حكاية جنة
“دفنتوا أخويا بإيديكم… وبعدها قعدتوا في العزا تحلفوا تاخدوا بتاره… وانتوا أصل الحكاية من الأول!”
الكلمة دي خرجت من “جنة” وهي واقفة في نص الدوار، صوتها ثابت ومليان غضب، عيونها مولعة نار. كل الرجالة سكتت فجأة، حتى الهوا كأنه وقف يستنى هتقول إيه.
الحكاية بدأت من أسبوعين… يوم ما “حسن” أخوها الكبير وقع في نص السكة، رصاصة غدر دخلت في ضهره وخرجت من قلبه. وقع على الأرض قبل ما يلحق ينادي، والدم غطى الأرض اللي كان بيلمها طول عمره. الناس جريت عليه… بس كان خلاص، ماكانش فيه رجعة.
أبوها “الحاج ربيع” شال جثته على كتفه، وما نطقش غير بجملة واحدة:
“حقك مش هيروح… ولو على جثتي.”
البلد كلها قامت على كلمة واحدة: “التار”. العيلتين اللي كانوا جنب بعض، بقوا نار بتاكل بعض… سلاح في كل إيد، ونظرات حقد توصل للجمجمة. كل واحد مستني اللحظة اللي ينقض فيها على التاني، وكل ست كانت قاعدة تدعي ربنا يكون في أمان ولادها.
بس “جنة” ما كانتش زيهم. كانت ساكتة… بتراقب… بتجمع خيوط ما حد واخد باله منها. كانت حاسة إن في حاجة مستخبية، وإن حسن ما اتقتلش عشان تار… اتقتل عشان شيء أكبر، حاجة ما حدش يعرفها.
في ليلة تقيلة، وهي قاعدة لوحدها في أوضة أخوها، قلبت هدومه ولقت ورقة متطبقة في جيبه. إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحها… لقت خط حسن:
“لو حصلي حاجة… ما تصدقيش اللي هيتقال… أنا اتبعت… واللي بيقود اللعبة حد من وسطنا.”
قلبها وقع، ورجعتها للدهشة اللي عمرها ما حسّت بيها قبل كده. فهمت إن القصة كلها لعبة أكبر من نار العيلتين، وإن حد من جواهم هو اللي سرب الدم.
التاني يوم العزا، كل الرجالة اتجمعت… السلاح على كتافهم، وكل عين متجهة ناحية التاني. الكل مستني كلمة تبدأ الدم… كلمة من اللي عايزين يردوا حق حسن.
وقتها “جنة” دخلت وسطهم وقالت بصوت عالي:
“اللي هتقتلوه مش القاتل… القاتل قاعد وسطكم دلوقتي!”
الصدمة غطت الوجوه… بعضهم اتعصب وقال:
“اتلمي يا بت! دي رجالة بتاخد بتارها!”
لكن “جنة” ما سكتتش، بالعكس قربت أكتر وقالت:
“أخويا ما اتقتلش برصاصهم… اتقتل بخيانة واحد مننا… واحد كان عارف طريقه وخروجه… واحد باعه!”
الشك بدأ يدب في القلوب… والرجالة كلها بصت حواليها تبحث عن أي علامة. فجأة، لفتت بعينها ناحية واحد واقف ورا… ساكت زيادة عن اللزوم.
الكل بدأ يتهامس، وسكتة تقيلة غطت المكان. “جنة” وقفت قدام الجميع، وقالت بصوت منخفض بس واضح:
“التار الحقيقي… مش بره الدار… التار جوه… والقاتل… هو أول واحد كان بيصرخ: دم حسن لازم يترد!”
الرجال اتحركوا فجأة، كل واحد بيشد سلاحه… بس “جنة” ماخافتش. قربت من الرجل اللي كانت عارفه كل أهل البلد إنه أستاذ الذكاء والخداع، وقفت قدامه وقالت:
“أنا عارفة كل حاجة… كل خطوة كل كلمة… دم حسن مش هيرجع… بس العدالة هتيجي منك.”
الرجل اتجمد، وكان عارف إن كل اللعب انتهى. عيون الناس كلها عليه، والسلاح ماشي على الأرض… حتى الحاج ربيع ما صدق اللي شايفه.
جنة فضلت واقفة… وعينيها مش بتغمض. وقالت:
“اللي كان شايف نفسه ذكي، نسيت إن الدم مش هيروح… ولو حبيتوا تلعبوا تاني… أنا هكون هنا، وبنفس الطريقة اللي طلعتلكم الحقائق، هطلعلكم الأسرار كلها.”
السكوت اللي حصل بعدها كان أخطر من أي صرخة. الكل حس بخوف ما حسوش قبل كده… الخيانة كانت واضحة، والتار الحقيقي اتكشف.
الليلة دي، “جنة” رجعت لأوضتها، قلبها بدأ يهدأ شوية… بس عيونها فضلت مولعة، عارفة إن الحكاية لسه مكملتش. البلد هتتغير، العيلتين هيتفرقوا، والدم اللي بدأ في طريق الغدر، هينتهي بس لما كل واحد ياخد حقه… بالعدل، مش بالغدر.
وفي اللحظة دي، فهمت “جنة” حاجة كبيرة… إن القوة مش بس في السلاح، ولا في الصراخ… القوة الحقيقية في معرفة الحقيقة، ومواجهة الغدر بالذكاء… مش بالاندفاع.
ومن اليوم ده، كل حد في الدوار عرف إن “جنة” مش بس بنت حسن… دي بنت اللي هتخلي التار الحقيقي يطلع للنور، مهما غدروا أو حاولوا يخفوه.
والكل اتعلم درس واحد… الدم مش هيروح… والغدر ما يستمرش… واللي يظلم، مهما كان قريب، العدالة هتلحقه… حتى لو اتأخرت سنين.
🔥 النهاية.