قيد الرفاعي بقلم فلونة الجزء الأول
رواية: قيد الرفاعي
بقلم فلونة
في قلب الصعيد، الدنيا كانت ضلمة زي سواد قلوب أخوات “مليكة”. كانت محبوسة في أوضة قديمة، سامعة صوت شحذ السكاكين بره، وصوت أخوها الكبير “حمدان” وهو بيحلف بدمها عشان “يغسل عارهم” – لمجرد إنها رفضت تتجوز ابن عمها الظالم.
فجأة، الباب اتخلع.. بس مش أخواتها اللي دخلوا. ده كان آسر الرفاعي، مقدم في العمليات الخاصة، ملامحه حادة زي السيف، وعينيه فيها نظرة مرعبة خلت أخواتها يرجعوا لورا خطوتين.
آسر وقف قدامهم وهو بيعدل قميصه الأسود ببرود قاتل:
— “البنت دي هتمشي معايا.. ملمس شعرة منها، يعني عيلة (الهواري) كلها تتشطب من السجل المدني الليلة.”
حمدان زعق بجهل: “دي شرفنا يا سعادة الباشا! وأنت غريب عنها!”
آسر طلع ورقة من جيبه ورمالهم القلم: “دلوقتي مبقتش غريب.. الورقة دي قسيمة جواز، مليكة بقت مراتي.. يعني اللي هيفكر يبصلها، يبقى بيعتدي على عرض آسر الرفاعي.. جربوا كدة؟”
آسر شد مليكة من إيدها بقسوة، لدرجة إنها اتوجعت. ركبها العربية وطار بيها على القاهرة. طول الطريق كانت بتترعش، مش عارفة هل هي هربت من الموت عشان تروح للسجن؟
مليكة بصوت مخنوق: “شكراً إنك أنقذتني.. أنا هروح فين دلوقتي؟”
آسر بص لها بابتسامة باردة مفيش فيها أي حنية: “تفتكري أنا عملت كدة لله؟ أنتي بقيتي ملكي يا مليكة.. والرفاعي مبيسيبش ملكه لحد، لا لأخواتك ولا لنفسك حتى.”
وصلوا فيلا معزولة، مليكة حاولت تنزل بس هو قفل الأبواب “سنتر لوك”.
آسر قرب منها، صباع إيده مشي على وشها ببطء مرعب:
— “أخواتك كانوا عايزين يقتلوكي بالرصاص.. أنا بقى هقتلك بالبطيء.. هحبسك في جنتي، مش هتسمعي غير صوتي، ومش هتشوفي غيري.. أنتي هربتي من سكاكينهم، عشان تقعي في شباك الرفاعي.”
مليكة بدموع: “أنت كدة بتعاقبني؟”
آسر وهو بيشدها ويدخلها الفيلا: “لا.. أنا كدة بحميكي من العالم.. ومن نفسك. مبروك يا عروسة، ليلتنا لسه في أولها.”
الشخصيات. بقلم فلونة
آسر الرفاعي: شخصية متملكة، غامضة، بيستخدم سلطته عشان يفرض سيطرته.
مليكة: البنت الرقيقة اللي بتكتشف إن المنقذ بتاعها ممكن يكون أخطر من القاتل.دخلت مليكة الفيلا وهي حاسة إن الحيطان بتضيق عليها، المكان كان فخم جداً بس بارد ومفهوش روح، زي صاحبه بالظبط. آسر رمى مفاتيح عربيته على الترابيزة وخلع جاكيت البدلة وهو بيبص لها بنظرات مخترقة خلت ضربات قلبها تزيد من الخوف.
وقفت مليكة في نص الصالة، ضامة إيديها على صدرها وبترتعش وهي بتسأله بصوت مهزوز: “أنا عايزة أفهم.. أنت ليه عملت كدة؟ أنت لا تعرفني ولا شوفتني قبل كدة، ليه تربط اسمك باسم واحدة محكوم عليها بالموت؟”
آسر قرب منها بخطوات هادية وواثقة، لدرجة إنها لزقت في الحيطة، ساند إيده الاتنين وحاصرها وهو بيهمس بصوت زي الفحيح: “مين قال إني معرفكيش؟ أنا مراقب عيلتكم من شهور.. كنت مستني اللحظة اللي أخواتك يغلطوا فيها عشان أكسرهم، وأنتي كنتي الكارت الرابح يا مليكة. جوازي منك مش بس حماية ليكي.. ده عقاب ليهم.”
رفعت مليكة عينيها اللي مليانة دموع وبصت له بتحدي جريح وقالت: “يعني أنا مجرد وسيلة؟ وسيلة عشان تنتقم من أخواتي؟”
ضحك آسر ضحكة مكتومة مفيهاش أي مرح ورد عليها: “تقدري تقولي كدة.. بس وسيلة غالية شوية. ومن اللحظة دي، مفيش خروج، مفيش تليفونات، ومفيش كلام مع أي كائن غيري.. أنتي هنا حرم آسر الرفاعي، يعني سر ميعرفوش غيري.”
فجأة تليفونه رن، كان حمدان أخوها. آسر فتح الخط وفتح “الاسبيكر” وهو باصص لمليكة بانتصار. حمدان كان صوته بيرتجف من الغل وهو بيقول: “يا رفاعي باشا، اللي عملته ده مش هيمر بالساهل.. البنت لازم ترجع عشان شرفنا.”
رد آسر ببرود مرعب: “الشرف اللي بتتكلم عنه بقى في حوزتي.. ولو سمعت صوتك تاني، هبعتلك ملفات ق*ضية التهريب اللي أنت غرقان فيها لغاية ودنك.. مليكة نسيت إن ليها أخوات، وأنت انسى إن كان ليك أخت.”
قفل السكة وبص لمليكة اللي كانت بتعيط في صمت، قرب منها ومسح دموعها بصباعه بقسوة وهو بيقول: “بطلي عياط.. الدموع دي بتخليني عايز أقسى عليكي أكتر، وأنا لسه محتفظ بهدوئي.”
سحبها من إيدها لغرفة النوم، فتح الدولاب اللي كان مليان لبس أسود وفخم وكأنه مرتب لكل حاجة من زمان، وقال لها بلهجة آمرة: “غيري لبسك ده.. الليلة فيه ضيوف مهمين جايين، وعايزك تظهري كأنك أسعد ست في الدنيا.. لو ملامحك خانتني يا مليكة، هتعرفي الوش التاني لآسر الرفاعي.”
مليكة بصت للهدوم برعب وقالت: “أنا مش قادرة أمثل.. أنا بموت من جوه.”
مسك آسر فكها بإيده وضغط عليه ببطء: “الموت الحقيقي هو اللي كنتي هتشوفيه تحت سكاكين أخواتك.. هنا، أنتي عايشة، بس بشروطي أنا.. فاهمة؟”
هزت راسها بخوف، وسابها وخرج وقفل الباب وراه بالمفتاح، عشان تتأكد مليكة إنها فعلاً هربت من سكاكين الصعيد عشان تقع في سجن الرفاعي.
مرت الساعات تقيلة على مليكة وهي محبوسة في الأوضة، كانت بتبص للفستان الأسود اللي آسر اختاره وكأنه كفن جديد بس مطرز بالدانتيل. لبست الفستان وهي حاسة إن روحها بتتسحب منها، وبمجرد ما خلصت، سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب.
دخل آسر ببدلته الكاملة، وقف يتأملها من فوق لتحت بنظرة خالية من أي مشاعر، غير نظرة الإعجاب بالتملك. قرب منها ومسك إيدها اللي كانت زي الثلج، وهمس في ودنها: “طالعة زي ما كنت راسمك في خيالي.. بس ناقص حاجة.” طلع من جيبه عقد ألماس وبرقته تخطف العين، ولبسهولها وهو بيلامس رقبتها ببرود خلى جسمها كله يقشعر.
”ابتسمي يا مليكة..” قالها وهو بيضغط على خصرها ويسحبها وراه للخارج، “الناس اللي تحت لازم يشوفوا العروسة اللي خلت آسر الرفاعي يتنازل ويتجوز.”
نزلت معاه السلالم وهي شيفا عيون الناس كلها متجهة ناحيتها، نظرات حسد ونظرات فضول، وآسر كان ماشي وسطهم زي الملك، بيعرفهم عليها ببرود وثقة، وكأنها قطعة أثرية نادرة اشتراها في مزاد.
طول السهرة، كان آسر مش بيفارقها لحظة، إيده دايمًا محاوطاها، وأي حد يحاول يقرب يسلم عليها كان بيلاقي نظرة حادة من آسر تخليه ينسحب فوراً. مليكة كانت حاسة إنها في تمثيلية سخيفة، لغاية ما واحد من الضيوف قرب منهم وقال بضحكة خبيثة: “مبروك يا رفاعي.. بس مكنتش أعرف إن ذوقك ريفي للدرجة دي، هي دي البنت اللي قلبت الدنيا عشانها؟”
إيد آسر اتشدت على خصر مليكة لدرجة وجعتها، وبص للراجل وعينه بتلمع بشر: “الريف بيطلع كنوز يا (منصور).. وأنا مباخدش غير الكنوز اللي محدش يقدر يوصل لثمنها. والمرة الجاية، لو فكرت تقيم ذوقي، اتأكد إنك لسه عندك لسان تتكلم بيه.” بقلم فلونة
الراجل وشه جاب ألوان وانسحب بسرعة، ومليكة بصت لآسر بذهول، مكنتش عارفة هو بيدافع عنها ولا بيدافع عن كبريائه هو.
بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، الفيلا رجعت لهدوئها المرعب. آسر فك رابطة عنقه ورمى نفسه على الكرسي وهو بيبص لمليكة اللي كانت واقفة بعيد: “تقدري تقلعي القناع اللي كنتي لبساه دلوقتي.. التمثيلية خلصت.”
مليكة انفجرت فجأة: “أنت ليه بتعمل كدة؟ ليه بتحسسني إني مجرد حاجة ملكك؟ أنا بني آدمة، أنا هربت من الموت عشان أعيش، مش عشان أتحول لتمثال في بيتك!”
قام آسر ومشي ناحيتها بخطوات بطيئة ومرعبة، لغاية ما بقوا وش لوش، مسك وشها بإيد واحدة وضغط عليه: “الحرية دي كلمة ميعرفهاش اللي زيك يا مليكة. أنتي هنا عشان أنا اللي قررت كدة. وأي محاولة للتمرد، هترجعك تاني لحضن أخواتك والسكاكين بتاعتهم.. اختاري، تموتي بشرف عيلتك، ولا تعيشي بذكلي؟”
مليكة بصت في عينيه وشافت سواد ملوش آخر، وعرفت في اللحظة دي إن الهروب من آسر الرفاعي أصعب بكتير من الهروب من الموت نفسه.
مليكة سكتت، والدموع جمدت في عينيها من كتر الصدمة. آسر ساب وشها وبدأ يفك زراير قميصه ببرود وهو ماشي ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على جنينة الفيلا الضلمة.
”روحي غيري الفستان ده، واجهزي.. مشوارنا لسه مخلصش.”
مليكة بصوت مرعوش: “مشوار إيه؟ الساعة داخلة على اتنين بالليل!”
آسر ماردش، كأنه مسمعهاش أصلاً. دخلت الأوضة وغيرت هدومها وهي إيديها بتترعش، لبست فستان أسود بسيط وخرجت لقته مستنيها قدام باب الفيلا، وكان ماسك في إيده مسدس حطه في جنبه أول ما شافها. ركبت العربية جنبه وهي حاسة إنها رايحة لمنصة الإعدام.
العربية فضلت ماشية في طرق مقطوعة لغاية ما وقفت قدام مخزن قديم في منطقة مهجورة. آسر نزل وفتح لها الباب، ونزلها من إيدها بقسوة ودخل بيها جوه. الإضاءة كانت ضعيفة جداً، بس أول ما دخلت شافت منظر خلى الرعب يشل حركتها.
أخواتها التلاتة، “حمدان” و”منصور” و”سالم”، كانوا مربوطين في كراسي، متبهدلين والدم مغطي وشوشهم، وحواليهم رجالة آسر مسلحين.
مليكة صرخت وحطت إيدها على بوقها، وحمدان أول ما شافها بدأ يهز الكرسي بجنون ويحاول يتكلم من ورا اللزق اللي على بوقه. آسر قرب من حمدان ببرود، وشال اللزق من عليه مرة واحدة.
حمدان وهو بينهج وبصوت كله غل: “يا خاينة! يا فاجرة! بقى بتتحامي في ده عشان تكسري شرفنا؟ والله ما هسيبك، هذبحك بيدي يا مليكة!”
آسر ضحك ضحكة عالية، ضحكة خلت المكان كله يترعش: “تذبح مين يا روح أمك؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ أنت بتكلم اللي اشترى شرفكم كله بكلمة منه.”
آسر طلع المسدس وقرب من ودن حمدان وهمس بصوت مسموع لمليكة: “مليكة، أخوكي ده كان عايز يغسل عاره بدمك.. إيه رأيك نغسل إحنا الأرض بدمه؟”
مليكة جرت على آسر ومسكت إيده وهي بتعيط بهستيريا: “لأ يا آسر! أبوس إيدك لأ! مهما عملوا دول أخواتي، متخلنيش أشوف دمهم، كفاية اللي أنا فيه!” بقلم فلونة
آسر بص لها بنظرة غريبة، نظرة فيها مزيج من الاحتقار والإعجاب بضعفها: “لسه قلبك حنين عليهم؟ دول كانوا هيقسموا رقبتك من ساعات! بس تمام.. أنا مش هقتلهم، القتل ده رحمة، وأنا مبرحمش.”
بص لرجالته وقال بأمر حاسم: “الكلاب دول يفضلوا هنا.. كل يوم ياخدوا وجبة (الضيافة) بتاعتهم، لغاية ما ينسوا أساميهم، ويمضوا على كل التنازلات عن الأراضي والملاك اللي عندهم لاسم (مليكة الرفاعي).”
آسر سحب مليكة وخرج بيها وهي مش قادرة تقف على رجليها، رماها جوه العربية وركب جنبه. مليكة كانت بتبص له برعب حقيقي، الشخص اللي قدامها ده مش مجرد ظابط، ده شيطان ببدلة ميري.
وهما راجعين، آسر قال لها من غير ما يبص لها: “شوفتي يا مليكة؟ أنا مش بس حميتك.. أنا خليتك تملكي اللي كانوا هيقتلوكي عشانه. بس متنسيش، كل شبر أرض هتخديه، وكل نفس بتنفسيه، تمنه هو (أنتي).. أنتي ملكية خاصة لآسر الرفاعي، ومفيش ملكية بتتمرد على صاحبها، وإلا بتتحرق.”
مليكة غمضت عينيها وهي عارفة إن حياتها القديمة ماتت، والجديدة عبارة عن جحيم لونه أسود، متفصل على مقاس آسر الرفاعي وبس.
رجعت مليكة الفيلا وهي ج*ثة هامدة، مش مصدقة إن أخواتها اللي كانوا بيحكموا بالعدل في بلدهم بقوا مجرد أرقام في دفتر تعذيب آسر الرفاعي. دخلت الأوضة ورمت نفسها على السرير وهي بتترعش، مش عارفة تعيط على حالها ولا على حالهم.
فجأة الباب اتفتح وآسر دخل، قلع ساعته وحطها على الكومودينو ببرود، وبص لانعكاسها في المراية. قرب منها وقعد على طرف السرير، ومد إيده يلمس شعرها، بس هي اتنفضت من لمسته.
آسر ملامحه اتصلبت وعينه اسودت أكتر: “لسه بتخافي مني يا مليكة؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟ أنا خليت الصعيد كله يركع تحت رجلك، وخليت اللي كان بيمد إيده عليكي يتمنى الموت وميلقاهوش.”
مليكة بصت له وعينيها حمراء من كتر العياط: “أنت مخليتنيش أملك حاجة.. أنت سرقتني من نفسي. أنت فاكر إنك لما تذلهم كدة بتنتقم لي؟ أنت بتثبت لي إنك نسخة منهم، بس بدل الجلابية لابس بدلة ميري.”
آسر قام مرة واحدة وسحبها من دراعها لغاية ما بقت واقفة قدامه، ضغط على دراعها بقوة وهو بيقول بصوت واطي ومرعب: “أنا مش نسخة من حد.. أنا القانون اللي هيطبق عليكي وعلى أهلك. واللسان اللي بدأ يطول ده، أنا ممكن أقصه في لحظة. أنتي هنا عشان تنفذي أوامري وبس، فاهمة؟”
مليكة بوجع: “أنت عايز مني إيه يا آسر؟ خدت الأراضي، وخدت الانتقام، وخدت اسمي.. عايز إيه تاني؟”
آسر قرب وشه من وشها لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وهمس بابتسامة سادية: “عايزك تكسري التحدي اللي في عينيكي ده.. عايزك لما تشوفي طيفي، توطي راسك في الأرض. عايزك تعرفي إن مفيش مفر مني، لا بموت ولا بحياة.”
ساب دراعها فجأة وراح ناحية الباب، وقبل ما يخرج التفت لها وقال: “بكرة الصبح هتيجي معايا المكتب.. فيه ورق لازم يتمضي، وفيه حياة جديدة هتبتديها كـ (سيدة مجتمع). لو شوفت دمعة واحدة في عينيكي قدام الناس، صدقيني يا مليكة، هخلي أخواتك يتمنوا إنهم كانوا ذبحوكي فعلاً ولا وقعوا في إيدي.”
قفل الباب وراه وسابها في الضلمة، مليكة قعدت في الأرض وضمت رجليها لصدرها. كانت حاسة إنها في سجن ملوش قضبان، سجن حيطانه من خوف، وبابه مقفول بمفتاح اسمه آسر الرفاعي. عرفت إن الحرب معاه مش حرب س*لاح، دي حرب روح، وهو ناوي يطفي روحها لغاية ما تبقى مجرد ظلال في مملكته السوداء.
في الصباح، كان البيت كأنه ثكنة عسكرية. مليكة كانت واقفة قدام المراية بتلبس طقم كلاسيك أسود، ملامحها باهتة، وعينيها فيها نظرة انكسار حاولت تداريها بلمسة مكياج خفيفة، بس الخوف كان محفور في ملامحها.
آسر دخل الأوضة وهو بيعدل كبكات قميصه، بص لها في المراية وابتسم ببرود: “الأسود بياكل منك حتة.. كأنك مخلوقة عشان تلبسي لون قلبي.” قرب منها وحط إيده على كتفها، مالت براسها بعيد بتلقائية، فشد على كتفها بقوة خلتها تآني بوجع: “قلت لك قبل كدة.. حركات التمرد دي بتخليني أتمتع وأنا بكسرك، بلاش تختبري صبري على الصبح.”
نزلوا وركبوا العربية، وطول الطريق كان الصمت هو سيد الموقف، لغاية ما وصلوا لمبنى ضخم، دخلت وراه وهي شايفة العساكر والظباط بيأدوا التحية لآسر بهيبة ورعب. دخل مكتبه الواسع وقعد على كرسيه الجليد وشاور لها تقعد قدامه.
آسر طلع ملف وفتحه: “دي عقود بيع وشراء وتنازلات.. أخواتك مضوا عليها بالرضا -أو اللي يشبه الرضا- دلوقتي كل أملاك عيلة الهواري بقت باسمك، وأنا الوصي عليكي وعلى أملاكك بحكم إنك مراتي.”
مليكة بصت للورق وقالت بصوت مخنوق: “أنت كدة محمتنيش.. أنت سرقتهم باسمي.”
آسر ساند ضهره لورا وشبك صوابعه: “أنا رجعت لك حقك اللي كانوا هياكلوه عليكي ويدفنوه معاكي في القبر. دلوقتي أنتي أغنى ست في الصعيد كله، بس الفرق إنك محبوسة في قصر الرفاعي. امضي.”
مليكة مسكت القلم وهي إيدها بتترعش، مضت وهي حاسة إنها بتوقع على وثيقة عبوديتها الأبدية. أول ما خلصت، آسر سحب الورق وطلبه قهوة، وبص لها بنظرة غامضة: “بالليل فيه عشا عمل مهم، هيحضره ناس من اللي كانوا بيساندوا أخواتك.. عايزك تكوني واقفة جنبي، ماسكة في إيدي، وبتضحكي في وشهم.. عايزهم يشوفوا إن البنت اللي كانوا عايزين يقتلوها، بقت هي اللي بتتحكم في لقمة عيشهم بكلمة مني.”
مليكة وقفت وقالت بانهيار مكتوم: “أنا مش هقدر أكمل في التمثيلية دي يا آسر.. اقتلني وخلصني، الموت أهون لي من إني أكون العروسة الحلاوة اللي بتحركها بصباعك.”
آسر قام من ورا مكتبه ولف وقف قدامها، مسك وشها بكفه الضخم ورفعه لعنده: “الموت سهل يا مليكة.. أي حد يقدر يموت. بس العيشة تحت ضلي هي اللي محتاجة نفس طويل. وأنتي لسه في أول النفس.. اهدي كدة، عشان لسه فيه مفاجأة تانية محضرها لك في البيت لما نرجع.”
مليكة بلعت ريقها بصعوبة: “مفاجأة إيه؟”
آسر لمس شفايفها بابهامه وهو بيضحك ضحكة خبيثة: “والدتك.. قدرت أوصل لمكانها وأجيبها من البلد، وهي دلوقتي مستنياكي في الفيلا.. بس خلي بالك، وجودها هناك معناه إن أي غلطة منك، تمنها مش هيكون دمك أنتي المرة دي.. هيكون قلبها الضعيف اللي مش هيستحمل يشوف بنته بتعاني.”
مليكة حست إن الأرض بتهتز تحتها، آسر مسبلهاش أي طريق للهروب، قفل كل الأبواب، واستخدم أغلى ما تملك عشان يضمن ولاءها المطلق لجحيمه الخاص.
خرجت مليكة من المكتب وهي مش شايفة قدامها، الدنيا بتلف بيها وصوت ضربات قلبها مسموع في الممر الهادي. آسر كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، وصوت جزمته على الأرض كان كأنه دقات ساعة بتعد الثواني اللي فاضلة في حريتها.
طول طريق الرجوع للفيلا، مليكة كانت بتبص من شباك العربية وهي بتدعي إن الموضوع يكون مجرد تهديد، إن “ماما” متبقاش في وسط المعمعة دي. آسر كان سايق بإيد واحدة وبصته باردة على الطريق، لغاية ما وصلوا وفتح الباب ودخلت قبله بجري وهستيريا.
أول ما دخلت الصالة، شافت ست عجوزة قاعدة على الكنبة، لابسة طرحتها البيضاء وإيديها بتترعش وهي ماسكة سبحتها. مليكة اترمت في حضنها وانفجرت في العياط: “ياما! أنتي إيه اللي جابك هنا؟ أنتي كويسة؟ عملولك حاجة؟”
الأم طبطبت عليها وهي مش فاهمة حاجة، وبصت لآسر اللي كان واقف بعيد بيراقب المشهد ببرود: “يا بنتي الراجل ده جه وخدني من البيت، قال لي إنك اتجوزتي وعايشة في عز، وإن أخواتك سافروا شغل.. أنا مش فاهمة حاجة يا مليكة، حمدان ومنصور فين؟”
مليكة كانت لسه هتتكلم، بس صوت آسر قطعها وهو بيقرب منهما: “حمدان ومنصور في أمان يا ست الكل، بيخلصوا شوية حسابات قديمة وهيرجعوا.. المهم دلوقتي إنك مع بنتك، وفي بيتي، وأظن مليكة فرحانة جداً بوجودك.. مش كدة يا مليكة؟”
مليكة رفعت راسها وبصت لآسر، شافت في عينيه التهديد الصريح. لو نطقت بكلمة، لو قالت إن أخواتها محبوسين في مخزن، أو إنها متجوزة غصب، آسر مش هيتردد إنه ينهي الحكاية دي بدم.
بلعت غصتها ومسحت دموعها بسرعة: “آه يا ماما.. فرحانة طبعاً. آسر.. آسر عمل كل ده عشان نكون سوا.”
آسر ابتسم بانتصار وقرب باس إيد الأم بتمثيل متقن: “البيت بيتك يا أمي.. والخدامين تحت أمرك. مليكة هتاخدك تريحي في أوضتك، وعندنا عشا مهم بالليل لازم نجهز له.”
سحبت مليكة أمها وطلعت بيها الأوضة، وأول ما قفلت الباب، الأم مسكت إيدها بقوة: “عينيكي فيها خوف يا بنتي.. الراجل ده ملامحه صعبة، أنتي مخبية إيه؟”
مليكة حاولت تبتسم وهي بتموت: “مفيش ياما، ده بس تعب الجواز والفرح المفاجئ.. ارتاحي أنتي بس.”
خرجت مليكة من الأوضة لقت آسر واقف مستنيها في الطرقة، ساند ضهره على الحيطة ومربع إيده: “أداء ممتاز.. كدة نبدأ نفهم بعض. أمك هنا عشان راحتك.. وعشان تفتكري دايمًا إن “غلطة الشاطر” المرة دي، مش هتتصلح.”
قرب منها وهمس في ودنها وهو بيعدل خصلة من شعرها: “دلوقتي انزلي المطبخ، شوفي العشا اللي بيتحضر.. عايزك تشرفيني قدام الضيوف، وعايز أمك تشوفك وأنتي “سيدة البيت” المطاعة.. ولا تحبي أغير رأيي ونرجعها البلد تلاقي أخواتك مستنيينها بالسكاكين؟”
مليكة بصت له بكسرة وقالت بصوت واطي: “أنا هعمل كل اللي أنت عايزه.. بس ابعد عن أمي، هي ملهاش ذنب في صراعاتك.”
آسر ضحك وهو بيمشي ويسيبها: “الذنب ذنب اللي دخل حياتي يا مليكة.. وأنتي دخلتي، ومبقتيش تملكي تخرجي.”
مليكة نزلت السلم وهي حاسة إن الفستان اللي هتلبسه بالليل مش هيكون مجرد لبس، ده هيكون “كفن” لكرامتها اللي بتتداس كل لحظة تحت جزمة آسر الرفاعي، وسط تمثيلية “العيلة السعيدة” اللي هو بطلها ومخرجها الوحيد.
بدأت أنوار الفيلا تتلألأ من بره استعداداً لاستقبال الضيوف، والخدم في كل مكان بيتحركوا زي النحل تحت إشراف “آسر” الصارم. مليكة كانت في أوضتها، واقفة قدام المراية، لابسة فستان أحمر قانٍ زي لون الدم، آسر هو اللي اختاره عشان يكسر بيه سواد ملامحها.
الباب اتفتح ودخل آسر، كان لابس بدلة رسمية سوداء وقميص أبيض ناصع، ملامحه كانت بتعكس هيبة تخلي أي حد يرتعش. وقف وراها وبص لانعكاسها في المراية، حط إيده على كتفها العريان ولمس العقد الألماسي اللي بيطوق رقبتها وكأنه طوق عبودية.
— “اللون ده لايق عليكي.. بيفكرني بالدم اللي سال عشان نكون هنا سوا الليلة. أمك نامت؟”
مليكة ردت بصوت خافت وهي بتبص للأرض: “نامت.. ارتاحت بعد تعب الطريق.”
آسر رفع وشها بصباعه لغاية ما عينيها جت في عينيه: “كويس.. عشان مش عايز أي شوشرة. الضيوف اللي تحت دول هما كبارات البلد، والناس اللي كانوا بيخططوا مع أخواتك عشان ينهوا حياتك. الليلة، أنتي مش مليكة الغلبانة.. أنتي مليكة الرفاعي، اللي بتبص للكل من فوق.”
نزلوا السلالم، ومليكة كانت سانده على دراعه، حاسة إن كل خطوة بتغرزها في طين جحيمه أكتر. الصالة كانت مليانة رجالة بشنبات عريضة ونظرات صقرية، وبمجرد ما شافوا آسر، الكل وقف احتراماً وخوفاً.
قعدوا على مائدة العشاء الكبيرة، وآسر كان قاعد في الصدارة، ومليكة جنبه زي تمثال مرمر جميل بس مكسور. واحد من الحاضرين، كان راجل عجوز بجلابية وعمة، بص لمليكة وقال بلهجة فيها سم:
— “مبروك يا رفاعي باشا.. بس غريبة يعني، عيلة الهواري مبعتتش حد من رجالتها يبارك؟ ولا الشغل خد حمدان ومنصور مننا؟”
آسر مسك كاس المية وشرب منه ببرود، وبعدين بص للراجل بنظرة خلت المعلقة تقع من إيد الراجل:
— “رجالة الهواري بيخلصوا مديونيات قديمة يا (حج فوزي).. والمديونية المرة دي تقيلة قوي، مش بس فلوس، دي كرامة ودماء. وأظن مليكة هنا بتنوب عن عيلتها كلها.. ولا عندك رأي تاني؟”
الحج فوزي بلع ريقه وبص في طبقه: “لا يا باشا.. العفو، إحنا بس بنطمن.”
طول العشا، آسر كان بيتعامل مع مليكة بمنتهى الرقي الظاهري، بيقطع لها الأكل، بيمسح طرف بوقها بمنديل، بس تحت التربيزة، كانت إيده ضاغطة على إيدها لدرجة إن ضوافره علمت في جلدها، وكأنه بيفكرها كل ثانية: (أنتي ملكي، والناس دي كلها شهود على سجني ليكي).
بعد ما الضيوف مشوا، الفيلا فضيت والهدوء المرعب رجع تاني. آسر فك زراير قميصه وهو بيتنفس بقوة، وبص لمليكة اللي كانت واقفة بعيد بتمسح دموعها اللي حاولت تحبسها طول السهرة.
— “خلصنا التمثيلية.. تقدري تروحي تشوفي أمك.”
مليكة بصت له بحرقة: “لغاية إمتى؟ لغاية إمتى هعيش في الرعب ده؟ أنت خدت كل حاجة، حتى صورتي قدام الناس بقت مجرد ست خاينة اتجوزت اللي ذل أهلها.”
آسر قرب منها بخطوات سريعة، حاصرها بين إيده والحيطة، وهمس في ودنها بصوت كله رغبة وتملك سادي:
— “لغاية ما أموت يا مليكة.. أو لغاية ما تكتشفي إنك بقيتي تعشقي السجن ده. الحقيقة اللي أنتي خايفة منها، هي إنك من غيري ميتة.. أخواتك هيذبحوكي، وأمك هتموت من القهر. أنا النفس الوحيد اللي مسموح لك تتنفسيه.”
سحبها من خصرها بقوة وقربها منه: “ودلوقتي.. اطلعي اقلعي الفستان ده، وجهزي نفسك.. لأن السهرة الحقيقية لسه هتبتدي، والمرة دي مفيش ضيوف.. فيه بس أنا وأنتي، وقيد الرفاعي اللي مبيفكش أبداً.”
مليكة غمضت عينيها واستسلمت لمصيرها، وهي حاسة إن القفص اللي هي فيه، رغم إنه من دهب وألماس، بس قضبانه بتخنق روحها كل يوم أكتر من اللي قبله.
طلعت مليكة الأوضة وخطواتها تقيلة كأنها ماشية على جمر. دخلت وقفلت الباب وسندت ضهرها عليه، كانت بتنهج وصوت ضربات قلبها مسموع في هدوء الأوضة المرعب. بصت لانعكاسها في المراية، الفستان الأحمر اللي كان المفروض يخليها جميلة، كان طالع عليها زي وصمة عار، زي دليل حي إنها بقت “جارية” في مملكة الرفاعي.
بدأت تفك الفستان بإيد بتترعش، وفجأة سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. اتجمدت مكانها وبصت للمراية، شافت آسر داخل ببرود، فك رابطة عنقه ورمى ساعته على التربيزة، وعينيه مثبتة عليها بنظرة مخترقة.
قرب منها ووقف وراها بالظبط، لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه على كتفها. مد إيده وكمّل فك سوتستة الفستان ببطء مستفز، وهو بيهمس: “خايفة ليه؟ مش أنا جوزك اللي أنقذك من الموت؟ مش أنا اللي خليت الكل يعملك حساب ويخاف من اسمك؟”
مليكة لفت له وعينيها مليانة دموع محبوسة: “أنت محمتنيش يا آسر.. أنت بس اخترت طريقة تانية لموتي. هما كانوا عايزين يخلصوا من حياتي في لحظة، لكن أنت عايز تخلص على روحي بالبطيء.”
آسر مسك وشها بكفه القوي ورفعه لعنده، وبص في عينيها بتحدي: “الروح اللي بتتكلمي عنها دي متهمنيش.. أنا يهمني الولاء. يهمني إنك لما تكوني في حضني، تنسي إن كان ليكي أهل أو حياة قبلي. أنتي هنا بدايتك، وهنا نهايتك.”
مليكة زقته بضعف وصوتها عليّ من القهر: “أنا بكرهك.. بكره قوتك وبكره سلطتك وبكره اللحظة اللي شوفتك فيها!”
آسر ضحك ضحكة قصيرة وباردة، وجذبها من خصرها بقوة خبطت في صدره الصلب: “الكُره والوُجد وجهين لعملة واحدة يا مليكة.. والرفاعي مبيفرقش معاه إيه اللي في قلبك، المهم إنك ملكه. واللسان اللي بيغلط ده، أنا عندي طرق كتير أسكته بيها.”
قرب منها أكتر، وشال خصلة شعر من على وشها وهو بيكمل بصوت واطي وخطير: “دلوقتي هتنامي، وبكرة الصبح من النجمة هنرجع البلد.. بس المرة دي مش كـ (هاربة)، هنرجع وأنتي سيدة القصر اللي أخواتك كانوا بيتحاموا فيه. عايزك تشوفي ذلهم بعينيكي وهما بيسلموكي مفاتيح الأرض اللي كانت هتشرب من دمك.”
مليكة غمضت عينيها بقهر، حاسة إنها بتغرق في دوامة ملوش آخر. استسلمت لحضنه وهي عارفة إن كل محاولة للمقاومة بتزيد من جبروته وتملكه. وفي وسط الضلمة، كانت بتسأل نفسها: “يا ترى فيه يوم الضحية ممكن تحب سجانها؟ ولا السجن هيفضل سجن مهما كان مفروش بالحرير؟”
آسر شالها وحطها على السرير، وبص لها نظرة أخيرة قبل ما يطفي النور: “تصبحي على خير يا (مُلكي) الخاص.. استعدي، لأن بكرة الصعيد كله هيعرف مين هي مليكة الرفاعي.”
طلع النهار وشمس الصعيد كانت حامية، بس مش بجمالها المعتاد، دي كانت كأنها بتكشف المستور. مليكة كانت قاعدة في العربية جنب آسر، لابسة نضارة سوداء عشان تداري عينيها المنفوخة من العياط، وطول الطريق كانت بتبص للأراضي الخضراء اللي بدأت تظهر، الأراضي اللي شافت طفولتها، ودلوقتي شافت غدر أهلها.
وصلت العربية قدام “سرايا الهواري”، المكان اللي مليكة كانت بتعتبره أمانها وبقى سجنها الصغير قبل ما تهرب. العساكر كانوا محوطين المكان، وآسر نزل بكل هيبته وفتح لها الباب، ومد إيده ليها. مليكة بصت لإيده بتردد، بس نظرة عينيه كانت كافية تخليها تحط إيدها في إيده وتنزل.
دخلوا السرايا، والكل كان واقف منكس الراس. في نص الصالة الكبيرة، كان حمدان ومنصور وسالم واقفين، بس المرة دي مكنش فيه س*لاح في إيديهم، كان فيه قياد في معاصمهم. آسر وقف قدامهم وهو لسه ماسك إيد مليكة وضغط عليها بقوة:
— “أظن البيت وحشكم يا رجالة.. بس النهاردة إحنا مش ضيوف، إحنا أصحاب البيت.”
حمدان رفع عينه لمليكة وبص لها بكرة: “بقتي ست البيت يا مليكة؟ بعتي دمك ولحمتك للي حبسنا وذلنا؟”
آسر رد ببرود وهو بيطلع مفاتيح السرايا من جيبه ورماها قدام مليكة على التربيزة:
— “دمها كان هيسيل بسبكم.. والذل اللي أنتم فيه، ده تمن إنكم فكرتوا تلمسوا حاجة تخص آسر الرفاعي. النهاردة، السرايا دي وكل فدان حواليها، اتسجلوا باسم مليكة.. والرجالة اللي واقفين دول، هيتم ترحيلهم دلوقتي على السجن بتهم كتير، أولها محاولة القتل.”
مليكة بصت لأخواتها، ورغم كل اللي عملوه، حست بوجع في قلبها. قربت من حمدان وقالت بصوت مهزوز: “أنا مبعتش حد.. أنتم اللي بعتوني لما قررتوا إن موتي هو الحل. أنا دلوقتي مابقتش مليكة اللي كنتوا بتكسروها، أنا بقيت الوجع اللي هيعيش معاكم العمر كله.”
آسر شاور لرجاله، وسحبوا أخواتها قدام عينيها وهي واقفة بتترعش. آسر قرب منها ولف إيده حوالين خصرها من ورا، وهمس في ودنها:
— “شوفتي يا مليكة؟ العدل اتحقق.. أنتي دلوقتي السلطة، وأنتي الملكة. بس متنسيش.. الملكة دي ملهاش ملك غيري، والسرايا دي هتفضل مقفولة عليكي وعليّ، والسر اللي حصل هنا، هيدفن هنا.”
مليكة لفت وبصت له بضياع: “أنت عملت كل ده عشان تملكني أنا، ولا عشان تكسر كبرياء عيلة الهواري؟”
آسر ابتسم ابتسامة غامضة ولمس وشها ببرود: “الاثنين يا مليكة.. كسر كبريائهم كان المتعة، وتملكك أنتي كان الجايزة. ودلوقتي، اطلعي أوضتك القديمة، هاتي كل حاجة بتفكرك بماضيكي، واحرقيه.. لأن من اللحظة دي، مفيش غير (الرفاعي) وبس.”
طلعت مليكة أوضتها، لقت كل حاجة زي ما هي، بس روحها هي اللي اتغيرت. بصت من الشباك شافت آسر واقف تحت بيشرف على ترحيل أخواتها، وعرفت إنها فعلاً كسبت الأرض والبيت، بس خسرت نفسها للأبد في “رومانسية سوداء” مفيش منها مفر.
دخلت مليكة أوضتها القديمة، الريحة كانت لسه فيها، ريحة طفولتها وذكرياتها قبل ما الدنيا تسودّ. فتحت الدولاب وطلعت صندوق صغير مخبياه، فيه صورها وهي صغيرة وصور لأبوها الله يرحمه. لمست الصور بصوابع بتترعش، وفجأة حست بظل طويل وراها.
آسر كان واقف عند الباب، ساند كتفه على البرواز وعينيه بتراقب كل نفس بتطلعه. مشي بهدوء لغاية ما وقف وراها، وبص للصور اللي في إيدها بنظرة خالية من أي شفقة.
”قلت لك احرقي الماضي يا مليكة.. الصور دي مش هتديكي غير وجع القلب، وأنا مش عايز في قلبك مكان لغيري.”
مليكة لفت له وبصت له بتحدي يائس: “حتى الصور يا آسر؟ عايز تمسح كل حاجة كانت بتربطني بالدنيا قبل ما أعرفك؟”
آسر مد إيده وخد الصور منها ببرود، وبدأ يقطعها لقطع صغيرة قدام عينيها وهو بيقول بصوت هادي ومرعب: “الدنيا قبل ما تعرفيني كانت غابة، وأهلك كانوا الديابة اللي فيها. أنا م بمسحش ذكريات، أنا بنضف حياتك من أي حاجة ممكن تضعفك. الضعف في مملكتي ممنوع.”
مليكة صرخت وهي شايفة صور أبوها بتتقطع: “أنت معندكش قلب! أنت حجر! ليه بتستمتع وأنت بتشوفني بنزف من جوه؟”
آسر شدها من دراعها بقوة لغاية ما بقت في حضنه، وضغط على خصرها لدرجة إنها حست إن ضلوعها هتتكسر: “بستمتع لأني عارف إنك كل ما بتضعفي، كل ما بتلجأي لي في الآخر. أنتي زي الطير اللي جناحه مكسور، ملوش غير صاحبه يداويه.. وأنا صاحبك، وأنا اللي بكسر وأنا اللي بلم.”
نزل بيها السلالم وهي منهارة، والخدم كانوا واقفين صفين، بيبصوا للأرض بخوف. آسر خرج بيها للجنينة، وكان فيه نار والعة في برميل حديد كبير. رمى بقايا الصور في النار وبص لمليكة: “دلوقتي السرايا دي هتتقفل، وهتتحول لمخازن ومقرات لرجالي. أنتي مكانك مش هنا.. أنتي مكانك في القصر اللي في القاهرة، بعيد عن ريحة الصعيد وعن أي حد يفكّر إنه ممكن يوصلك.”
مليكة بصت للنار وهي بتاكل صورها، وحست إن النار دي بتاكل حتة من قلبها. بصت لآسر وقالت بمرارة: “أنت فاكر إنك لما تبعدني عن هنا هتنسيني؟ الوجع مبيتحبسش في مكان يا آسر.. الوجع بيعيش في الروح.”
آسر مسك فكها ورفعه لعنده، وعينيه كانت بتلمع ببرق مخيف: “والروح دي ملكي.. يعني وجعها ملكي، وفرحها ملكي. اجهزي، العربية مستنية.. رحلتنا لسه في أولها، والصعيد النهاردة عرف إن مليكة الرفاعي بقت فوق الكل، بس تحت طوعي أنا.”
ركبت العربية وهي حاسة إنها بتودع آخر خيط بيربطها بالواقع. آسر قعد جنبها ومسك إيدها، ولبسها في صباعها خاتم جديد، فصه أسود وكبير وكأنه ختم ملكية جديد. العربية اتحركت، ومليكة كانت بتبص للسرايا وهي بتبعد، وعرفت إنها من اللحظة دي، بقت مجرد “ظِل” للرجل اللي قاعد جنبها، ظِل بيتحرك بأمره، وبيعيش بأنفاسه، في قصة حب ملوثة بالدم والتملك.