان تنهض تذكرت تسأل محاسن وعيناه تجوب جميع النساء حولها: - هي البت امينة فين؟ هي مجاتش معانا ولا إيه؟ - امينة ياختى كانت عند الدكتور امبارح بتفك تجبيرة دراعها. .................................. دفعها رجل الأمن بخشونة وقوة داخل غرفة الظابظ حتى كادت ان تقع غمغمت حانقة ببعض الكلمات النابية نحوه قبل ان ترفع رأسها للدخل فاصطدمت عيناه بعيناه ذات النظرة الصقيرة.. ارتدت للخلف بخوف لتفاجأ بظابط الامن وهو ينهض مغادرًا: - خد وقتك ياحج بس ياريت ماتتاخرش اردف الظابط ليخرج على الفور.. تبعته هي بعيناها وكانها تترجاه لعدم الذهاب وتركها معه.. حينما صفق الظابط الباب أجفلها الاَخر بندائه : - ايه باعين خالتك؟ مكسوفة ماتبصي في وشي ولا إيه؟ التفت اليها منتفضة وهي بجوار الباب.. هتف عليها بامر: - اتحركي يابت من جمب الباب وتعالي هنا. انصاعت مضطرة تتحرك بأقدام مرتعشة حتى وصلت للمكتب أمامه ..وهو يتفحصها مضيقًا عيناه.. انتظرت أمامه للحظات مروا عليها كالدهر.. مطرقة رأسها وهو يتلاعب بسبحته بهدوء مريب.. فتحت فاهاها لتقطع الصمت ولكنها انتفضت مرتدة للخلف حينما وجدته ينهض عن مقعده: - والنبي ياادهم أنا ماعملت حاجة والتهمة دي متلفاقالي ظلم . اردفت بها وهي تنتفض من الخوف أمامه لتفاجأ به متبسمًا بزواية فمه قائلًا: - انه تهمة بالظبط يانرمين؟خطف شروق ولا خيانتك واستغفالك ليا مع سعد ولا تهمة امبارح لما العساكر جرجروكي من حضن حبيبك القديم اسماعيل اسبرتوا فغرت فاهاها بصدمة وانفاسها تتلاحق بحدة لا تقوى على الدفاع عن نفسها أمامه والخوف شل تفكيرها. امال برأسه نحوها وعيناه تطلق شررًا عليها: - مكنتيش متوقعة صح؟ صمت قليلًا واصبح ينتفس بخشونة من انفه يحارب للسيطرة غضبه : - بقى انا.. ادهم المصري اللي يتهزلوا شنبات تيجي واحدة زيك وتعمل معايا كدة؟ تعرفي يابت لولا بس اني عامل حساب سمعة عيالي لكنت دفنتك حية مع الكل.... اللي اسمه سعد.. احمدي ربنا بقى انك هنا اهو تكفري شوية عن ذنوبك. هم ليتحرك ولكنه استوقفته تتكلم بتلعثم: - هو انت.. عرفت اسماعيل منين؟ قال بسخرية : - تاريخك يامحترمة هو اللي دلني عليه.. و من خلاله عرفت بحكاية خالتك اللي اول مااسماعيل رمى في حجرها الفلوس.. كان هاين عليها هي نفسها تخدمه . - بس انا مراتك وسمعتي من سمعتك. اردفت بتحدي فحرك رأسه هو بسأم : - هو انتِ فاكراني اهبل يابت؟ انتِ مطلقة غيابي من ساعة مامشيتي.. يعني ماتخصنيس بشئ دلوقت من قريب ولا من بعيد.. والمهم بقى قبل ما انسى وامشي. على حين غرة تفاجات بصغعة قوية منه على وجنتها كادت ان تسقطها أرضًا لولا أنها تماسكت.. - دي بقى عشان شروق مرات ابني ستك وتاج راسك.- اردف بها قبل ان يخرج ويتركها تشهق باكية الم الخسارة لكل شئ . ............ ........................ في نفس مكان الأمس كان جالسًا عصام حول الطاولة الخشبية ولكن هذه المرة كان بجانبه علاء الذي كان يدخن بشراهة وفي الناحية الأخرى فجر وهي كالتائهة تنظر امامها بشرود في اننظار القادم . قطع الصمت عصام ؛ - ايه الحكاية ياجماعة؟ هو انتوا واكلين سد الحنك انهاردة ولا إيه؟ - في ايه عصام مالك بس؟ قالها علاء بسأم فرد الاَخر: - يابني ماانا عمال ارغي وماحدش معبرني خالص؟ لا انت ولا الست فجر.. اللي كانت بتجري ورا العيال امبارح وكأنها زيهم. رمقت علاء بنظرة ذات مغزى قبل ان تجيب ؛ - معلش ياعصام.. ماهو امبارح كان شئ والنهاردة شئ تاني.. ويعالم بكرة هايبقى آيه؟ تجاهل علاء نبرتها المتهكمة ورد عصام وكأنه يريد طمأنتها: - ان شاء الله خير يافجر.. ربنا ما بيجبش غير الخير. - السلام عليكم . ارتفعت رؤس الثلاثة فجاة نحوها بعد أن أتت بطفلها كالعادة.. ردد عصام وفجر التحية اما علاء فتصلب مكانه مسهمًا بها وكأنه لايصدق وقوفها امامه . - اتأكدت بقى انها عايشة. قالتها فجر بنبرة على وشك البكاء وهي ترى نظراته المركزة عليها .. وتابعت . - اقعدي يافاتن هو انتِ هاتفضلي واقفة ولا إيه؟ خلعت نظارتها فظهر كامل وجهها وهي تجلس امامهم وسألته: - عامل ايه ياعلاء؟. اومأ برأسهِ نحو الصغير: - ماشاء الله.. ابنك ده؟ تدخل عصام بدعابة: - امال يعني هايكون ابن الجيران مثلا؟ في آيه علاء انت مش شايف الشبه ؟ اومأ بشبه ابتسامة قائلًا: - معلش ياعصام ممكن تقوم انت وفجر خمس دقايق بعيد عن هنا. تفاجأ الثلاثة بمطلبه وكان الرد سريعًا من فجر التي قامت منتفضة : - يالا بينا ياعصام .. خدوا راحتكم قالت فلم تنتظر عصام فقد تحركت مسرعة ذاهبة ما أمامهم.. اسرع عصام خلفها : - استني يافجر.. هو انتِ مركبة قطر في رجليكي؟ تتبعتهم فاتن بعيناها ثم اللتفتت اليه سائلة: - هو في إيه بالظبط؟ وانت مشيتهم ليه؟ تجاهل الرد وسألها : - انتِ عاملة إيه يافاتن ؟ .................................. على طاولة أخرى بعيدة عنهم بمسافة كافية جلست مع عصام على مضض بعد أن كانت مصممة على المغادرة من النادي.. تقضم على اطراف اظافرها وتهز بأقدامها تحت الطاولة دون ان تشعر بنفسها: - براحة يافجر على نفسك.. هو إيه اللي حصل بس عشان تتعصبي كدة؟ قال عصام وكان ردها بتشنج: - لهوا انت مش واخد بالك ؟ دا قومنا من جمبهم من غير مايراعي شعوري ولا شعورك حتى.. هو احنا عيال صغيرين عشان يقومنا؟ ولا هو ناسي اني مراته؟ ولا يمكن عايز يحل نفسه مني؟ تمتم عصام باندهاش: - يانهار اسود.. ايه كل التحليلات دي يافجر؟ ماحصلش حاجة لسة يابنتي.. ثم ان اللقاء ده كان لازم يتم مهما بعدت المدة او قصرت. أشاحت بوجهها حتى كي تخفي هذا الألم عنه - عندك حق.. اللقاء كان لازم وضروي يتم وحمد لله اننا لسة في اولها عشان يقرر براحته. ضيق عينيه يسألها بحيرة: - قصدك إيه مش فاهم ؟ نهضت فجأة مغادرة: - قصدي اني عايزة امشي دلوقتي حالًا.. لو افتكر يسأل عليا بعد مايخلص جلسته معاها .. قولوا روحت وهي متقبلة منك أي قرار .. ماشي هم ليوقفها ولكنها لم تعطه فرصة بذهابها السريع.. عاد يجلس مرة أخرى وهو يفكر بفحوى كلماتها بوجوم . بعد عدة دقائق أتى اليه علاء: - خلصت جلستك مع فاتن ؟ اوما براسه بابتسامة راضية قبل أن يسأله ؛ - هي فجر راحت فين؟ أجابه عصام: - فجر بصراحة مشيت ومرديتش تستنى.. وبتقولك خد قرارك براحتك وهي متقبلة منك اي شئ. - بقى هي قالتلك كدة؟ قال باستنكار وهو يهز رأسه بيأس قبل ان يتحرك مغادرًا : - انا رايح اشوف المجنونة دي.. وانت بقى خليك مع فاتن معلش . ارتسمت راحة على ملامح وجهه حاول اخفاءها وهو يردد: - ماشي تمام.. روح انت شوف خطيبتك وانا هاضطر اقعد مع فاتن ! ............................ على ارض صلبة في مكان يبدوا كمصنع مهجور كانت جالسة في إحدى اركانه.. ضامة ركبتيها الى صدرها تبكي وتنوح حظها السئ الذي لم يفارقها منذ مولدها.. حينما اتت الى الدنيا من أم لم ترغب بها فلا تعير العيب او الحرام او ألأصول ادنى اهتمام..و لطالما قاست هي بسببها في عيشها من أعين الرجال الطامعة بها لمجرد معرفتهم بأن والدتها هي محاسن.. عملت في عدة مهن حتى لايصبح مصيرها مثلها فتمنت من قلبها ان تتزوج من رجل في الحلال فينتشلها من هذه البيئة الموبؤة فتعيش كبقية النساء ولكن حتى هذه كانت غالية عليها.. فكان نصيبها الزواج من رجل مدمن على المخدرات والتي سُجن بسببها.. وعادت هي لوالدتها مرة اخرى . رفعت رأسها تكفكف دموعها وتحمد الخالق انه نجاها من القبض عليها امس حينما عادت متأخرة من عيادة الطبيب.. ولكنها عادت للتشرد وهي لا تجد مكان يأويها.. تنهدت قانطة وهي تنظر للهاتف الذي اوشك شحن بطاريته على النفاذ وهو يصدح باتصاله.. فتحت على المكالمة تجيب بياس: - ايوة ياسعد عايز ايه تاني؟ مش ناوي تحل عن دماغي بقى؟ وصلها صوته: - مالك بس ياامينة؟ دي جزاتي يعني اني عايز اطمن عليكي بعد ماعرفت باللي حصل لوالدتك و نيرمين لما كبست عليهم الحكومة لليلة امبارح. - لا بصراحة قلبك طيب قوي.. فيكي الخير. - الله يسامحك ياامينة.. انا مش هارد عليكي.. بس اسمحيلي اسالك بحكم العشرة.. عاملة آيه؟ وبتباتي فين دلوقتي بعد مااخوات جوزك كمان استولوا على بيتك؟ رفعت رأسها للسماء قائلة بدموعٍ حارقة : - حتى دي عرفتها؟ ... قطعت الجملة وازداد نشيج بكاءها فاستغلها فرصة ليلقي عليها الكلمات المواسية . - خلاص ياامينة.. اهدي يابت الناس.. انت بس لو تقوليلي على مكانك كنت اساعدك . - في المصنع القديم. انتفض منتبهًا على جملتها: - ايه؟ بتقولي فين ياأمينة ؟ اردفت صارخة : - بقولك في المصنع القديم.. اللي في اخر الشارع عندكم.. واللي كنا بنشتغل فيه زمان انا والبنات قبل مايفلس.. شوفت الدنيا بقى؟ اهي لما داقت عليا ملقتش غيره. - معلش ياأمينة ماتزعليش .. هادبرلك انا حتة تاني تنامي فيها . اغلقت المكالمة وهي تتمنى بداخلها ان يفي بوعده معها.. فقد احتمت هي بجدارن المصنع لمعرفتها الأكيدة من مداخله ومخارجه ولكن البرودة نخرت عظامها ليلة أمس ولا تريد تكرار مأساتها .. ولكن مهلًا .. هذا سعد! انسيت هي من هو سعد؟ انتفضت فجأة تتناول هاتفها بدون تفكير لتضغط على احد ارقامه سريعًا.. فاجابها الطرف الاَخر. - الوو... ابوة ياأمينة ازيك. الفصل الأربعون والأخير التوتر مع تشتت نظراته.. بالإضافة الى العرق الذي انتشر على جبهته وبعض مناطق بشرته.. جميعهم أظهروا حجم صعوبة ما ينوي التفوه به.. وهي جالسة أمامه بصمت في انتظار سماعه ومعرفة سبب صرفه لفجر وعصام وطلبه الجلوس معه بمفردها. - انا مش عارف ابدأ كلامي معاكي ازاي؟ بس بصراحة مكنتش اتوقع انها حاجة صعبة اوي كدة. قطبت مندهشة من كلماته فسألت : - هي إيه اللي صعبة بالظبط؟ تنفس بعمق قليلًا قبل ان يجيبها وهو ينظر اليها مباشرًة: - الإعتراف بالغلط يافاتن.. انا من ساعة ماعرفت من فجر امبارح انك لسة عايشة وما موتيش.. ودماغي بتعيد وتزيد في اللي حصل مني معاكي من عشر سنين. - اللي فات مات ياعلاء وكل حاجة نصيب قالت فقاطعها هو ملوحًا بكفه: - معلش ارجوكي سيبيني اكمل.. انا عارف اننا مكنش لينا نصيب في بعض.. لكن انا بتكلم عن غلطي في حقك.. من اول صداقتي بواحد ابن...... ضيع مستقبلك بفتنة كبيرة عملها و صدقتها انا بغبائي لغاية اهانتي و طردي ليكي من المحل. خرجت كلماته الاَخيرة بخفوت وهي شاحت بعيناها قليلًا تؤلمها الذكرى.. قبل ان تعود اليه مقاطعة: - ممكن ماتجيبش السيرة دي تاني.. لان انا بصراحة كييفت نفسي عشان اقدر اعيش.. اني انساها واشطبها نهائي من حياتي. اومأ برأسه موافقًا : - عندك حق.. بس دا بالنسبالك عشان كنتِ انتِ الضحية.. لكن بالنسبالي انا لايمكن هاقدر انسى.. اني كان ليا يد في ظلمك حتى لو مش بالقصد.. صمت قليلًا ثم اردف: - انا بعتذرلك يافاتن وبتمنى انك تسامحيني عشان اقدر اعيش انا كمان. ابتسمت قائلة - ان كنت انت غلطت في صداقتك بواحد زي سعد.. فاانا كمان غلطت في حق نفسي لما هربت من بيت والدي وحطيت نفسي موضع شبهة لما جبرت عصام يخليني في شقته.. يمكن ساعتها بحكم سني كنت شايفة المبرر قوي عشان اهرب من جواز ابن عمي بجوازي منك.. لكن دا ما ينفيش غلطي..عشان كده بقولك انسى. اطرق برأسه متأثرًا بكلماتها التي القت على قلبه بعض الراحة.. ثم رفع راسه اليها قائلًا : - عندها حق فجر تحبك اوي كدة.. دا انتِ لو شوفتيها في بداية معرفتي بيها.. مكنتش بتطيق تبص في خلقتي.. ولما كنت اجي اكلمها كان وشها يحمر ويخضر من الغضب وتحسي كدة ان نفسها تولع فيا. ضحكت من قلبها فضحك هو أيضًا معها: - المجنونة دي.. هي طول عمرها كدة حمقية أوي في اللي يخصها وميهمهاش.. بس انت باين عليك بتحبها اوي عشان دا ظهر من لمعة عنيك اللي طلت فجأة لما جبت سيرتها . لم يرد ولكنه لم يقوي على اخفاء ابتسامة انارت وجهه لمجرد ذكر اسمها.. اردفت هي بكلمات خرجت من قلبها: - ربنا يهنيكم ببعض ياعلاء.. انت تستاهلها وهي تستاهلك. تنهدت بثقل وهي تستعيد كلماتها معه و التي لم يمر عليها سوى دقائق.. ولكنها كانت كفيلة بفتح جراح الماضي وذكريات نقشت في القلب مرارتها.. هي تحمد الله انه وقف معها بأن وهبها من يأخذ بيدها ويعطيها فرصة أخرى للحياة بكرامة ولكنها لاتنكر خطئها الذي بسببه اعطى فرصة لهذا المجرم لفعل جريمته معها. - لحقتي تسرحي؟ اردف بها عصام وهو يعود لجلسته أمامها.. التفتت اليه هي بابتسامتها المعهودة ترد: - انا لو مسرحتش وافتكرت اللي فات ابقى متخلفة ومعنديش احساس.. انت ترضهالي دي؟ اطلق ضحكة مدوية نافيًا بتحريك راسه: - لا ياستي بعد الشر عليكي من التخلف وعدم الإحساس. .. بس انا شايفك يعني بتهزري اهو وعلاء كمان وشه اتعدل قبل مايمشي.. اسف يعني لو بتدخل.. هو الحديث مابينكم كان عن إيه؟ - لا ياسيدي مافيش تدخل.. اصل الموضوع مش مستاهل يعني هو كان ضميره تاعبه من ناحيتي فكان عايز يعتذر وانا رديت عليه باللي يريحه. اردفت بها..فكان رده أن سألها قاطبًا بحيرة: - وهو إيه اللي ريحه بالظبط؟ - الحقيقة ياعصام.. هي ان غلطه فيا والمشكلة كلها كانت نتيجة غلطتي الكبيرة لما هربت من والدي من غير ما اقدر العواقب.. اللي مابينها كان ظلمك انت معايا . - بس انتِ ماظلمتنيش يافاتن.. انتِ واحدة كنتِ مغلوبة على امرك وانا بقى حاولت اساعدك بس الامور جات بنتيجة عكسية. ردت مبتسمة بامتنان: - انت بتقول كدة عشان قلبك طيب ياعصام. قال متفكرًا: - مش حكاية قلب طيب.. بس انا مكدبش عليكِ يعني كل ما افتكر الموضوع دا وملابساته بستعجب قوي للي حصل رغم بشاعته.. لكنه خلاني اشوف كل حاجة قدامي بمنظور مختلف.. وعلى الرغم من مرور السنين دي كلها وسفري واختلاطي بناس اشكال والوان وجوازي وطلاقي من مراتي.. لكنه جعل صورتك دايمًا مطبوعة في خيالي وبتطاردني.. رغم ان الأول وربنا العالم.. مكنتش بشوفك غير حبيبة صاحبي. - قصدك ايه ياعصام بكلامك ده؟ سألت بحيرة وكان رده حاسمًا؛ - قصدي انك تعرفيني كويس واعرفك.. واحنا كبار دلوقتي وفاهمين.. تقبلي تتجوزيني يافاتن ؟ ................................... - انا برضوا قولت هالاقيكي هنا. التفت برأسها على صوته فبادلته نظرة حانقة قبل ان تعود بأنظارها الى رؤية الميدان امامها بمساحته الشاسعة.. مستندة بكفيها على سور السطح الأسمنتي دون أن ترد ببنت شفاه. - الله دا انتي زعلانة بجد بقى؟ اردف بها قبل أن يحاصرها بذراعيه من الخلف يضرب ظهرها بصدره العريض...ارتبكت مجفلة من فعلته فخرج صوتها بتوتر: - ايه هو دا بقى؟ احنا قاعدين عالسطح ياعلاء مش في بيتكم . قرب وجهه من جانب رأسها يهمس : - طب وفيها ايه؟ واحد ومراته ياستي حد لو حاجة عندنا؟ ردت من بين أسنانها؛ - اه مراته اه.. معلش كنت ناسية.. اصلك مقدر قوي؟. صمت يستوعب كلماتها ويتفحص تشنجها.. ثم ارتد للخلف قليلًا ليديرها اليه قائلًا: - لدراجادي انتِ زعلانة مني يافجر؟ التمعت عيناها الذابلة امامه تنذر بسقوط دمعاتها وهي تجاهد للتماسك فقالت بشفاه مرتعشة: - انا قولت لعصام يبلغك اني متقبلة لأي قرار تاخده في علاقتي معاك.. يعني دا لو عايز ترجع لفاتن.. اصل انا عارفة وفاكرة قد أيه كنت بتحبها زمان.. فشئ طبيعي انك تحن لها بعد ما اتأكدت من برائتها.. انا مش عايزة اقف في طريقك والحمد لله اننا لسة على البر ومحسوبة قدام الناس خطوبة مش جواز. - خلصتي كلامك؟ سأل رافعًا وجهها اليه لتقابل عيناه خاصتيها.. تشجنت تنزع يده عنها : - ارجوك ياعلاء تسمعني كويس وتفهمني انا بتكلم جد.. بلاش تتأثر بهيئتي ولا ضعفي قدامك.. كل شئ عندي يهون الا اني اتجوز راجل قلبه معلق بواحدة غيري.. الموت اهون. حاوط وجهها بكفيه وخرج صوته بحدة: - ومين قال بس اني لسة قلبي متعلق بيها ولا بحبها. - انت! صرخت بها متابعة ؛ - رد فعلك لما شوفتها وبعدها طلبت مني انا وعصام نسيبكم لوحدكم . - كان لازم اعتذرلها.. واسمع منها انها مسمحاني عشان اقدر اعيش حياتي انا كمان. اردف صارخًا واكمل يمسح بأبهاميه الدموع المتساقطة بغزارة على وجنتيها يردف بحرقة: - حياتي معاكي انتِ.. عشان بحبك انتِ.. فاتن حبها كان راسخ في قلبي كانه شجرة مزرعة فيه.. لكن حبك انت كان الإعصار اللي نزعها من جدورها.. سامعة بقولك ايه؟ انا لما شوفتها النهاردة ماشوفتش الحبيبة.. لا .. انا شوفتها واحدة عادية تنفع كأخت لمراتي اللي هي انتِ ردت بنبرة باكية: - ايوة بس هي احلوت اوي.. دا عصام بنفسه قال عليها بطل. رد بابتسامة : - وافرضي هي بطل.. فاانتِ عندي احلى من ميت بطل. - صح كلامك دا ولا بتكدب عليا عشان تراضيني؟ سألت برجاء وصوتها خرج بارتجافة.. رد هو مشددًا على كلماته. - والله ياشيخة مابكدب عليكي.. دي كانت قصة وانتهت نهاية مؤلمة عشان مكانش لينا نصيب في بعض.. انا نصيبي معاكِ انتِ.. انتِ مراتي وحبيبتي وكل دنيتي.. فهمتي بقى ولا افهمك بطريقتي؟ اومأت برأسها.. بعد ان هدر الاَخيرة عليها مهددًا ولكنها اجفلت فجأة سائلة باستفسار: - طريقتك إيه بالظبط اللي هاتفهمني بيها؟ قرب وجهه يميل اليها يردف بعبث خاطفًا قبلة رقيقة: - زي كدة مثلًا.. شهقت مجفلة تنزع كفيه عنها : - يانهار اسود بتعمل ايه؟ احنا عالسطح ياعلاء وورانا الميدان. - خلاص نبعد طيب مع ان محدش شايفنا من المسافة البعيدة دي أساسًا. اردف جملته وهو يسحبها بعيدًا عن السور ولكنها تشجنت اكثر: - هازعل منك والله بجد انا...... قطعت جملتها مضطرة بعد أن عانقها بقوة حتى ارتفعت قدميها عن الأرض هامسًا بأذنها: - وانا مايهونش عليا زعلك. شدد بذراعيه عليها اكثر وتجاوبت هي تلتمس منه الحنان والإطمئنان بعد ليالي طويلة ارقها القلق والخوف من فقدانه. ................................... في المنطقة الخلفية المهجورة من المصنع القديم دفعت بيدها الحرة الباب الصدأ وهي تتحاشى باقدامها الدهس على القمامة المكدسة والحيوانات الميتة.. دلفت وهي تحمل بيدها الأخرى لفة لبطانية وملائة سرير مع حقيبة نسأئية معلقة على الكتف.. تنهدت تلتقط انفاسها قبل ان تكمل طريقها للداخل حتى وصلت الى الركن الموصوف لها من قبل.. فتبسمت تجفلها حينما راتها جالسة امامها تعطيها ظهرها : - بتعملي إيه يأمينة ؟ شهقت الأخرى منتفضة وهي تلتف برأسها للخلف نحوها: - حرام عليكِ يالبنى خضتيني. خطت اليها ضاحكة : - سلامتك من الخضة ياغالية.. بتعملي ايه صح؟ - باكل ياختي.. تعالي بسم الله. لوحت بيدها إشارة نحو الطعام الملقى على فرشة من الجرائد.. القت لبنى مابيدها على الأرض لتجلس وتشاركها مردفة: - وماله ياحبيبتي ناكل.. دا انا حتى وحشني الأكل معاكي. بتاكلي إيه بقى؟ اجابت بفمٍ ممتلئ بالطعام: - طعمية وفول طبعًا.. هايكون ايه يعني؟ - ياختي رضا على رأي امي.. دا حتى في ناس مش طيلاهم . اردفت بها لبنى قبل أن ترد امينة وعيناها مرتكزة نحو لفة الغطاء والحقيبة: - انتِ جيبتي بطانية وملاية سرير.. ربنا مايحرمني منك يارب.. دا انا كنت هانشف من البرد امبارح. نكزتها بخفة قائلة: - هو انا عملت حاجة عشان تشكريني انتِ كمان.. دا ربنا العالم لو بإيدي لكنت اخدتك تبيتي معايا في شقتي بس امي بقى أسيبها لمين؟ بعد ماسابها سعد لوحدها.. وفي نفس الوقت مقدرش اخدك معايا عندها.. حكم سعد بقى الله يسامحه شوه صورتك قدامها. اومأت برأسها متفهمة تبتلع الطعام الذي وقف كالحجارة بحلقها..و تابعت لبنى : - بس انتِ ما ينفعش تعيشي هنا ياامينة.. اينعم المصنع مستور عن الشارع والعيون.. بس انتِ ماتضمنيش عيل شارب ولا بلطجي يدخلوا عليكي فجأة ولا يأذوكي. - دا وضع مؤقت يالبنى.. هي ليلة ولا اتنين بالكتير اكون اتصرفت ولقتلي أؤضة ان شالله عالسطح او في البدروم. قالت لبنى وهي تتأمل المكان حولها: - بس المكان اتغير خالص من وقت ماسيبناه.. الله يرحم ايام الشقا فيه وهزارنا وضحكنا مع البنات. انا وانتِ والمدعوقة نيرمين قبل ماتتفرعن وتشوف نفسها. جارتها بشبه ابتسامة قبل ان تسألها برجاء: - بقولك ايه يالبنى.. هو ينفع تباتي معايا الليلة دي بس تونسيني.. حكم انا ليلة امبارح كنت هاشيب من الخوف. ................................ عادت لمنزلهم وقد اشرق وجهها بعد جلستها الطويلة في العتاب ثم الصلح ثم كلمات الغزل والعشق التي اطربت اسماعها وطمأنت قلبها اَخيرًا بعد ليالي الشك والعذاب.. دلفت لغرفتها فوجدت شقيقتها تمشط شعرها امام المراَة. - مساء الفل على احلى شروق.. عاملة ايه ياقمر؟ - مساء العنب. رددت باندهاش وهي تتابعها تتمختر خطواتها بسعادة لداخل الغرفة واكملت: - الغزالة رايقة يعني والوش اتعدل اهو بعد البوز اللي كان ممدود شبرين.. ايه اللي حصل وخلاكي اتقلبتي كدة من النقيض للنقيض.؟ تبسمت باسترخاء وهي تتكئ بجزعها مستندة على قائم السرير: - خير والله ياشوشو كل الخير . - اه يعني ايه؟ مافهمتش برضوا؟ اردفت عليها بإلحاح فازداد اتساع ابتسامة الأخرى: - في ايه يابت؟ هو انتِ هاتموتي لو معرفتيش؟ كان في سؤء تفاهم بيني وبين علاء والحمد لله الامور اتصلح.. استريحتي بقى؟. اومأت برأسها ترد: - اااه.. يعني صالحك بقى واكيد دلعك مدام مبسوطة كدة.. الله يساهلوا يعم.. وانا اللي متخانقة مع اخوه من دقايق بس. - ياساتر يارب.. ليه ياشروق؟ سألت فجاوبتها الأخرى : - ابن اللذينة عشان بس فوت النهاردة مارحتلوش.. عاملي هوليلة واكني اتخليت عنه في شدته. - طب وبعدين هاتعملي ايه معاه؟ دا اكيد زعل بجد. - سيبك منه انا هاعرف اصالحه هو كدة كدة خارج بكرة من المستشفى. نهضت من جوارها واردفت: - هاقوم انا اشوف خالتي زهيرة.. وانتِ بقى شوفي صاحبتك دي مابطلتش رن عليكي. شهقت متذكرة تتناول هاتفها: - يانهار اسود سحر.. دي اكيد هاتعلقني؟ اتصلت فااتاها الرد سريعًا من الجهة الأخرى: - اخيرًا افتكرتي ورنيتي عليا ياخاينة ياقليلة الأصل!. ........................................ في المساء وحينما انتصف الليل كانت مستلقية بجوار صديقتها التي وافقت على البيات معها.. بعدما افترشوا الأرض ببعض الكراتين الورقية القديمة لتخفف عنهم قسوة البرودة.. تحتهم الملائة وفوقهم البطانية كغطاء.. عيناها ناظرة في السقف وقد جافها النوم.. عقلها الذي لايهدأ ينتقل من موضوع لاَخر فلا هي تجد الحل لمشاكلها ولا هي قادرة على استراق الراحة ولو قليلًا بالنوم.. انتبهت فجأة لأصوات خفيفة كوقع اقدام متلصصة اَتية من ناحية الباب الخلفي.. تذكرت على الفور كلمات لبنى عن تهجم بلطجي او مدمن مخدرات عليهم .نهضت بدفاعية تبحث عن شئ لحمايتها هي ولبنى بعدما شدت عليها الغطاء جيدًا حى رأسها.. جالت بعيناها يمينًا ويسارًا فلم تجد شئ فازداد الرعب بداخلها مع شعورها المتزايد بالخطر وباقتراب وقع الاقدام .. تحركت للناحية المعاكسة قبل ان يأتي اليها ويراها تبحث عن عصا او حتى حجر لتضرب او تهدد به. وفي الناحية الاخرى بعدما تخطى الباب الخلفي بصعوبة من ظلمة المكان وتكدسه بالقاذرات التي طرأت حديثًا بعد هجر المصنع وافلاسه.. مغطيًا نصف وجهه حتى يستطيع التمكن من دخول المنطقة والتي حرمت عليه بفضل ادهم ورجاله.. ولكن لا يهم الاَن.. فهو سيترك لهم البلد نهائيًا ولن يعود الا وهو يمتلك من المال مايمكنه من سحق الجميع.. ولكن قبل كل هذا لابد له من إطفاء نيرانه المشتعلة بداخله.. بعد ان اهدرت كرامته وخسر معها الكثير بضربه وسط الشارع وامام الكبير والصغير فيه من أهل منطقته.. يسير على أنامله ببطى شديد وكأنه يتحسس الخطى حتى لا تشعر به.. وصل اَخيرًا ليجدها متكومة في ركن قريب تحت الغطأء الذي غطاها من رأسها حتى قدميها وبجوارها مصباح صغير على صندوق خشبي في الأرض لينير المكان.. عديمة الإحساس نأئمة بسكينة وكانها بمنزلها وليست بمصنع مهجور تحيطه القاذورات من كل ناحية.. ولكن جيد جدًا فبفعلها هذا وفرت عليه الكثير.. فتح بهدوء سترته ليخرج منه سكينًا كبيرة لمع نصلها رغم الظلام وهو يتقدم نحوها بخطواتٍ سريعة ليجثوا فوقها بسرعه البرق ويغرزها بعدة انحاء في جسدها بكل حقد.. لم يتوقف سوى بعد ان رأى بقع الدماء انتشرت بكثافة على الغطاء .. نهض متنهدًا بعد ان هدأ غليله.. هم ليرتد قليلًا ولكنه اصطدم بجسدٍ صغير استدار فوجدها امامه شهق مفزوعًا للخلف وهو ينقل انظاره لها ونحو الجثة الهامدة في الأرض بزعر .. عكسها هي التي كانت واقفة متسمرة بأعين جاحظة بصدمة الجمتها لدقائق تستوعب ما تراه حقيقة ام خيال .. حتى تمكنت قدماها من التحرك أخيرًا نحو صديقتها ونطق لسانها بصرخة مدوية: - قتلت اختك ياسعد.. قتلتها ياظالم يابن الحرام . .................................. في اليوم التالي خرج حسين من المشفى بواسطة شقيقه الذي اتى به لمنزله مع والدته بمباركة ابيه الذي رحب برعاية والدته له ولكي تكون له فرصة أيضًا : دثره علاء بعد ان وضعه بعناية على تخته بمساعدة شاكر داخل الغرفة التي جهزتها زهيرة له وبمساعدة شروق وسميرة أيضًا.. كانت الغرفة ممتلئة بأفراد العائلتين للترحيب به.. الا أدهم الذي تأخر على غير العادة. زهيرة وهي جالسة بجواره وتربت على ذراعهِ بخفة: - الف حمد لله عالسلامة يانور عيني.. نورت بيتك ومطرحك. سميرة من الناحية الأخرى : - دا انت هنا يابطل مع اكل زهيرة اللي يفتح النفس وشك هايورد وتبقى زي الفل. - ايوة ياواد ياحسين دا الست الوالدة عليها طبق ملوخية يرد الروح اردف بها شاكر وتابعت عليها فجر : - ولا طبق المحشي كمان دا يجنن لوحده. قال حسين : - مابراحة شوية عليا ياجدعان فتحتوا نفسي.. لاحظوا اني تعبان اساسًا من أكل المستشفى ونفسي انطلق بقى.. ردت زهيرة بلهفة : - دا انت تؤمر يانور عيني .. من النهاردة هاعملك كل اللي نفسك فيه. - كله ايه ياامي؟ براحة ياغالية دا جسمه لسة تعبان ومايتحملش. - قولوا ياعلاء دا فاكرها فرصة . اردفت بها شروق فرد حسين من الناحية الأخرى: - مابلاش انتِ يامؤدبة.. وخليكي في حالك . رددت بغضب مصطنع فضحته ابتسامتها: - الله يسامحك مش هارد عليك دلف اليهم فجأة ادهم بعد ان فتح له ابراهيم : - السلام عليكم ياجماعة.. عامل ايه دلوقتي يابني؟ اومأ له حسين وردد الجميع عليه التحية فسأله شاكر: - مش بعادة يعني ياحج تتأخر كدة؟ اجابه ادهم وهو يجلس على اقرب المقاعد بتعب : - اسكت ياشاكر ياخويا على اللي حصل الليلة اللي فاتت مايتحكي حتى في الروايات .. الحارة كلها صحيت في نص الليل امبارح على صوت صريخ من المصنع القديم..ولما دخلنا نشوف انا والرجالة لقينا البت لبنى الغلبانة بنت نشوى هي المقتولة. - يانهار اسود معقول ودي مين اللي قتلها؟ سألت زهيرة وكان رده وهو يهز رأسه باستياء : - طلع اخوها هو اللي قتلها واللي كانت بتصرخ هي صاحبتها.. دي امها ياعيني كانت عايزة تاكله بسنانها لولا الرجالة اللي حاشوها عنه وهو واقف زي اللوح بيبص بعنيه وبس.. خدناه ووادناه القسم وبردوا هو على حالته. ردد علاء: - لا حول ولا قوة الا بالله.. انتقام ربنا جاله بإيده. نطق الأخيرة بصوت خفيض لايصل الى البقية ولكن فهمه حسين والشقيقتان ايضًا . ............................. في وقت لاحق وبعد ان انصرف الجميع ظلت هي وحدها معه في الغرفة بعد ان استأذنتها زهيرة في مرافقته قليلًا حتى تصنع له الطعام .. كانت تتلاعب بهاتفها متجاهلة النظر اليه. - ايه يااستاذة هاتفضلي متجاهلاني كدة كتير؟ سأل وكان ردها بابتسامة: - مش احنا متخانقين عايزاني اعملك ايه بقى؟ - وافرضي متخانقين.. ماتعرفيش تصالحيني؟ قال بحزم وردت هي بهدوء قبل ان تعود لهاتفها: - لأ عشان انا مغلطتش فيك.. انا قولتلك كنت تعبانة وانت مقدرتش اعملك ايه بقى؟ اديني قاعدة جمبك اهو وبراعيك زي اي واحدة بنت اصول. صك على فكيه غيظًا من تجاهلها ثم هتف بغضب : - ماشي يابنت الاصول طب انا عايز اشرب . نهضت تتناول الكوب الزجاجي بجواره على الكمود تقربه منه: - اتفصل امسك.. الكوباية مليانة أهي. - قربي بقى ترفعي راسي وتشربيني .. شهقت مستنكرة: - اشربك ليه ان شاء الله ؟ ودراعك حلو ويمسك كويس دا غير ان التاني نفسه اتحسن . قال ببرود: - بس دماغي لسة تعبانة ومتربطة..يعني لازم اخد حرصي.. ولا انتِ عايزاني انده والدتي واقولها.. ان البت دي اللي أئتمنتيها على ابنك مش هاين عليها بوق مية تشربه ؟ هتفت ضاحكة و متناسية غضبها: - وقولها كمان على الحركات القرعة اللي بتعملها عشان تعرف مين ابنها. - عادي اقول بس رد امي هايكون ايه بقى ساعتها؟ هاتقول دا جوزك يامنيلة وكمان غلبان وعيان ولا نسيتي؟ - لامانستش . نفت ضاحكة فاردف هو بانتصار : - حلو قوي .. يالا بقى ياحلوة عشان تشربينى .. بس بضمير والنبي وانت بتحضنيني.. قصدي ااا وانتِ بترفعي راسي! ................................. بعدها بيومان. كانت فاتن تنزل درج بنايتها مع فجر التي اصرت على مرافقتها لحفل عقد قران صديقتها التي لا تعلمها وهي مازالت مترددة: - انا مش عارفة بس ايه اللي خلاني اوافق واروح معاكي .. واحدة معرفهاش هاتقول عليا ايه بقى لما تشوفني؟ ردت فجر بسأم: - يووه عليكي يافاتن.. ماقولتلك يابنتي الحفلة عالضيق عشان جات في السريع ومافيش حد هايعرفك هناك.. ثم ان سحر دي عسل هاتحبيها اوي لما تشوفيها.. ماهو انتي كمان لازم تخرجي وتشوفي الناس ماينفعش تفضلي كدة في قوقعتك. كن وصلن لمدخل العمارة فقالت لها مستسلمة: - ماشي ياست فجر .. اديني هاخرج واشوف الناس واما اشوف بقى اكررها ولا احرم مااعملها تاني . ردت بثقة: - لا ان شاء الله هاتكرريها وتكرريها كتير كمان.. بفستانك اللي يجنن ده وانت لوحدك تهبلي.. وادي علاء كمانا عشان يوصلنا وماتتعبيش في السواقة. بداخل سيارة علاء جلست هي وابنها في الخلف وفجر في الأمام بجواره وقبل ان تتحرك السيارة تفاجأت بفتح الباب الخلفي واقتحام عصام الجلوس بجوارها وهو يضع الطفل على أقدامه: - مساء الخير عليكم .. عاملين ايه بقى؟ ردد الاثنان في الأمام التحية مبتسمين وكأنهم على علم : - هو عصام كمان جاي معانا؟ سألت بحسن نية لتفاجأ بنظراتهم الغريبة لبعضهم فتابعت بريبة: - هو في ايه بالظبط؟ - بصراحة بقى احنا قاصدين نعملك كمين ؟ قال علاء وتابعت خلفه فجر بأستعطاف: - بصراحة انا معرفتش نيتهم غير في اَخر لحظة.. وماقدرتش اعترض. - تعترضي على ايه؟ وليه يعني الخطط دي؟ - عشان انا من ساعة مافاتحتك وانت مردتيش عليا ولا ربحتيني بإجابة على سؤالي. قال عصام فرددت بمرواغة: - ارد على ايه بس وجوزي ميت من ست شهر ؟ - طب وايه يعني ماانتي لسة صغيرة ؟ قال علاء وتابعت فجر - ثم ان الحي ابقى من الميت . - يافاتن وافقي بقى خلينا نربي العيال مع بعض. - انت بتبسط الامور اوي ياعصام وانا بصراحة خايفة رد عليها علاء : - خايفة من ايه بس يافاتن؟ عصام ابن ناس وهايعرف يقدرك ولو محصلش انا جمبك موجود افتحلك دماغه تاني عادي يعني؟ ضحكت على مزحته معهم وظهر بعينها التردد فاستغل عصام ليزيد الضغط برجاء: - وبعدين بقى يابنت الناس ريحي قلبي.. اهو قالك هايفتحلك دماغي لو بس مقدرتيش عايزة ايه تاني ؟ اكملت فجر : - وافقي بقى يافاتن خليني افرح بيكي زي مافرحت بسحر. صمتت لحظات تنظر اليهم بتفكير وهم ينتظرون قرارها على أحر من الجمر ثم هزت برأسها موافقة جعلتهم يهللون بفرح وارتياح . - خلاص بقى يبقى نكتب الكتاب عشان ماترجعيش في كلامك . بمجرد فتح فمها لتعترض - وغلاوة عبد الرحمن ياشيخة ماتعترضي.. امشي بينا يابني بسرعة والنبي قال الاَخيرة مخاطبًا علاء الذي ادار محرك السيارة فوراً ملبيًا طلبه.. فهتفت فجر: - هو ايه ده؟ انا عايزة اروح فرح صاحبتي. - يابنتي هاوديكي حاضر ..بس خلينا نجبر بخاطر الغلبان ده الاول ومش هاأخرك . ردد خلفه عصام وهو ينظر بمسكنة نحو فاتن التي لم تكبت ابتسامتها: - اه والنعمة غلبان ..وامي ميتة كمان ونفسي في حنان .. شغل يابني الاغاني الله يرضى عنك.. ولا اقولك اغني انا وانتوا غنوا ورايا .. انهاردة فرحي ياجدعان .. عايز كله يبقى تمام . ....... الخاتمة في القفص الحديدي تمسك يداه بقضبانه الصلبة.. يتنظر الحكم من رجل اشيب الراس ومتجعد الملامح ولكنه يملك السلطة ليقرر عنه مصيره.. يتفوه ببعض المواعظ ويردف بحثييات ليس لها ادنى اهمية لديه فالعقاب قد صدر سابقًا وليس الاَن.. من وقت ان قتل بيده شقيقته في لحظة أُغشي عنه بصره وبصيرته.. فخسر شقيقته الوحيدة كما خسر قبلها المال وسمعته والأصدقاء.. ثم تكتمل الدائرة بخسارة والدته أيضًا.. والدته التي لم يقدرها ويعلم بقيمتها سوى الاَن في شدته الكبرى هذه.. وهي حاضرة اليوم بصف الخصم تنتظر القصاص العادل لابنتها من شقيقها.. بعد أن هجمت عليه وكانت تريد قتله بنفسها ولكن لما يأست أتت اليه تخبره انها مع فقد ابنتها لم يعد لديها اولاد.. ولكنها تنتظر عقاب الله في من حرمها وحرم حفيدتها الصغيرة منها.. لايوجد فرد واحد في القاعة الكبيرة ليهون عليه أو يعطيه بعض الدعم سوى المحامي الذي يحادثه مجاملة من أجل أجره.. أخيرًا نطق القاضي بحكمه لتنقلب القاعة بالهرج والأصوات المكبرة وصوت والدته وهي تزغرط بالدموع الباكية أمامه وبقلب موجوع جعل الجميع من أهل منطقته وأناس لا يعلمهم يلتفون حولها.. ليهونوا عليها مصابها وهي تحضن الصغيرة ابنة الراحلة.. تردف بدموع النصر لقرب الثأر لحق ابنتها من ابنها العاق والظالم.. فيتلقى نحوه نظرات الحقد والكره من أناس يعلمهم وأناس لا يعلمهم وهو يبادلهم بتبلد وعدم مبالاة كالعادة.. وفي خضم هذا البلبة الصادرة امامه انتقلت عيناه فجأة اخر القاعة وفي ركن منفرد راَها أمامه ترتدي ملابس فاخرة وتغطى نصف وجهها بنظارة سوداء.. وكأن صاعقة ضربته تمتم أسمها مذهولا بصدمة - فاتن .. فاتن .. فاتن كان يعلو صوته بوتيرة متصاعدة وهو يتحرك في القفص كالمجنون يريد الذهاب اليها والتأكد بنفسه مما يراه. حتى اثار استياء الحراس الذين كتفوا حركته وسحبوه بالقوة للمغادرة وهو يهذي كالمجنون بإسمها.. يقاوم ويترجاهم بدموع باكية لتركه . - سيبوني اروح لها.. سيبوني اشوفها .. ابوس إيديكم سيبوني اتأكد دي حقيقة ولا خيال.. سيبوني...سيبونيييييي. .................................... في وقتٍ لاحق من اليوم عاد من عمله بالمشفى.. خطا الى حديقة المنزل الفسيح في المنطقة الراقية بخطواتٍ مسرعة توقفت امام زوج الأطفال وهو يمرحون بألعابهم وخلفهم المربية المكلفة برعايتهم. - حبايب قلبي. قال وهو يقترب منهم فيرفع كل واحد منهم على حدة ليقبلهم..ثم اللتفت للمرأة الأربعينية: - عاملين معاكي إيه سنية؟ اجابته المرأة بابتسامة : - حلوين ياباشا وربنا يخليهم بس البت العفريتة دي عدت الولد بعد ماكان مؤدب وامور.. هو كمان بقى عفريت زيها. دوت ضحة كبيرة وسعيدة منه قبل ان يرد: - حبيبة ابوها جينات التأثير في البشر ورثاها عنى.. المهم عينك عنهم ماتغفلش تمام . - هو انت هاتوصيني عليهم دول في عنيا يادكتور. - تسلملي عينكي. اردف بها وهو يقبلهم مرة اخيرة قبل ان يدلف لداخل المنزل.. وقعت عيناها عليها في قلب الصالة الفسيحة وهي بجوار النافذة الزجاجية التي شملت الحائط بأكمله.. ممسكة بيدها طرف الستارة التي غطت معظمها وكشفت عن جزء بسيط تنظر منه لخلف المنزل حيث حوض السباحة الكبير بشرود، خطا اليها على أطراف اصابعه حتى اذا اقترب همس بأذنها - الجميل سرحان في إيه؟ شهقت منتفضة وتلقفها هو داخل أحضانه بعبث.. فخرج صوتها مع انفاثها الاهثة: - حرام عليك والنعمة شيبتني بجد تمتمً لها بصوت مرح : - سلامت قلبك ياقمر.. ان شالله انا . دفعته بقبضته تريد زحزته عنها بخجل : - ابعد ياعصام.. البيت كله خدامين مش خايف لحد يشوفنا - ومايشوفونا ياستي.. دا احنا حتى متجوزين يعني لو تفتكري. اردف وهو يجذبها أكثر اليه وهي تحاول لنزع ذراعيه عنها : - ياعصام مش كدة طب الولاد لو دخلوا فجأة طيب.. هايبقى إيه منظرنا قدامهم؟ هز برأسه نافيًا قبل ان يطبع طويلة على وجنتها مصدرة صوت عالي.. جعلتها تنظر اليه فاغرة فاهها مذهولة من مداعبته الجريئة لها.. فقال بتسلية: - مساء الفل أولا على فاتنة البر والبحر وفاتنة قلبي كمان. تبسمت سعيدة بتدليله لها تبادله مزاحه: - مساء الورد على دكتور حياتي واحلى عوص. ضغط على شفته وعيناه تجول يمينًا وهو يسارًا : - لولا بس قاعدين في الصالة.. وانا مهما كان برضوا جرأتي لها حدود. - طب الحمد لله ان في حدود. قالت فصمت هو يتنهد من العمق قبل أن يديرها الى النافذة مرة اخرى وهو خلفها يتنفس عبيرها قائلًا: - اخمن انا لوحدي واقولك انتِ كنتِ سرحانة في إيه؟ - إيه؟ سألت واجابها على الفور: - أكيد كنتِ سرحانة في سعد واللى حصل معاه صح؟ اومأت برأسها: - من ساعة ما شوفته الصبح وانا صورته ماراحتش من عيني.. قد مااتمنيت طول عمري ان ربنا ينتقم منه.. قد ماصعب عليا النهاردة وهو واقف في القفص بياخد جزاة عمله وكل اللي في القاعة بيدعوا عليه وأولهم والدته.. فعلًا يُمهل ولا يهمل. قبلها اعلى رأسها بحنان قائلًا: - عشان انتِ سيبتي حقك عند ربنا وهو ماتعظش ولا تاب.. لا دا كمان كمل في طريقه فخد جزاءه من جنس عمله.. لا واللي شاهدة عليه كمان هي أمينة.. اااخ امينة دي اللي كنت حالف لادوقها من المر كاسات لكن انتِ وقفتيني. التفت اليه ترد : - ما خلاص احنا اتفقنا ياعصام.. هي غلطت بس كمان دفعت تمن غلطها دا كتير قوي.. دا غير ان ظروفها صعبة وانا حبيت انها تتنفس وتعيش حياة جديدة.. يعني كنت هاستفاد ايه من سجنها ؟ وانا ربنا عوضني بدل المرة اتنين. - ثبتيني انتِ كدة بكلامك العسل. قال غامزًا بعيناه ثم تابع: - المهم بقى حضرتي عزومتك كويس ولا لسة ماخلصتيش تجهيزاتها؟ - حمد لله كل حاجة تمام.. بنات خالي واجوازهم باقي يدوب ساعة على ما يوصلوا.. انما أمي بقى كلمتني من دقائق وقالت انها في السكة خلاص. ........................... وفي شقتهم التي شهدت على مولد عشقهم والذي كان بدايته كره ثم تحول لعشق وزواج ثم تكلل بثمرة عشقهم التي قاربت على الخروج الى الحياة! أمام خزانة ملابسه كانت تضع الملابس المطوية بداخلها بترتيب رغم أجهادها.. فتعود للتخت وتتناول كوم جديد من فوقه.. والهاتف على أذنها تتكلم مع صديقتها سحر في الجهة الأخرى: - يامجنونة ماانتِ مابتسأليش طيب اعملك ايه؟........لا ياستي ربنا يهنيكم ببعض انتِ ورمزي ويخليلكم النونة الصغيرة حنين هي عندها كام شهر دلوقت.........ربنا يخليهالك ويبارك فيها.........خلاص هانت انا دلوقتي في التامن ادعيلي بقى ربنا يكملها على خير... شهقت مجفلة فجأة حينما أتى خلفها وفاجأها بنزع الملابس من يدها التي تناولها عائدًا بها نحو التخت بصمت..ليجلسها عليه بنظرات محذرة.. يكمل هو ما تفعله وشعره مازال يقطر بالماء ..اضطرت لأنهاء المكالمة سريعًا تخاطبه بغضب: - طب مش تنشف شعرك الأول لاتاخد برد. قالت وهي تحاول النهوض لكي تصل بالمنشفة اليه.. ولكنه اقترب منها محذرًا: - بس بقى ماتتحركيش من مكانك تاني.. متخلنيش اتعصب بجد. - تتعصب ليه بس؟ هو انا عملت حاجة دول شوية غسيل بطبقهم.. مش مستاهلين عصبيتك دي. - مش مستاهلين! دا انتِ كنتِ بتنهتي فيهم ولا اكنك بتجري.. ايه يافجر؟ اهدي على نفسك الله يرضى عنك.. خلينا نعدي الأيام اللي فاضلة دي على خير. قال بقلق فردت هي بنبرة مترجية : - طب تعالى نشف راسك والنبي لتتعب.. ولا انت عايزني اللقط منك واكح ببطني الكبيرة دي. ابتسمت من قلبها وهي ترى تأثير تهديدها عليه.. فترك مابيده سريعًا يتناول المنشفة يجفف بها وهو يجلس بجوارها: - هاتجنيني معاكي.. وانت عارفة انا بخاف قد ايه.. دا لو يحصل وتتعبي.. والنعمة دا انا قلبي بيوقع في رجلي لما اتخيل بس . مسدت على ذراعهِ بحنان : - سلامتك قلبك يانور عيني.. هو انت مخليني اعمل حاجة عشان اتعب.. دا انا قولت اطبق الهدوم من زهقي.. ماانا كمان مش واخدة عالراحة كدة على طول.. الراحة بتتعبني. نظر اليها مضيقًا عيناه: - اوعي تكوني بتلمحي على شغلك في المدرسة؟ انا قولت مافيش شغل لسنة قدام بعد الولادة ومش هارجع في كلامي يافجر..يعني ما تحاوليش تلفي ولا تدوري في الكلام من أولها.. عشان انا فاهمك. لوت شفتيها المذمومتين قائلة بابتسامة: - هو انا لدرجادي مفقوسة قدامك اومأ برأسه وابتسامته الرائعة قبل أن ينهض وقال: - اوي اوي بصراحة.. والمشكلة انك بتنسي اني حافظ كل لمحة وكل تعبير في وشك.. يعني بقرا وبعرف اللي جواكي من قبل ما تتكلمي. تبسمت بسعادة تحدق اليه بصمت.. تشكر الخالق على نعمة الزوج الحنون المحب.. تابع هو: - قومي يالا بقى اتجدعني كدة وغيري هدومك عشان نلحق نودي الغدا لابويا قبل ما نلحق مشوارنا. - بس لو خالتي ربنا يهديها وتوافق ترجعلوا.. مش كفاية سابلها البيت الكبير مع حسين وسكن في شقة لوحده.. قلبها دا مش هايحن بقى؟ قالت وهي تنهض عن التخت بمساعدته.. أجابها بابتسامة: - بتدلع ياستي.. ماهي الحكاية مش سهلة اوي كدة عندها.. دي امي وانا عارفها. قالت بغمزة من عيناها: - بتتقل يعني عشان يعرف قيمتها. خطف قبلة سريغة من شفتيها قبل أن يتركها قائلًا: - حقها ولا مش حقها؟ رددت خلفه ضاحكة: - طبعًا حقها وحقها جدًا كمان . ................................ في المنزل الكبير كانت سميرة جالسة ومعها طبق كبير ممتلئ بالأرز.. منكفئة عليه بتركيز وهي تتنقي منه السيئة والتالفة لتضعها في طبق صغير بجوارها.. دلفت اليها زهيرة بصنية العصائر قائلة وهي تضعها امامها على الطاولة الصغيرة بوسط الصالة: - سيبي اللي في إيدك ياسميرة.. واشربي حاجة ترطب على قلبك.. هو انتِ هاتموتي ياولية انتِ لو ريحتي ساعة من غير شغل؟ ردت سميرة وهي ترفع اليها رأسها: - الله بقى.. مش لازم انقي الرز كويس ولا هانطبخه من غير ماننقيه؟ - وتنقي وتوجعي قلبك ليه؟ والست اللي قاعدة جوا دي.. شغلتها ايه بس؟ نزعت سميرة كوب العصير من فمها وردت بملامح ممتعضة: - لا ياختي.. انا احب اطبخ اكلي بنفسي.. مابحبش حد يعملوهولي.. ماتجليش نفس اساسًا.. مش انتِ عزمتيني.. يبقى اتحملي بقى شروطي. تنهدت زهيرة بيأس مستسلمة لمبدأ سميرة فتناولت كوبها هي أيضًا ولكنها على رفعت رأسها فجأة على صوت دبدبة سريعة فوق رؤسهم كما فعلت سميرة التي سألت بقلق: - يالهوي يازهيرة.. ايه صوت الدب اللي فوق؟ تبسمت زهيرة بمكر قائلة: - لا ياختي ماتقلقيش دي حاجة عادية . - حاجة عادية ازاي يعني؟ سالت قاطبة حاجبيها فنكزتها زهيرة بمداعبة: - ياولية افهمي بقى.. دول العيال فوق بيلعبوا ويهزروا مع بعض.. هو انتِ مجربتيش؟ شهقت مستنكرة : - اخص الله يكسفهم.. طب مش يراعوا وجودك ولا الناس اللي شغالة في البيت؟ دا فجر وعلاء على كدة.. احسن منهم مية مرة في العقل.. دا انا ادخل واطلع عليهم.. مافي مرة شوفت منهم الحركات دي. زهيرة وهي ترتشف من كوبها بخبث: - طب وانتِ هاتعرفي ازاي بقى؟ لهو انتِ ساكنة تحتهم؟ فغرت سميرة فاهاها وعقلها يتخيل انه قد حدث بالفعل.. فعلق جيرانها في الأسفل نفس تعليقها الاَن. .............................. وفي الطابق الثاني وبعد ان استطاع الإمساك بها وشل حركتها بيديه اللتي ثبتت يديها بجانبيها على آحدى كنب الصالون .. قال بتهديد وانفاسه مازالت متلاحقة بعد ركضه خلفها: - طلعي التليفون ياشروق بالزوق احسنلك. حركت رأسها باعتراض.. تغيظه بضحكتها: - لا ياحسين مش مطلعة حاجة غير لما تقولي انتِ الأول على باسورد الفتح . - واقولك ليه ياباردة؟ هو انا بفتح تليفونك؟ صاح بها وكان ردها بدفاعية : - وماتفتح ياحبيبي براحتك.. هو انا هاخاف؟انا تليفوني نضيف و مافيهوش حاجة وحشة. شدد ببديه الممسكة بها يهتف: - يعني انا اللي تليفوني عليه حاجات وحشة.. هاتي التليفون يامجنونة ولا قولي مخبياه فين؟ تاوهت بألم : - كفاية بقى ايدك ناشفة وهاتعلم في دراعي. - أحسن خليها تعلم.. عشان انتِ معطلاني عن مكالمة مهمة في الشغل بلعب العيال بتاعك ده خففت نبرتها قائلة بدلال: - طب قولي على الباسورد وحياة غلاوتك عندي عشان اديهولك تكلم صاحبك براحت .. عشان خاطري والنبي ياحسحس. ابتسمت بداخلها وهي ترى تأثير دلالها على ملامح وجهه وهو ينزع نفسه عنها: - بتحلفيني بغلاوتك عندي.. وانت هاتضيعي عليا شغل بالالفات بهزارك التقيل ده. اعتدلت بجذعها تميل عليه بجرعة زائدة من دلالها: -طب اعمل طيب وانا بموت فيك يعني؟ واخاف لواحدة تلوف عليك كدة ولا كدة.. وانت قمور وعيونك خضرا. - قمور!! ماتظبطي كلامك ياشروق.. انا راجل ملو هدومي.. مش عيل كاورك عشان اريل على أي واحدة تلاغيني. قربت وجهها منه بنبرة مغوية: - ماهو ده اللي مجنني فيك.. انك جامد وشكلك حلو. قرب وجهه هو ايضًا حتى اصبح لا يفصلهم سوى سنتيمترات فقال بصوت أجش وعيناها على شفتيها: - حلو مدام شايفاني جامد كدة.. يبقى هاتي التليفون بقى. حركت رأسها بالرفض وهي تبتعد للخلف تفيقه من سحر اللحظة. احتدت عيناه نحوها بالرفض أيضًا: - وانا طلبت معايا عِند ياشروق ومش قايل. نهضت من جواره بهدوء قائلة بنبرة متسلية: - يبقى مش هاتعرف مكانه ياحسحس حتى لو اتصلت بيه.. عشان انا قفلته خالص كمان. جز فكيه غيظًا بلغة وعيد: - يعني مش ناوية تجيبي التليفون في أم اليوم ده. طققت بفمها تصدر صوت : - مافيش باسورد يبقى مافيش فون ياقلبي . قالت وانطلقت تركض امامه ضاحكه.. خلع سترته هو خلفها متوعدًا قبل ان يركض خلفها: - طب وديني ماانا سايبك النهاردة ياشروق واشوف كلمة مين اللي تمشي فينا. ................................... - وكلمة مين اللي مشيت بقى؟ سأله عصام بعد أن قص عليهم بإيجاز دون ذكر التفاصيل سبب إتيانهم لعزومته متأخرين.. وكان رده بشموخ رافعًا إحدى حاجبيه: - طبعًا انا وأسالها بنفسك كمان . - صح كلامه دا ياشروق؟ اتنازلتي عن معرفة الباسورد سأل علاء فانتقلت انظارهم جميعًا نحوها. - هو طبعًا ياعم علاء.. لهو حسين يعرف يكدب أساسًا.. بس ادهوني بعد كدة بمزاجه قالت وانطلقت ضحكات الجميع من حولها.. مع أنها لم تخوض في تفاصيل وتذكر كيف تمكن من نزع الهاتف منها.. فهي اصبحت عاشقة لمناكفته.. لتنزع عن تعقله في السيطرة عليها بقوته.. ثم مصالحتها واعطاءها ما تريد ولكن بمزاجه كما يذكر لها. تدخلت فاتن مخاطبة زوجها: - طب انا كمان عايزة الباسورد بتاع فونك.. اشمعنى شروق. فغر عصام فاهه مندهشًا : - طب دا واحد بتاع سياحة لكن فون جوزك عليه داتا وحاجات مهمة بخصوص المرضى والمستشفى ياقلبي. تخصرت بإصرار: - ياسلام يعني انا جاهلة وهاستخدمه غلط.. ماليش دعوة . انتقلت عيناه نحو حسين فرفع كفيه في الهواء مستسلمًا.. وعند علاء فقال بفخر وهو يلف ذراعه على كتف زوجته: - انا مش محتاج يحد ينبهني ياحبيبي.. مراتي حافظة الرقم من ساعة ماتجوزنا. - يعني انتوا الاتنين اتفقتوا عليا.. اما ولاد...... أدهم المصري صحيح.. عاجبك كدة ياحماتي. اومأت فوزية برأسها ضاحكة وهي جالسة بالقرب منهم.. واضعة الأطفال على أقدامها وتطعمهم بيدها. - وانا مالي ياخويا.. انت ومراتك حرين مع بعض. ضيق عيناه قائلًا : - حتى انتِ ياحماتي.. قال وانا اللي بقول عليكي في صفي. انطلقت ضحكات الجميع مرة أخرى واستمرت جلستهم وسمرهم في حديقة المنزل في الهواء الطلق قبل تناولهم وجبة الغداء..في جو اسري تملؤه الألفة والمحبة.. حتى اتى فجأة حارس المنزل : - دكتور عصام.. احنا ظبطنا راجل غريب بيحوم حوالين الفيلا. انتفض الجميع بزعر قبل ان يقف عصام أَمرًا الحارس : - طب هاتو بسرعة وجيبه هنا قدامنا. تمتمت فاتن بخوف: - معقول يكون سعد هرب وعرف مكاني؟ - يهرب ولا ما يهربش انت خايفة ليه؟ هو يقدر يمس شعرة منك طول ماانا عايش قالها عصام بقوة قبل ان ينهض علاء هو ايضًا متحفزًا : - عليا النعمة لو كان هو لاكون مسففه التراب . - لا بقى لا انت ولا هو.. سيبولي انا الطالعة دي.. خليني افش غليلي واخد بتار رقدتي شهور في البيت . تفوه بها حسين وهو يشمر عن اكمامه لوضع الإستعداد في دخول المعركة.. فقالت فجر: - ماتهدوا على نفسكم ياجماعة.. مش لما نشوف الراجل الأول.. مش يمكن يطلع مش هو . شهقت فجأة فوزية حينما لمحت شبح الرجل الذي ظهر أمامهم فجأة بحوزة الرجال. - يانهار اسود بدر . انتفضت فاتن تهمس بغير تصديق لرؤيته امامه: - أبويا !! هدر عصام على رجاله صائحًا : - انتوا لسة ماسكين فيه يابني أدم انت وهو.. سيبوه وغورا على أماكنكم. انصاع الرجال لأمره واقترب عصام نحو الرجل بترحيب : - اتفضل ياعمي.. البيت بيتك ومطرحك. تبسم الرجل بزاوية فمه ساخرًا بصمت فاقتربت فوزية وهي تنتفض بخوف من زوجها الذي تركته في المنزل قبل تسافر بحجة زيارة أخيها لتفاجأ به الاَن أمامها: - وحياة الغالين عندك يابدر ماتفهمني غلط.. بنتك اتجوزت على سنة الله ورسوله.. يعني ماعملتش حاجة غلط. رمق بدر ابنته بنظرة لا مبالية قبل ان يلتفت نحو عصام الذي يخاطبه. - اتفضل اقعد ياعم بدر واسمع مننا اكيد هاتفهم وتقدر موقفنا. اقتربت فجر وشروق نحو فاتن يساعدنها على الوقوف وهي تنتفض باكية من هول الموقف. تدخل علاء: - اسمع منهم ياعم بدر..انا نفسي والله ماكنت اعرف الحقيقة غير من كام شهر بس. تدخل أيضًا حسين : - وانا معايا التسجيلات اللي تثبت برائتها وظلمها و مستعد اسمعهملك حالاً دلوقتي . - انا عارفة ياخويا انك متفاجأ ومصدوم عشان اكتشفت انها عايشة .. بس انا كنت هاقولك ازاي وانت مصمم على ..... - اردفت بها فوزية قبل أن يقاطعها: - انا كنت عارف من زمان مش من دلوك بس. هذه المرة الصدمة كانت من نصيب الجميع حوله قبل ان يتابع الرجل وعيناه تنتقل نحو ابنته وزوجته: - عارف من ساعة ما كنتي بتروحي تزوريها في الجمعية اياها عندينا في الصعيد.. وبعدها كنت بتزوريها في بيت جوزها في اسكندرية ودلوك بتزوريها هنا.. عند بيت جوزها التاني . - يعني انت كنت بتراقب وتطل على بنتك رغم كذب عمتي عليك. قالت فجر فتبسم عصام قائلًا : - مدام قلبك ماطاوعكش السنين دي كلها تتكلم ولا تكشف نفسك.. يبقى اكيد هاتسمع مننا وتقدر. - لاه مش عاوز . قالها بدر وهو يرتد للخلف عائدًا فأوقفته فاتن بصوت مرتجف ومتقطع من البكاء: - ابوس ايدك... تسمعني ياابويا .. دا انا ماصدقت اشوفك عالحقيقة واكلمك من سنين ماخاطبش لساني لسانك . حدق بها صامتًا لدقائق بملامح مبهمة ولغة عيناه التي كانت تتحدث وحدها.. و رغم ذلك تحركت اقدامه ينتوي الهروب ولكن اوقفه هتاف فوزية. - طب سلم على عبد الرحمن.. دا حتى بيقولوا اعز الولد ولد الولد . برقت عيناه نحو الطفل الذي يتقدم نحوه بدفعة من فوزية التي كانت تراهن باَخر ورقة لديها.. وصل اليه الطفل يخاطبه بتلقين فوزية: - مش هاتسلم عليا ياجدو؟ جحظت اعين بدر حتى كادت ان تخرج من محجريها وقلبه يضرب بداخل صدره كالطبول.. بعد سماعه للكلمة التي اثارت الرجفة بداخله.. لعدة لحظات حاول التماسك قبل ان يحركه قلبه ويدنو نحوه الطفل يحتضنه .. فهتف الجميع بارتياح ومعهم فاتن التي تحركت مسرعة نحو ترتمي عليه تحتضنه غير مبالية بردة فعله او رفضه لها .. ولكن كان يكفيها ان تلمسه.. وهو لم يقدر على رفضها.. فانطلق التهليل من الجميع والتمتمة بكلمات الحمد فاأخيرًا تكتمل السعادة ......... تمت..... رواية عينيكي وطني وعنواني. #امل_نصر #بنت_الجنوب