كوني أنتِ بقلم منة سلطان
“مش ملاحظة إنِك بقيتِ لا شكل ولا منظر؟ وإِنك محتاجة تهتمي بنفسك كويس، أصل بصراحة إيه القرف ده! ”
رسالة من رقم مجهول قِدرت بكل براعة تكـسـر شيء تاني فيّا، والغريب إن المسدج موقفتش لهنا، والتجريح والإهانة إكتمل تاني بماسدج أكتر قسوة على بني آدمة بِتحس وعندها مشاعر.
“لما شوفتك النهاردة، كُل اللي جه في بالي ساعتها أنه نو واي تكوني أنتِ، مش عشان بقيتِ أحلى ولا حاجة، لا أبدًا والله بس صعبتي عليا إنك وصلتي للدرجة دي من القباحة! ”
والمتوقع طبعًا إني بعد المسدجات المبهجة دي إني انهار مثلًا! أو أعيط للصبح، بس اللي حصل عكس كده خالص، اللي حصل اني قفلت الموبايل وقررت أنام، إزاي أقنعكم إن ده أقل شيء بسمعه!
صحيت اليوم التاني على صوت أمي وهي بتخبط على باب أوضتي عشان تقولي إني إتأخرت على الانترفيو، فبسرعة جهزت عشان أنزل بس قبل ما أفتح باب الشقة وقفني صوت ماما اللي جه من ورايا وهي بتتكلم بعدم رضا:
_أنتِ ناوية تنزلي كده بجد وأنتِ المفروض عندك انترفيو؟
غمضت عيني بتعب بسبب إني عارفة إيه الخطوة الجاية من كلامها، فإلتفتلها وأنا بحاول أبتسم وبقول:
_أيوة يا ماما، فيه حاجة في لبسي!
بصتلي من فوق لتحت وهي بتمصمص شفايفها بضيق وردت:
_وأنتِ بتسمي ده لبس أصلًا! أنتِ مبتشوفيش البنات في الشارع عاملين ازاي يا آخرة صبري!
قابلت كل كلامها برحابة صدر، ومن غير تفكير جاوبتها بمنتهى البساطة:
_لا بشوفهم يا ماما، عايزة حاجة مني بقى؟
عيونها إسودت من الغضب وفي لحظة صوتها عِلي وهي بتبصلي بعصبية وبتقول:
_يا برودك يا شيخة يا برودك، لا اطمني مش عايزة حاجة بس ابقي قابليني لو قبلوكي في الوظيفة بمنظرك ده.
وزي ما أكُون سِمعت صوت قلبي اللي انكسر لميت حتة، واللي بسبب كلام امي الحبيبة بقيت أحس أنه مجرد فُتات دلوقتي! بس رغم كل ده نجحت للمرة اللي مش عارفة عددها إني أتعامل بنفس البرود:
_عامًة شكرًا لحضرتك على كلامك الحلو.
خلصت كلامي وخرجت وأنا بحاول أتنفس رغم أنه كان صعب عليا بسبب كلامها اللي كان لسة وصلي وكأنها قاصدة تسمعهولي!
_فيه إيه صوتك ماله عالي كده؟
سمعت صوت بابا اللي سألها بضجر، وهي رجعت تصيح تاني بعصبية وبتشتكيله:
_قولتلها ولا ميت مرة تحط شوية مكياج في وشها، واهو حاجة تعملها منظر بدل شكلها ده وهي ولا هنا.
مكنش غريب على بابا استسلامه الواضح قصاد كلام ماما ولا حتى رفضه لكل الكلام اللي بتقوله عني واللي بيجر. ح كرامتي وأنا في الاخر بنته، بالعكس فضل ساكت يسمعها بلا ذرة تأنيب حتى وسط دموعي وأنا سامعة كل كلامها اللي كان زي الىىىم ووصلني:
_لله الأمر من قبل ومن بعد، لله الأمر من قبل ومن بعد.
خرجت وأنا بحال غير الحال اللي كنت عليه تمامًا وقت ما صحيت، وقبل ما اطلع على الشارع الرئيسي قابلتني هالة صاحبتي اللي أول ما شافتني ابتسمتلي بإشراقة وقالت:
_صباح الخير يا حلو؟
حاولت أغصب إبتسامة أبادلها بيها وأنا برد بهدوء:
_صباح النور يا هالة، إزيك عاملة إيه؟
ردت وهي بتتعمق في ملامحي بنظراتها:
_من ناحيتي يا ستي فأنا تمام الحمد لله وعال العال، من ناحيتك أنتِ بقى فمش واضح انك كويسة خالص.
وبصعوبة تمالكت نفسي ورديت بإختصار:
_بس أنا كويسة. !
_عايزة تقنعيني إن ده شكل واحدة كويسة، لا وكمان رايحة تعمل انترفيو في الشركة اللي بتحلم تشتغل فيها؟
_ايوة عادي، شيلي بس أنتِ الأفكار دي من دماغك.
خلصت وكنت على استعداد إني أمشي تمامًا من قصادها بسبب إني حرفيًا مش حِمل أي كلام تاني مع حد حاليًا بس هي وقفتني بسرعة وهي بتبصلي بعصبية وبتقول:
_طب اضحكي يا ستي كده، خلي الشمس تطلع والدنيا تنور بإبتسامتك الحلوة.
خلصت كلامها بإبتسامة لطيفة مصحوبة بطريقتها العفوية في الكلام وده خلاني إبتسم بسخرية قبل ما أرد اجاوبها:
_مبقتش أصدق كلامك ده دلوقتي يا هالة، إحنا دلوقتي كبرنا فحاولي تشيلي كل الشفقة من كلامك بقى.
هالة رجعت لورا بصدمة وهي بتبصلي بذهول:
_شفقة! أنا بشفق عليكي يا تبارك؟
رديت بهدوء وبإبتسامة بسيطة أُحسد عليها:
_ايوة يا هالة بشفقي عليا! أومال بتسمي كل اللي بتعمليه معايا ده ايه! بتسمي عطفك وحبك ده ليا ايه، أن مكنش شفقة يا هالة!
ردت هالة عليا بألم واضح في نبرة صوتها وعلى ملامحها:
_أنتِ قولتيها يا تبارك. حُب، وشتان بين الحاجتين يا صاحبتي.
واجهتها بألم أكبر وأنا حاسة بنسبة كره فظيعة من عيون الناس كلها متوجهة ناحيتي:
_ده بيتهيألك، أنتِ شخص جميل عشان كده بتشفقي عليا، هالة أنتِ تعرفي أنك الشخص الوحيد اللي أنا بصعب عليه في حياتي كلها، يعني بعيدًا عن أهلي اللي مبيحبونيش كمان الناس اللي حوالينا دول حتى مبيحسوش بالحب ولا بأي شفقة ناحيتي عشان كده أنا بقولك اللي أنتِ بتعمليه معايا ده لا يمكن يكون حُب. ده اسمه شفقة.
هزت هالة رأسها بحزن قبل ما تجاوبني بكسرة:
_والله شكرًا يا تبارك على نظرتك دي مش عارفة أقولك إيه!
حسيت بالندم بسبب تسرعي واني سبت كل الناس اللي بتجرح فيا وملاقتش غيرها هي أجر. حها بالكلام.
_هالة. أنا مقصدش حاجة أنا بس.
سكتت وأنا مش عارفة المفروض أبرر ايه بالظبط وده لأني عارفة إن مفيش حاجة تبرر غلطي فلما يئست قولت:
_أنا آسفة.
ولأول مرة هالة تتجنب تكلمني فبعدت عني وهي بتقول:
_مش وقته دلوقتي يا تبارك خلينا فيكي، أنتِ يدوب تلحقي عشان متأخرة فمش محتاجين تأخير أكتر من كده يلا بينا.
مشيت وراها لحد ما وصلت لعربيتها وركبتها بصمت ساد الأجواء وده عكس العادي تمامًا وعكس هالة اللي بتكره الصمت والوحدة وده عكسي طبعًا، بس الظاهر كده إن كلامي تأثيره أشد مما كنت أتخيل!
_دي الشركة.
فوقت من شرودي على صوتها وبسرعة الحماس خدني وأنا بهزلها رأسي فإتكلمت تاني وقالت:
_مش عايزة أمحي حماسك ده، بس أنتِ متأكدة من الخطوة دي! متأكدة أنك صح في اللي هتعمليه دلوقتي؟
ضيقت عيني بشك:
_مش فاهماكِ! تقصدي ايه بالظبط؟
_أقصد إنك مؤهلاتك وشهادتك تشغلك في أحسن شركة للجرافيك ديزاين في البلد كلها، بس أنتِ بكل غباء جاية تعملي أنترفيو عشان تشتغلي سكرتيرة يا تبارك!
خلصت كلامها وهي بتنفخ بضيق فبصيتلها بذهول ورديت:
_على أساس إني مستسهلة يعني يا هالة؟ أومال لو مكانتش كل حاجة على يدك، أنتِ عارفة أنا قدمت في كام شركة لحد دلوقتي؟ فاكرة ولا محتاجاني أفكرك يا هالة!
ردت بسرعة:
_حبيبتي لو كانت الناس دي كلها يئست وعملت زيك كده مكنش حد هيشتغل بشهادته أبدًا، أنا عارفة وكنت معاكي في كل ده، زي ما أنا كمان كنتِ معاكي وأنتِ بتدخلي كلية أحلامك كلية فنون تطبيقية اللي كنتِ بتنامي وبتحلمي بيها، وعشان كده بقولك متبطليش تحلمي ومتسعيش ورا أقل من اللي تستحقيه.
ضحكت بتعب:
_اللي إيده في الماية مش زي اللي إيده في الىْار.
هزت رأسها بنفاذ صبر ورجعت اتكلمت بإختصار:
_تمام يا تبارك، اعتبريني مقولتش حاجة وانزلي يلا عشان تلحقي.
نزلت فعلًا من العربية بس قبل ما أبعد بصيتلها بحب وقولتلها:
_ادعيلي يا هالة، جايز أنا مش هعمل الحاجة إللي حلمت بيها دلوقتي بس أنا مش هييئس وهحاول دايمًا أقرب من أي حاجة تساعدني أحقق حلمي، ومين عارف ممكن يبقى ليا فرصة في يوم مت الايام إني أشتغل في الشركة دي كمهندسة فعلًا.
_بدعيلك يا حبيبتي والله، ربنا معاكي ويوفقك يا رب.
_مع السلامة.
_متنسيش تطمنيني أول ما تخرجي.
ودعت هالة وقربت من الشركة اللي رفض الامن يدخلني فيها الا بعد ما شاف بطاقتي، وأنا كملت ووصلت للريسيبشن واللي كانت بنت جميلة باين على ملامحها الهدوء فقربت منها وأنا ببتسم:
_السلام عليكم؟
قابلتني بإبتسامة عملية وسألتني:
_وعليكم السلام، خير يا آنسة؟ أقدر أساعدك؟
هزيت رأسي بحماس ولهفة:
_اه، بصراحة أنا جاية عشان الانترفيو، شوفت اعلان للشركة منزلة أنها محتاجة سكرتيرة عندها خبرة فحبيت أقدم.
الينت فجأة عينيها وسعت لدرجة أنها بصت لبنت قصادها وزي ما يكونوا اتفاجئوا هما الأتنين وسط طبعًا فهمي للمغزى من نظراتهم، رجعت بصتلي تاني وهي بتأكد عليا؛
_الشركة منزلة أنها محتاجة سكرتيرة في الريسبشن، ده اللي قرأتيه مش كده!
_ايوة، هو فيه حاجة.
_لا لا مفيش حاجة، تقدري تطلعي فوق الدور التاني هتقابلك مدام نيار اللي هتعمل معاكي الانترفيو.
وقد كان عملت اللي قالت عليه وأنا حاسة إن حماسي كله بقى في الأرض وده كله بسبب نظرات الناس كلها ليا!
استنيت شوية لحد ما السكرتيرة نادت على اسمي فدخلت عشان أعمل الانترفيو وسط توتري اللي اتضاعف بمجرد ما شُفت نيار! واللي كان باين عليها الجدية الشديدة واللي أول ما شافتني قالتلي:
_عرفي نفسك؟
حمحت بخفة وبهدوء رديت رغم فزعي من طريقتها:
_تبارك عبد الحي، عندي ٢٥ سنة، خريجة فنون تطبيقية دفعة 2023 و.
قاطعتني وهي مركزة على ملفي قدامها:
_ولما أنتِ خريجة فنون تطبيقية مبتشتغليش ليه بشهادتك؟
بلعت ريقي واتكلمت:
_حاولت كتير، لكن لسة ملاقتش فرصة ت.
قاطعتني تاني بنبرة صارمة:
_تقديرك امتياز على مدار الخمس سنين، وموجود قدامي أنك سيق واشتغلتي سكرتيرة في شركة تانية، سبتي الشغل ليه؟
رمشت وأنا بصعوبة بتمالك نفسي بعد ما افتكرت سبب تركي للشغل اللي قبل ده واللي كان بسبب إني كهيئة وشكل لا أليق طبعًا بشكل الشركة.
_استغنوا عني بلا سبب.
ردت وهي بتركز بعينيها عليا وعلى شكلي ولبسي_بالأخص_:
_مفيش حاجة بتحصل بلا سبب، كل حاجة ليها سبب ودافع، شغلك كان كويس هناك؟
حاولت أتشجع وأرد:
_جدًا وأنا أظن إني كنت متمكنة وكل ده موجود في ال CV مع حضرتك.
هزت رأسها وبعدها مدتلي ايديها بال CV وقالت:
_تمام، المقابلة انتهت، دخليلي اللي بعدها.
انسحبت من المكان وخرجت وأنا حاسة بالظلم من كل حاجة بتحصلي، وقبل ما أدي نفسي فرصة للإنهيار وقفني صوت السكرتيرة اللي قالتلي:
_سيبي بيناتك هنا، وهنبقى نكلمك.
كانت جملة غير مباشرة للرفض، وعلى قد تعلقي بآخر أمل كان ليا إني أتقبّل في الوظيفة دي، على قد ما إتوجعت وحسيت بالقهر والحسرة، أصل ليه؟ ، هو شكلي ده أنا مسؤولة عنه! دي خلقة ربنا وأنا صابرة والله بس ليه نظراتهم بتوجع بالشكل ده!
_حاسبي يا آنسة.
ودي كانت آخر حاجة أسمعها قبل ما الدنيا تسود فجأة في وشي ومحسش بنفسي.
_إلحقني يا عمار، أنا خبطت بنت بالعربية.
_إيــــه! أنتَ اتجننت يا مؤمن؟ بنت ايه اللي خطبتها وحصل ازاي ده!
بلع ريقه بخوف وشعوره بالقلق كان خلاص أتغلب عليه لكنه حاول يتكلم ويجاوبه فبصعوبة نطق:
_مش عارف والله ما أعرف أنا فجأة لقيتها قدامي!
صوت تنهيدة عمار الطويلة وصلته قبل ما يرد:
_إهدأ كده يا أستاذ وحاول تفهمني بالراحة، أنا مش قادر أفهم منك حاجة.
حاول مؤمن يهدأ رغم أعصابه واللي كانت شبه مُتدمـ. ـرة بسبب اللي حصل من ساعات، ولما نجح يأخد نفسه اتكلم بسرعة وقال بنفس التوتر:
_وأنا سايق العربية فجأة طلعت قدامي بنت، كانت خارجة من الشركة تقريبًا، كل حاجة بعدها حصلت بسرعة، وأنا كل اللي فاكره إني فجأة لقيتها مرمية على الأرض وسايـ. ـحة في د*مها قدامي.
وكان رد عمار صادم بالنسبة لمؤمن لما قال:
_حد شافك؟
حاول مؤمن يتغلب على صدمته:
_أنا بقول ايه وأنتَ بتقول ايه دلوقتي يا عمار؟ أنا خايف البنت يحصلها حاجة أو لا قدر الله تمـ. ـوت بسببي، أنا مش هسامح نفسي أبدًا.
ضحك عمار بغيظ كبير وبعدها اتكلم بنفس طريقته:
_متبقاش غبي وتضيعنا، وبعدين افتكر أبوك واللي هيعمله لو شَم خبر بالمصيبة دي، ساعتها يا حبيبي تصرفه هيبقى أصعب ميت مرة من الصحافة لو دريت وده اللي المفروض تفكر فيه دلوقتي.
وهنا بدأ مؤمن يستوعب حجم الكارثة اللي وقع نفسه فيها فبسرعة اترجاه بصوته اللي كان وصل لأقصى قلقه وخوفه:
_أوعىٰ يا عمار، أوعىٰ أبوك يشم خبر أوي يدرىٰ باللي حصل.
وصله زفرة عمار اللي رجع يطلب منه:
_يبقىٰ مطلوب منك دلوقتي تساعدني وتعرفني حد شافك؟
رد مؤمن بهدوء:
_مفيش غير عم رضا البواب بتاع الأمن بس هو اللي شاف اللي حصل.
_طب الحمد لله، ان جت على رضا فأمره سهل.
_أيوة، ده كمان ساعدني أنقلها على المستشفىٰ بسرعة.
لحد هنا وارتفع صوت عمار اللي صرخ بصدمة:
_مستشفىٰ! أنتَ نقلتها المستشفىٰ يا غبي!
رد ببساطة:
_أكيد نقلتها، كنت عايزني أسيببها تمـ. ـوت قدامي يعني وأهرب زي الجبان! دي إنسانة في الأول والآخر يا آخي.
رجع يصرخ تاني بغيظ وعصبية:
_أنت متخلف ياض أنتَ ولا عبيط، ابقىٰ شوف انسانيتك دي يخويا وشهامتك هتعمل فيك ايه لما في الآخر تدخل في سين وجيم وحوارات إحنا في غنىٰ عنها دلوقتي تمامًا.
_اهو اللي حصل، كنت عايزني اعمل إيه يعني؟
صوت عمار ارتفع بعصبية وغضب:
_أنا مكنتش عايز منك غير انك تفكر بس، كان ممكن جدًا تدفع لأي واحد من الأمن وكان الحوار خلصت وردمت عليه، لكن إزاي من إمتى مؤمن بيفكر أصلًا.
اتنهد مؤمن بقوة وهي بيبص حواليه بصدمة ومش مصدقة ان اخوه بيتكلم معاه بالطريقة دي:
_أنا متصل بيك عشان نفكر في حل سوا، مش عشان تقطمني يا عمار وتفتح محاضرة جديدة عن تضحياتك.
رد عمار بنفس العصبية:
_مش وقته كلام معاك دلوقتي، البنت دي أول ما تفوق تدخلها فورًا وتعرض عليها قرشين يسكتوها قبل ما تفتح بوقها للظابط اللي هييجي يحقق معاها، وقبل كل ده ادعي تكون خارجة من الشركة وموظفة فيها، ده هيخفف اكتر من المصيبة دي.
عيون مؤمن وسعت بصدمة بعد ما استوعب كلام أخوه واللي أتصدم من موقفه فرجع سأله بذهول:
_أنتَ عايزني أسكتها بالفلوس!
_ده اللي المفروض تعمله يا حبيبي ومفيش قدامك خيار تاني للأسف، متنساش انك أنتَ اللي وقعت نفسك في المصيبة دي، وأنتَ الوحيد اللي المفروض تلاقي ليها حل.
*******
بصعوبة بالغة قدرت أفتح عيني بعد نوم عميق، ولما فتحتها حسيت بوجع فظيع في دماغي أول ما لمحت الضوء وقبل ما استوعب أي حاجة وصلني صوت أنثوي بيتكلم بلهفة:
_حمدًا لله على سلامتك يا حبيبتي، كويس إنك فوقتي، جوزك كان هيموت من القلق عليكِ.
الكلام اللي استوعبته خلاني أفتح عيني بسرعة بصدمة تسببت في تضاعف الصداع بس مركزتش وأنا بردد وراها كلمتها:
_جوزي! جوزي مين وأنا فين؟
البنت جريت عليا واللي كانت لابسة لبس ممرضات! أنا في مستشفى!
اتكلمت بقلق وهي بتعدلني:
_خليكِ متتحركيش بلاش عشان جسمك مش هيستحمل.
بصيتلها بضياع بسبب اني مش قادرة افتكر أي حاجة وسألتها:
_إيه اللي حصل وأنا فين؟
بصيتلي بشفقة قبل ما ترد وتقول:
_خليكِ وأنا هندهلك جوزك.
راقبت طيفها بصدمة وعدم استيعاب اتغلب عليا! فضلت على الحال ده لثواني قبل ما أتفاجئ بشاب داخل وبيسألني بلهفة:
_أنتِ كويسة يا آنسة؟
بصيتله بخوف:
_أنتَ مين؟
قرب مني بحرص وقال:
_اهدي ومتخافيش، أنا أبقىٰ مؤمن، الشاب اللي خبطك بالعربية النهاردة الصُبح، أنا مكنتش أقصد صدقيني. أنا فجأة لاقيتك قدام العربية وملحقتش آخد أي ردة فعل.
وفجأة افتكرت كل اللي حصل بعد خروجي من الشركة وللأسف كلامه كله كان صدق وكل ده حصل بسببي بسبب اني السبب في اللي حصل ولو حد المُلام فهيبقى أنا، أنا اللي كنت سرحانة ومش مركزة.
_حصل خير، ممكن أمشي من هنا بقىٰ!
_نعم تمشي ازاي؟ أنتِ لسة تعبانة يا آنسة والمفروض ترتاحي!
انصدمت من طريقته ودي كانت المرة الوحيدة اللي اقابل حد قلقان فيها عليا غير هالة لكني رديت:
_لو سمحت سيبني أمشي، أنا مش عارفة أنا هنا من إمتى وأهلي أكيد دلوقتي قلقوا عليا! وأنا المفروض امشي دلوقتي.
رد ببساطة:
_إن كان على أهلك سهل وأنتِ ممكن تكلميهم دلوقتي بس بلاش تمشي وأنتِ في الحالة دي، وكمان. عشان لسة الظابط هييجي يحقق معاكِ ويسألك عن اللي حصل.
فتحت عيني بصدمة وأنا بنتفض في مكاني:
_ظابط ليه! أنا كويسة وحضرتك مش غلطان واللي حصل ده غلطي أنا وأنا السبب.
رجع بصلي بصدمة قبل ما يقول:
_يعني أنتِ مش هتاخدي حقك ولا هتطلبي تعويض!
هزيت راسي بسرعة ونفيت بخوف:
_لا، أنا كل اللي عايزاه دلوقتي اني أمشي من هنا بأسرع وقت لو سمحت.
وقبل ما يرد كان دخل علينا دكتور وشخص باين عليه الصرامة والدكتور بدأ يتكلم ويقول:
_حمدًا لله على السلامة يا آنسة تبارك، الباشا حابب يسألك كام سؤال بس.
بصيت للظابط بخوف واللي أول ما بصلي اتكلم وقال بنبرة شديدة:
_ألف سلامة عليكي، ممكن أعرف الحادثة اللي حصلت دي حصلت إزاي؟ هو البشمهندس مؤمن قال اللي يحصل كله بس هيكون أفضل لو سمعت منك.
بلعت ريقي بقلق بدأت احس بيه في وسط وجودهم وأنا حاسة اني محط أنظارهم كلهم وده خلاني أغمض عيني:
_مفيش حاجة حصلت، أنا كنت في انترفيو النهاردة في شركة المحمدي وخلصت وخرجت وأنا سرحانة مأخدتش بالي من العربية وده خلى الأستاذ يخبطني غصب عنه.
الظابط سألني بشك:
_متأكدة من الكلام ده ولا عندك حاجة عايزة تقوليها؟
_لا مفيش حاجة، ده كل اللي حصل؟
جاوبته بسرعة وكنت حاسة ان نظره معلق لسة عليا واتأكدت من كده لما سمعت صوت الشاب بيعرض عليه:
_حضرتك ممكن تفرغ كاميرات الشركة واللي موجودة في الشارع لو تحب.
_أكيد بعد اذنكم، وحمدًا لله على سلامة الأنسة.
خلص كلامه وخرج فرفعت عيني للدكتور وقبل ما يخرج كنت سألته بلهفة:
_هو أنا ممكن اخرج يا دكتور.
الدكتور ابتسملي ورد قبل ما يخرج:
_لو فيه رعاية واهتمام، تقدري تخرجي من دلوقتي طبعًا.
رجعت الاوضة فضيت علينا وسط خوفي وقلقي من الشخص ده، أنا شخص خجول لأقصى حد ومعنديش ثقة بنفسي وده مخليني أتجنب أي حوار مع أي حد تجنبًا للنظرات.
صوته قطع الصمت لما بصلي وسألني:
_كنتِ بتقولي للظابط إنك كنتٓ جاية تعملي انترفيو في الشركة، ممكن أعرف اتقبلتي في تيم المهندسين ولا لا؟ وقبل ما تستغربي أنا مهندس في نفس الشركة دي، وكمان شُفت بطاقتك والـ CV بتاعك.
رديت بألم غصب عني:
_قالوا انهم هيكلموني بس طبعًا الإجابة غنية عن التعريف، غير ان حضرتك محتاج تعرف إني قدمت كسكرتيرة مش مهندسة.
كرر الكلمة بصدمة:
_سكرتيرة!
_تبارك!
اتخضيت لما سمعت صوت هالة صاحبتي فرفعت نظري ليها بصدمة وقبل ما اسأل كان رد هو وضح:
_الآنسة رنت عليكي كتير فإضطريت أرد وأحكيلها اللي حصل.
هالة جريت عليا وهي شبه بتبكي:
_أنتِ كويسة؟
رديت بتعب:
_اهدي يا هالة أنا تمام الحمد لله، اوعي تكوني عرفتي حد من عندنا!
_ملحقتش أنا كل اللي كنت بفكر فيه اني اطمن عليكِ وبس ومفكرتش في أي حاجة تانية.
هزيت راسي بشرود وبعدها حمحم مؤمن وقال:
_طب أنا هستأذن أنا، وبكرر اعتذاري عن اللي حصل.
بصيتله بإمتنان وبخجل قلت:
_شكرًا لحضرتك.
وبمجرد ما خرج اتكلمت هالة بغمزة:
_جدع اوي مؤمن ده وابن حلال، هو مش اسمه مؤمن برضه.
رديت بضيق وأنا بحاول أقوم:
_مش وقته دلوقتي، أنا عايزة امشي من هنا يا هالة، ماما أو بابا لو عرفوا اللي حصل مش هيسموا عليا أنا لازم أمشي.
حاولت توقفني:
_لا طبعًا، أنتِ مش شايفة شكلك عامل ازاي!
_مش مهم، أهم حاجة اني أروح دلوقتي قبل ما يتصلوا يتخانقوا معايا واسمعلي كلمتين.
_مفيش فايدة برضه مُصرة؟
_ايوة وياريت تساعديني بقى عشان أجهز.
لقيتها فجأة رجعت وبدأ يبان عليها التوتر وقالت:
_بُصي هو أنا عملت حاجة ولازم تعرفيها قبل ما نخرج من هنا؟ بس بالله عليكِ ما تزعلي مني يا تبارك.
بصيتلها بعدم فهم وبخوف سألتها:
_عملتي إيه يا هالة؟
وردت هالة عليا بما نجح يكسرني فعلًا اكتر من الحادثة:
_لما عرفت اللي حصل كنت في عند بابا في الشغل، وبالصدفة حسن اللي كان خطيبك سمعني وأصر ييجي يجيبني، و. مروة كمان صممت تيجي وهما دلوقتي مستنيين تحت.
_أنتِ بتقولي إيه؟
_بقولك حسن اللي كان خطيبك جه تحت ومروة بنت عمك جت معاه ومصممين لازم يشوفوكي.
ضربات قلبي بدأت تعلى عن معدلها الطبيعي بمجرد ما سمعت سيرتهم اللي بتتسببلي في كل الأفكار السلبية وبتفكرني بفترة كانت صعبة أوي في حياتي بسببهم، بصيتلها بدموع وبلوم قولتلها:
_أنتِ ازاي تعملي فيا كده يا هالة؟ أنتِ عارفة كل حاجة ومع ذلك روحتي تجيبيهم عشان يتفرجوا عليا بقى ويشمتوا فيا، أنتِ شايفاني يعني ناقصة كلام شايفة إني بقالي كتير متكسرتش فرايحة تكملي عليا!
خلصت كلامي وأنا بحاول أتنفس ومعيطش رغم أنه كان صعب عليا، وهي عينيها لمعت بالدموع وحاولت تقرب مني وهي بتعتذر وبتقول:
_والله أبدًا، أنا من خوفي عليكي جيت أجري ومركزتش في أي حاجة تانية يا تبارك، وبعدين لو عايزاهم يمشوا أنا هنزل بنفسي أمشيهم بس متزعليش مني.
اترجيتها بألم مقدرتش أداريه المرة دي كمان:
_أنا مش عايزة أشوف حد فيهم يا هالة، عشان خاطري متخلنيش أتواجه معاهم أبدًا.
وكانت الإجابة المفروض أسمعها من هالة، لكني لقيتها بتخرج من حد تاني غيرها!
_اخص عليكي يا تبارك، بقى دي الأصول يا بنت عمي وإحنا اللي جايين جري نطمن عليكي، لا ملكيش حق زعلتينا.
بصيت لمروة اللي كانت بتتكلم واللي كان معاها حسن اللي حاول يتحاشى النظر ناحيتي، وبكل عصبية وغضب سألتهم:
_أنتوا عايزين إيه؟
ضحكت مروة بتريقة وبعدها بصت لحسن واتكلمت:
_شوف خيرًا تعمل شرًا تلقى، يا آخي الواحد يعمل الخير وفي الأخر تبقى دي نتيجته يلا هنقول إيه، دي شخصية تبارك ولا هنتجدد يعني!
خلصت كلامها وهي بتبصلي بتشفي بعد ما تعمدت تغلط فيا زي العادة، وهالة ردت عليها وهي بتتحفز في وقفتها:
_لمي نفسك يا مروة واتكلمي عن تبارك كويس.
ربعت مروة ايديها بتحدي وهي بتبص لهالة بسخرية وبتسألها:
_وإن ملمتش نفسي يا هالة هتعملي إيه يعني؟ هتقولي لأبوكي يطردنا من الشغل.
ردت هالة بغيظ:
_اه هقول لأبويا يطردكم من الشغل ويشوف ناس محترمة.
وقبل ما هالة تاخد ردة فعل كان رد حسن بسرعة وهو بيوزع نظراته بينا وبيقول بنبرة لها مغزى:
_ملوش لازمة الكلام ده يا هالة، إحنا جينا عشان نعمل الواجب، متنسيش إن تبارك كانت في يوم من الأيام. خطيبتي.
عيني بدأت تلمع بالدموع وأنا بتجنب إني أبصله مش عشان خايفة قد ما أنا لسة ضعيفة وجبانة ومش قادرة أواجه كل الإذى اللي شوفته منه، عشان هو في الآخر يبجي يتكلم بسهولة وراحة كده!
الكلام معجبش مروة اللي بدأت تغيير وترد بسرعة:
_كانت بقى يا حبيبي، بس الحمد لله هي دلوقتي مجرد بنت عم خطيبتك اللي من حُسن حظك قابلتها وحبتها وقررت تقضي باقي حياتك اللي كنت هتضيعها معاها.
وللمرة التانية تجرحني بالكلام وأنا أسكت! عشان ضعيفة وجبانة ومبقدرش أدافع عن نفسي.
هالة قربت منها بغضب وعصبية وقامت تصرخ في وشها:
_ايه لازمته الكلام ده يا مروة ما تحترمي نفسك واتكلمي عليها عِدل وإلا قسمًا بالله هقوم عليكي ما هسيب فيكي حتة سليمة، وأنتِ عارفاني إني أقدر أعملها، فإشتري كرامة خطيبتك يا حسن وطرقونا.
ونظراتهم المتشفية فيا بعد ما نجحوا يجر. حوني بكلامهم خلتني أصرخ وأنا بشاورلهم بألم:
_اطلعوا بره حياتي مش عايزة أشوف وشكوا تاني.
بصلي حسن بصمت وسحب مروة وهو بيقول:
_يلا يا مروة، كفاية أوي كده.
مروة عينيها اسودت من الغل وسحبت ايديها بعيد عنه وهي بتبصلنا بكره:
_والله عجيب يا آخي بقى وشنا إحنا اللي مش عاجبك ومش عايزة تشوفيه! ده على كده إحنا لينا الجنة إننا مستحملين نبص في وشك القبيح ده كتير! أنتِ يا بتاعة أنتِ مبتبصيش لنفسك في المراية!
كانت بتتكلم بكل بساطة وهي بتتعمد في كل كلمة تضغط على كرامتي أكتر وسط دموعي وقلة حيلتي وأنا ببكي بس وبراقبها بألم.
_والله العظيم ما هسيبك يا زبالة.
بعدت ايد هالة عنها بعد ما كانت خلاص هتضر*بها بالقلم، وزقتها وهي بتبصلي وبترد عليها بإساءة تكسر بيها قلبي أكتر:
_عندك يختي وبلاها الحركات الهندي دي، واقعدي كده ومتسمعناش صوتك، أنا مبقولش حاجة غلط، ولو أنتِ خايفة على صاحبتك أوي كده قوليلها يختي وانصحيها تعمل تجميل وتحن على نظر الناس شوية وهنكون شاكرين لو لِبست حاجة عدلة بدل الهلاهيل اللي قرفانا بيهم دول.
خلصت كلامها وهي بتوزع نظرها بينا بإنتصار وبعدها بصت لحسن وسألته بتهكم:
_ايه هتمشي ولا لسة حابب تسمعلك كلمتين من الأشكال الخسيسة دي تاني؟
_بالسهولة دي هتمشوا! ما بدري؟
قطع الصمت صوت رابع تاني كسر الصمت اللي ساد في الاوضة واللي كان تابع لمؤمن اللي سد الباب بجمسه ومنعهم يخرجوا وسط ذهولي من وجوده!
_أنت مين يا برنس؟
سأله حسن بضيق فرد مؤمن عليه ببساطة وإهانة مقصودة:
_أنا راجل يا حبيبي، بعتذر لو قطعت خلوتكوا وأنتوا كلكوا بنات في بعض.
اتجنن حسن اللي حاول يقرب منه وهو بيتكلم بجنون:
_أنت اتجننت يا روح أمك؟ ايه الهبل اللي بتقوله ده؟ أنتَ شارب حاجة ياض!
زقه مؤمن بعنف وعصبية لدرجة إن ضهره اتهبد بقوة في الحيطة وقرب منه وهو بيهدده بوضوح:
_عندك وإلا قسمًا بالله كلمة مس هتعجبني كمان وهخرجك أنت والسنيورة الا معاك على نقالة وهحتفظ بيكم لحد ما يبان لكم صاحب.
هالة بصتلي بإستغراب وكأنها بتحاول تفهم، لكني كنت في أقصى مراحل انكساري ومش مركزة في أي حاجة مؤمن بيعملها. وبس بتابع بصمت ودموعي مبتتوقفش.
مروة اترعبت وحاولت تبعد عن مؤمن وهي بتسأله بخوف:
_أنتَ مين يا جدع أنت وعايز مننا إيه؟
رد مؤمن رد صدمنا كلنا وهو متعمد يهينهم وكأنه بيرد كرامتنا منهم:
_أنا مين ده ميخصكيش يا قبيحة يا سليطة اللسان، الأشكال اللي زيك مش محتاج منهم حاجة غير أنهم ميسمعونيش صوتهم ولا يوروني وشهم؛ عشان هما مش بس محتاجين يعملوا عمليات تجميل تؤ تؤ دول محتاجين يتبادوا للأبد، ان كان واحد زيه معدوم رجولة وأخلاق وسامح لواحدة زيك تتمادى بالشكل ده أو أنتِ اللي المفروض يعلقوكي من لسانك الباقي من حياتك.
وشهم اصفر من الصدمة وقبل ما ترد عليه مروة كان شدها حسن بسرعة وخرج بيها وهو بيكلمها بنرفزة وبيقول:
_هتعملي إيه؟ عجبك كده يا شيخة منك لله هزقتينا لما شبعنا النهاردة.
خرجوا وسط صمتي وشرودي على عكس مؤمن اللي تعامل كأن محصلش حاجة وابتسملنا وقال:
_أنا دفعت رسوم المستشفى وخلصت كل حاحة، تقدروا تمشوا وقت ما تحبوا، بعتذر مرة تانية يا آنسة تبارك.
نهى كلامه وهو بيحاول يبتسملي، وبصيتله هالة بإمتنان وردت:
_شكرًا لحضرتك.
_أنا ممكن أوصلكم لو تحبوا معايا عربيتي، بلاش تستنوا أوبر.
عرض وعينه مركزة عليا بس هالة اعتذرت منه بهدوء:
_مفيش داعي، أنا بعتت لبابا وزمانه على وصول.
هز رأسه بتفهم وقبل ما يمشي بصلي وقال:
_سلامتك يا آنسة تبارك.
خرج مؤمن بهدوء عكس دخوله في اللحظة اللي قدمت فيها هالة مني وهي بتعيط:
_تبارك أنا.
شاورتلها تبعد بحزن وبصعوبة خرج صوتي:
_مش عايزة أسمع أي حاجة لو سمحتي.
وقفت مكانها تراقبني بدموعها وبالعافية خرج صوتها اللي كان متحشرج:
_أنا آسفة.
************
عدا على اليوم ده أسبوع تقريبًا، وفي اليوم ده لما رجعت وبعد ما اهلي شافوني قولتلهم إني اتكعبلت ووقعت قدام الشركة وطبعًا هما مهتموش خالص، بس ده مزعلنيش أبدًا، منين هيزعلني بس ولا هييجي إيه جنب اللي حصلي على ايد مروة بنت عمي وحسن. اللي كان خطيبي.
الأتنين نجحوا يكسروني للمرة التانية بنفس الإهانة اللي بيتعمدوا يجرحوني بيها واللي هي مشكلة حياتي”شكلي”، شكلي اللي مليش أي ذنب فيه! بس هما دايمًا يعايروني إني قبيحة. وكأن حد بإيده أنه يتخلق قبيح!
النهاردة صحيت من النوم اتوضيت وصليت وفضلت قاعدة في اوضتي أقرأ قرآن وعلى قد ما أقدر كنت بحاول أتجنب ماما اللي ما بتصدق تكسرني في أي فرصة بتيجي قدامها.
اتوترت بمجرد ما باب أوضتي خبط، بس أذنت للطارق بالدخول واللي كان أكمل أخويا اللي بمجرد ما دخل راسه من الباب طلب مني بسرعة:
_تبارك بقولك، ممعكيش ٨� � � جنبه سلف وأنا هرجعهملك أول ما أقبض على اخر الشهر، ابوكي رافض يديني أي فلوس وقفل الفيزا بتاعتي.
بصيتله بإستغراب وده لأننا لسة في أول الشهر، بس رديت:
_مش معايا غير ٦٥� � بس!
نفخ بضيق ورد:
_مش مهم يا غالية، هاتيهم وأمري لله.
بصيتله لثواني بذهول قبل ما أعلق على كلامه بصدمة، عشان دي مش أول مرة ودايمًا يسحب مني فلوس من غير ما يرجعها بس الوضع المرة دي مختلف، أنا من غير شغل:
_بس دول كل اللي في جيبي يا أكمل! أنا لسة ملاقتش شغل وللأسف هما دول اللي معايا وهيمشوني لآخر الشهر من هنا لحد ما ألاقي شغل.
_ولازمته إيه الحركات دي يا تبارك ما قولتلك هرجعهملك اول ما أقبض.
_أنا مش حايشاهم عنك، أنا بقولك أنا محتاجاهم بس.
رديت بصدق حقيقي، بس ده معجبش أكمل اللي رجع اتكلم بنفس الضيق والتهكم:
_يبقى خليهملك على الله بس تلاقي شغل ومنضطرش احنا اللي معطف عليكي في الآخر.
ابتسمت بوجع ومع ذلك رديت بحزن:
_شكرًا يا أكمل، بس أنا بقالي سنين بصرف على نفسي ومبطلبش من اي حد منكم حاجة.
ضحك بإستخفاف وتهكم واضح وقبل ما يهبد باب الأوضة وراه كان قال:
_اه، هنشتغل بقى، لا معاكي ربنا يختي.
اتنهدت بألم وعيني بدأت تلمع بالدموع بسبب المعاملة اللي بتعامل بيها من اللي المفروض يبقوا أهلي، لكن مع شكلي اللي بيجيبلهم الكلام من الناس عن قد إيه أنا الوحيدة اللي طلعت وحشة في عيالهم بقيت كارثة بالنسبة لهم، يمكن ده يبان حاجة سخيفة لكن وسط المجتمع والبيئة اللي أنا عايشة فيها كانت المظاهر شعار حياتهم، وبس إللي شكله حلو هو اللي يعرف يعيش وسطهم.
صوت الموبايل بدأ يرن للمرة اللي معرفش عددها برقم هالة من أسبوع بدون ما تيأس بس زعلي منها كان مخليني متجاهلاها لحد ما بعتتلي ماسدج على الموبايل بتقول فيها:
_”أنتِ لسة زعلانة مني يا تبارك؟ طب ردي عليا طيب مرة واحدة بس، فيه حاجة ضرورية عايزة أقولك عليها”
قرأت المسدج وغصب عني بدأت أسامحها من تاني ده غير كلامها اللي خلاني اكتبلها بسرعة:
_”حاجة ايه؟ “.
ثواني ووصلني الرد:
_”لا مش هينفع على التليفون، أنا مستنياكي تحت، إلبسي وانزلي قابليني عشان هنخرج “.
بعتلها بإستغراب:
_”هنخرج فين؟ “.
شافت المسدج وكأنها مخرجتش برا الشات وبعتتلي ريكورد:
_”لا دي مفاجأة، إلبسي يلا وانزليلي”.
اتنهدت بقلة حيلة وبسرعة كنت جهزت ونزلت على تحت، وأول ما لمحتها ساندة على عربيتها سألتها:
_نعم؟
ابتسمتلي إبتسامة لطيفة شبه إبتسامة الطفل اللي عمل حاجة غلط وراجع يعتذر من أمه، وبعدها قربت مني وحضنتني أوي وهي بتتكلم بأسف وبتقولي:
_وحشتيني يا توتة، حقك عليا يا روح قلبي أول واخر مرة والله هزعلك فيها.
بعدت عنها وأنا بتصنع إني لسة متضايقة وده عشان المبدأ وبس في حين إني حنيت لها اصلا عشان اكتشفت انها كانت وحشاني، فرجعت قالتلي بحزن:
_متزعليش مني بقى، أنا خليت بابا رفدهم خالص من المصنع عشان خاطرك.
رفعت نظري ليها بصدمة:
_وبتقطعي عيشهم ليه يا هالة؟
ضحكت بعدم تصديق:
_بقطع عيشهم؟ أنتِ بعد كل ده خايفة على قطع عيشهم يا تبارك بجد؟
_مكنش له لزوم وأنتِ عارفة أنهم محتاجين لأي فلوس دلوقتي عشان خاطر داخلين على جوازهم.
_نو كومنت على الهبل اللي بتقوليه ده في حق الاتنين الخونة دول، تعالي يلا عشان منتأخرش.
خلصت كلامها وهي بتفتحلي باب العربية وبتزقني جواها وأنا بتابعها بصدمة:
_هنتأخر على إيه؟ أنتِ واخداني على فين يا هالة؟
غمزتلي بمكر وهي بتاخد مكانها جنبي:
_دي مفاجأة يا قلبي، بس متقلقيش لما نوصل هتعرفي.
بصيتلها بإستغراب ومعلقتش وده لإني عارفة إني مهما أقول هتمشي اللي في دماغها برضه؛ ففضلت على فضولي لحد ما وصلنا لكافيه وهي طلبت مني أنزل بسرعة فنزلت وأنا مستغربة وماشية معاها لحد ما وصلنا لآخر الكافيه وهنا كانت الصدمة!
_مش ده يبقى.
ابتسمتلي وتجاهلت الإجابة عليا وهي بتبص للي واقف وبتتكلم بلطف:
_إتأخرنا على حضرتك؟
رد بإبتسامة عملية وكان مؤمن:
_لا خالص جايين في ميعادكم بالظبط، معلش طلبت انكم تيجوا فجأة.
بصيتلهم بعدم فهم خاصًة لما ردت عليه هالة وهي بتقعد وبتسحبني:
_لا أبدًا ولا بهمك يا بشمهندس، اقعدي يا تبارك واقفة ليه؟
سألتها بضيق لاني مش فاهمة حاجة ومش فاهمة ده ايه علاقته بالمفاجأة اللي عمالة تتكلم عنها:
_اقعد إيه؟ هو حضرتك عايزنا ليه أصلًا.
بصلي بإستغراب وبعدين سألها:
_هي متعرفش حاحة؟
هزت رأسها بلا فإتنهد هو وقال:
_طيب يا آنسة تبارك، خلاصة الموضوع أنا وصلت للآنسة هالة من بياناتها ال سابتها في المستشفى وده بعد ما مقدرتش أوصلك.
تابعت كلامه بفضول وقلق ورجعت أسأله:
_أنتَ عايز توصلي ليه؟
_أنا واحد من مديرين شركة المحمدي وكنت جاي أعرض عليكي تشتغلي معانا. بس طبعًا كمهندسة جرافيك.
_إيه رأيك مفاجأة حلوة مش كده؟
اتكلمت هالة بفرحة مش عارفة جابتها منين وسط ذهولي وصدمتي من اللي سمعته، حاولت أستوعب اللي بيحصل بس بسبب دوشة هالة مكنتش عارفة أستفسر فآخر ما زهقت شاورلتها وقُلت:
_اهدي كده، شغل إيه اللي حضرتك محتاجني فيه وكمهندسة ازاي وليه أصلًا عايزني أشتغل في الشركة دي وأنا متقبلتش فيها كسكرتيرة؟
سألت مؤمن بإستغراب مرة واحدة، وهو تابعني بصدمة قبل ما يسألني بدوره:
_كل دي أسئلة المفروض أجاوب عليها!
_طبعُا، أنا لازم أفهم.
رديت بجدية، فإتنهد مؤمن وهو بيرجع بضهره لورا وبيتكلم بهدوء:
_واحنا في المستشفى كنت بدور في شنطتك على بياناتك، وبعتذر على ده طبعًا، بس كنت محتاج أعرف بياناتك يمكن أوصل لحد من أهلك، وبالصدفة شُفت ال CV بتاعك فإنبهرت لتقديراتك وحبيت أستغل الموضوع ليا ولشركتي ونكسب مهندسة زيك.
ضيقت عيني بشك ورجعت سألته:
_بس على حسب ما أظن يعني أن شركتكم مكتفية بالعدد اللي فيها، ده غير أنها بتحتاج مواصفات معينة لأي مهندس جديد.
بصيتلي هالة بغيظ وقبل ما يرد مؤمن كان اتكلمت هي بغضب:
_أنتِ بتقطعي على نفسك يا بنتي، وبعدين ده واحد من الإدارة فأكيد هو أدرى طبعًا، بلاش كلامك ده بقى.
خلصت كلامها وهي بترميني بنظراتها اللي كلها توعد وشر، وبعدين بصت لمؤمن تسأله بلطف:
_تقدر تبدأ من بكرة با بشمهندس مش كده؟
حذرتها بضيق:
_هالة!
رد مؤمن وقال بإبتسامة لطيفة وكأني مليش دور في الحوار ده:
_أكيد، تقدر تيجي وقت ما تحب طبعًا وهكون شاكر لو بدأت معانا من بكرة بحيث أعرفها التفاصيل كلها قبل ما ننشغل في الشغل الجديد.
بصيتله بضيق هو التاني وعلقت:
_بس أنا لسة موافقتش على عرض حضرتك!
قِدرت أسمع صوت تمتمة هالة اللي همستلي بغضب وهي بتجز على أسنانها:
_غبية.
تجاهلتها وركزت مع مؤمن اللي وقف وهو مازال محتفظ بإبتسامته وجاوبني:
_رقم تليفوني مع الآنسة هالة، وقت ما تاخدي قرارك ياريت تبلغيني بيه.
اتفزعت اول ما هالة انتفضت في مكانها فورًا بمجرد ما كان لسة هيمشي واتكلمت بسرعة وهي بتقول بلهفة:
_استنى يا بشمهندس لو سمحت، هي اتلاقي الحادثة بس أصرت على مخها ومش عارفة تقرر، بس أنا صاحبتها وعارفة مصلحتها كويس، وهي موافقة.
بصيتلها بذهول بسبب كلامها ومؤمن ضحك على منظري وبص لهالة وقال:
_دي حاجة أحب أسمعها من الآنسة تبارك لو سمحتي.
بصتلي بعصبية ورجعت تهمس تاني:
_تبارك متبقيش غبية، دي فرصتك.
كنت في حالة حيرة كبيرة وبسبب الضغط اللي هالة بتمارسه عليا مقدرتش أفكر فإتحججت بحجج واهية وقولت:
_بس أنا لسة معنديش خبرة ومشتغلتش قبل كده في المجال؟
رد بنفس طريقته اللي بتطمني من غير ما أحس:
_هنكون مبسوطين أنا وفريقي لو دربناكِ بنفسنا في الشركة.
_مفيش احلى من كده والله، هتدربي وتشتغلي في شركة أحلامك.
وكالعادة اتدخلت هالة في الحوار وسط غيظي الشديد منها وقبل ما اخد اي ردة فعل ضدها كان سألني مؤمن:
_تحبي نبدأ من بكرا؟
بصيتله بإستيعاب وزي ما أكون بدأت أستوعب حجم المصيبة اللي اتدبست فيها، فحمحمت بإحراج:
_ان شاء الله، هأكد بليل على حضرتك.
_بإذن الله، يلا بعد اذنكم.
وقفته هالة وهي بتشكره بإبتسامة واسعة:
_شكرًا جدًا يا بشمهندس، صدقني تبارك شاطرة جدًا وبتتعلم بسرعة وعمر حضرتك ما هتندم على اختيارها.
_دي حاجة أنا متأكد منها يا آنسة هالة.
انسحب مؤمن في اللحظة اللي بصيت فيها لهالة بغضب وقولتلها:
_أنتِ إيه الجنان اللي عملتيه ده يا هالة؟
ردت بغضب هي كمان:
_بت أنتِ بطلي هبل، أنتِ غبية يا بت رايحة تقوليله سيبني أفكر، على أساس إيه يا عسل؟ عندك عروض شغل من ده كتير.
هزيت رأسي بتيه ووضحتلها:
_لا بس أنا محتاجة أرتاح الأول، الخطوة دي جت فجأة وأنا لسة مش مستعدة.
اتنهدت هالة بتعب قبل ما تبتسملي وتجاوبني:
_تبارك حبيبتي الفرصة مبتجيش للإنسان غير مرة واحدة بس ويا يستغلها ويمسك فيها بإيديه وسنانه يا يعيش الباقي من عمره بيعض على صوابع إيده من الندم، وفي حالة زي حالتك، أظن فرصة كويسة جدًا إنك تعملي اسم وتنجحي بعيدًا عن عيلتك، وريهم إنك ناجحة من غيرهم ومش محتاجة لدعمهم.
حاولت أبعد كل الأفكار السلبية عني بعد ما سمعت كلامها ولما مقدرتش سألتها بوجع:
_تفتكري هيتقبلوني بشكلي ده يا هالة؟ ولا هيحكموا عليا هما كمان بناءً على شكلي.
عيونها لمعت لما سمعت كلامي لدرجة أن إبتسامتها اتمحت وقالت:
_تبارك يا عمري، أنتِ أحسن بنت في الدنيا، وهما هيبقوا محظوظين بيكي وربنا بيحبهم إن هيخلي إنسانة جميلة ورقيقة زيك تشتغل معاهم.
_بس أنا مش مرتاحة يا هالة، وخايفة أنكسر تاني بنفس الشكل زي كل مرة، ويرموني زي ما حصل قبل كده ويستبدلوني بشكل أحسن وبواحدة جميلة.
_حبيبتي دي شركة كبيرة وناجحة، مبتصبش للتفاهات اللي جريت وراها الشركة التانية الغبية دي، وبعدين أنتِ رايحة تحققي حلمك ومهندسة مش سكرتيرة.
_سيبيني أفكر.
رديت بشرود، فمسكت إيدي تدعمني:
_وافقي، اسمعي مني وافقي وبطلي الهبل ده وحاولي تبصي ثانيتين بس للمستقبل وتفكري بشكل إيجابي هتستفادي إيه وهتبقي فين في المستقبل بفضل الشركة دي.
وصلتني هالة للبيت وفضلت قاعدة باقي اليوم في اوضتي مبعملش حاجة غير إني بفكر وبس، لحد ما استوعبت وأخيرًا إن كلامها طبعًا كله صح، دي فرصة وأنا مش ضامنة أنها تتكرر تاني.
وقبل ما الوقت يتأخر، بعتت لهالة بسرعة وطلبت منها رقم مؤمن عشان أتواصل معاه، وسط طبعًا استظرافها وفخرها بنفسها فقفلت معاها، وروحت بعتت المسدج لمؤمن وكتبتله فيها:
_”السلام عليكم مستر مؤمن، أنا تبارك البنت اللي قابلتها النهاردة، بكلم حضرتك عشان أعرفك اني موافقة اشتغل مع حضرتك، أقدر أجي امتى بكرا؟ ”
فضلت مستنية الرد لثواني وبلا شعور فتحت صورة البروفايل بتاعته وإتأملت فيها لثواني وأنا بسأل نفسي، شخص وسيم ولطيف زي ده ليه مُصر كده يساعدني وعشان إيه؟ أول مرة في المستشفى لما ردلي كرامتي اللي اتدشملت على ايد مروة وحسن بدون ما يتردد لحظة وتاني مرة النهاردة وقت ما عرض عليا شغل أنا بحلم بيه!
استغفرت لما استوعبت إن شرودي في ملامحه طال، وخرجت برا الشات بسرعة ومفيش ثواني ورجعت فتحته تاني أول ما بعتلي ماسدج بيقول فيها:
_”وعليكم السلام، تقدري تيجي بكرا الساعة 9 صباحًا وهكون في إنتظارك عشان نبدأ تدريب”
ابتسمت بإمتنان وسبت التليفون وأنا بردد بفرحة:
_يا رب.
***
صحيت في اليوم التاني وأنا حاسة قلبي بيدق بعنف ومش مصدقة إني خلاص بحقق حلم اتمنيته كتير، جهزت وخرجت وقبل ما أفتح باب الشقة وقفتني امي وسألتني:
_رايحة على فين كده؟
رديت بإختصار كالعادة:
_نازلة تدريب في شركة المحمدي.
شاورت على مظهري وعلامات عدم الرضا واضحة عليها:
_اممم، كده من غير ما تلبسي حاجة مناسبة؟ أنتِ مبتشوفيش مروة بنت عمك بتلبس ازاي؟ بلاش مروة عشان بتضايقي منها، مبتشوفيش كريمان أختك؟
اتنهدت بألم وعيني بدأت تتحول للحزن فبسرعة قولتلها:
_بعد اذن حضرتك أنا متأخرة ومحتاجة أمشي.
تجاهلت كلامي وهي بتشاور على أوضة اختي وبتقولي:
_خُشي غيري القرف ده الأول وإلبسي حاجة من لبس كريمان.
في اللحظة دي خرجت كريمان من أوضتها واللي أول ما سمعت كلامها بصيتلها بضيق وقالت:
_لبسي أنا! بس يا ماما إحنا مش نفس الجسم وكده تبارك هتبوظلي اللبس وهي كده كده اصلا مبتفهمش حاجة في الفاشون، فإستيل خليها باللبس ده وخلاص.
ابتسمت بسخرية:
_للاسف متأخرة ومحتاجة امشي، مرة تانية إن شاء الله.
انتفضت من مكانها بعصبية ورجعت تتكلم وهي بتزعق:
_أنتِ شايفة ده لبس ولا منظر تنزلي بيه؟ أنتِ عايزة اللي في الشركة يضحكوا علينا لما يعرفوا إنك بنت عيلة القاضي؟
بصيتلها بوجع، كل اللي بتفكر فيه بس منظرها قدام الناس مش مهم أي حاجة تانية، مش مهم أنا، أنا ولا حاجة بالنسبة لها.
_فيه إيه يا ماجدة؟ الدوشة دي سببها إيه؟
ده كان صوت بابا اللي سألها، فردت عليه كريمان بضجر:
_هيكون سببها إيه يعني يا بابي؟ ما أكيد مشكلة جديدة سببها تبارك.
استغليت انشغالهم وشكواهم مني ونزلت بسرعة وكالعادة كانت واقفة هالة مستنياني واللي بمجرد ما شافتني علقت على شكلي بضيق:
_إيه يا نكد؟ مكشرة وضاربة بوز ليه؟
_مفيش يلا عشان نمشي.
رديت بحزن فعلقت هالة وهي بتاخد مكانها جنبي في العربية:
_حسبنا الله ونعم الوكيل في دول أهل.
بصيتلها بوجع وبهمس قولتلها:
_هالة لو سمحتي.
_خلاص سكت أهو.
فضلنا على الحال ده لحد ما وصلنا لمقر الشركة وقبل ما انزل فتحت شنطتي وسحبت منها الماسك اللي جبته مخصوص، فبصتلي هالة بصدمة وهي شايفاني بلبس الماسك:
_ايه ده؟ أنتِ بتعملي إيه؟
ابتسمت وأنا برد عليها رغم كل اللي حاسة بيه في اللحظة دي ومنافي لإبتسامتي:
_كده احسن، بلاش أقرف الناس وأخُضهم، كده احسن، أنا لولا شغل بابا كنت لبست النقاب، سمعت أنه مفروض بهيئتي.
عيونها دمعت بعد ما سمعت كلامي فحضنتني وهي بتتكلم بهمس وحزن:
_اوعي تخلي كلامهم يزعجك، أنتِ أحسن منهم كلهم، ياريت لو العالم كله تبارك.
ربت على كتفها بإمتنان لوجودها:
_ربنا يخليكي ليا يا هالة.
سبت هالة ونزلت وقبل ما ادخل للشركة وقفني بتاع الأمن اللي كالعادة بص على بطاقتي وقبل ما يدخلني شاور على الماسك وقال:
_شيلي الماسك ده، مش مسموح لأي حد يدخل بماسك الشركة.
اتنهدت بغيظ بعد كل ده بكل سهولة يمنعوني من الحاجة الوحيدة اللي ممكن تحميني، مدخلتش غير لما شيلت الماسك فعلًا وقربت من موظفة الريسبشن اللي سألتني:
_أساعدك في حاجة؟
ابتسمت غصب عني وأنا بفتكر إن من أسبوع بس جيت هنا عشان أبقى واقفة في مكانها وخرجت مكسورة من المكان، عشان عوض ربنا يجيلي والنهارده ادخل بإسم أتا مكنتش متخيلة إني أوصله في يوم.
_أنا تبارك عبد الحي، جاية هنا في تدريب مع بشمهندس مؤمن و.
ردت بسرعة وهي بتقول:
_اه، البشمهندس مستنيكي فوق في مكتبه الدور التاني اخر مكتب في الكوريدور.
هزيت رأسي بإستغراب معقول مؤمن موصي للدرجة دي عليا:
_تمام، شكرًا.
اتحركت فعلا لفوق وأنا ضربات قلبي بتزيد، وبمجرد ما وصلت قابلني موظف فسألته:
_فين مكتب مستر مؤمن لو سمحت؟
وقبل ما يجاوبني الموظف قربت بنت جميلة مننا وبصراحة هي مش جميلة بس، هي كمان واضح عليها أنها حد مهم أوي في الشركة وده فهمته لما لاقيتها بتشاور للشاب وبتقوله:
_روح شغلك أنتَ، أنتِ عايزة مؤمن في إيه؟
سألتني بنبرة تميل للهجوم وده وترني لكني في النهاية رديت:
_أنا جاية تدريب في تيم مهندسين الجرافيك، ومستر مؤمن طلب اجي النهاردة عشان هيدربني.
ضحكت بإستخاف وهي بتبص على مظهري قبل ما تعلق بسخرية د.بحتني:
_هو مؤمن بيهزر؟ من أمتى وإحنا بنعين مهندسين بالشكل والهيئة دي؟
سمعت كلامها وحسيت ساعتها إني في دوامة بتسحبني للمرة اللي معرفش عددها، ورغم ده حاولت أبان قوية وسألتها بنبرة مهزوزة:
_حضرتك بتكلميني أنا؟
رجعت تضحك تاني بإستخفاف وبكل بساطة وعنجهية جاوبتني:
_أومال هكون بكلم مين يا حبيبتي؟ أنتِ شايفة شكلك عامل ازاي؟ من كل عقلك فاكرة بقى إننا ممكن نعين حد بهيئتك دي!
بلعت الإهانة بصمت، بس لأول مرة أقرر أواجه فبصيتلها وقولت:
_أنا هبقى هنا مهندسة، إيه علاقة شكلي بالشغل؟ ايه أهم لشركتكم شغلي ولا شكلي؟
ابتسمت بسخرية قبل ما تجاوبني:
_وهي شركتنا يا حبيبتي بتعتمد على إيه ولا قايمة على مين غير المهندسين، واللي أنتِ أكيد عندك علم وخلفية أنهم وجهة أولى للمكان! ولا مظنش بصراحة أنك تكوني تعرفي ده والا مكنتيش هتجاذفي وتيجي لهنا.
عيني لمعت بالدموع وبدل ما أحس بالإتكسار تضاعف جوايا شعوري بالغضب وفي اللحظة دي رديت جزء من كبريائي وقولتلها:
_حضرتك تبقي مين هنا عشان تتكلمي معايا بالشكل ده! أو تاخدي دور القاضي والناقد اللي بيحب ينتقد غيره، لمجرد بس إنك تثبتي حاجة لنفسك حتى لو كان على حساب إنك تجرحي انسان في كرامته واللي هي أغلى حاجة بيمتلكها.
ردت ببساطة:
_ده بدل ما تشكريني إني بفهمك اللي هيحصل لو حد في وضعك حَب يِسرح بخياله!
كنت زي ما أكون وصلت لأقصى درجات صبري بعد كلامها اللي كان القشة اللي قسمت ظهر البعير، وده خلاني أبصلها بكره وبعصبية كلمتها:
_أنتِ مين عشان تفهميني! أنتِ مين أصلًا عشان تحكمي عليا بناءً على حاجة أنا مليش دخل بيها، أنتِ فاكرة نفسك إيه بالظبط، كفاية تسلط بقى وسيبوني في حالي أعيش وأحاول أرمم المتدمر مني بسببكوا.
فتحت عينيها بذهول وقربت مني فجأة وهي بتعلي صوتها اللي كان واضح عليه للغضب:
_أنتِ اتجننتي يا بتاعة أنتِ ازاي تتجرأي وترفعي صوتك وتكلميني كده، أنتِ متعرفيش أنا مبن؟
الموظفين في الشركة بدأوا يتجمعوا على صوتها، وسط برودي رغم انكساري لكني للمرة الأولى قررت آخد حقي:
_أنتِ ولا حاجة ولا أنا يلزمني أعرف حد سطحي زيك بيتصرف بالشكل ده!
هزت رأسها بتفاجئ وكأنها مصدومة إني أقدر أرد عادي ودافع عن حقي، وبعدها رجعت تتكلم بنفس العصبية والغضب:
_لا دي وسعت منك خالص، أنا بقى هخليكي تعيشي الباقي من عمرك متنسيش الشخصية السطحية دي، مبقاش شاهيناز إن ما خليتك تندمي على اللحظة اللي وقفتي فيها هنا.
كنت هتجاهلها وامشي وأنا مقررة مدخلش المكان ده تاني واللي بينجح كل مرة يسببلي جر. ح جديد في قلبي لكني وقفت في مكاني مصدومة اول ما لمحت نيار اللي قربت مننا بتسألها بإستغراب:
_فيه إيه يا شاهي؟ صوتك عالي ليه كده؟
بصيتلها وفجأة ملامحها اتبدلت للحزن وبسرعة اتكلمت:
_تعالي شوفي يا نيار مؤمن جايب مين يشغله معانا! راح جاب واحدة مش عارفة منين أداهية وعايزنا ندربها، لا وكمان بتطاول عليا في الكلام؟
نيار بصتلها بآستغراب قبل ما اتحرك نظرها ليا واللي في ثواني انصدمت من وجودي وسألتني:
_ايه ده؟ هو مش أنتِ البنت اللي جت هنا من كام يوم في انترفيو السكرتيرة؟
بلعت ريقي بإحراج رغم اني طريقتها كانت عبارة عن تساؤل بس، وقبل ما اخد أي ردة فعل رجعت شاهيناز تتكلم بنفس طريقتها:
_كمان! كمان جت تعمل انترفيو لشغل السكرتارية! جايبة منين كل الثقة دي يا قلبي! لا بصراحة بحييكي على ثقتك بنفسك.
عيوني وسعت بألم ونفس الوضع بالنسبة لنيار اللي قالت بضيق:
_شاهيناز ميصحش كده.
ردت عليها بغضب:
_هو إيه اللي ميصحش يا نيار؟ بقولك البنت دي تطاولت عليا بالكلام وقلت أدبها، بس أنا مش هسكت، ان مؤمن مجابليش حقي منها وطردها زي ما جابها أنا هروح لعمار جوزك وهو يتصرف.
_أنتِ عايزاني أطرد مين يا شاهيناز!
حسيت بألم فظيع وظلم كان فوق العادي بالنسبة ليا وقبل ما اخد اي شيء ضدها بسبب غلي اللي اتكون للمرة الأولى كان
