إنتقام حورية بقلم رولا هاني
إنتقام حورية بقلم رولا هاني
نهضت من علي الفراش وظلت تتقدم عدة خطوات للأمام وهي حافية القدمين، شهقة خافتة خرجت من بين شفتيها عندما تلامست قدمها اليسري ببقايا الزجاج المحطم المتناثر علي الأرضية، ازدردت ريقها بكل صعوبة وهي تعض علي شفتيها بألمٍ ليس من الالام قدمها بل من الالام حالتها البدنية والنفسية فما تعرضت له تلك المسكينة ليس بالسهل ولا حتي يتحمله أي إنسان!
و أخيرًا وبعد معاناة كبيرة بسبب خطواتها البطيئة المتئدة وصلت أمام تلك المرآة. نعم كانت تريد رؤية حالتها الواهنة بعد ما تعرضت له وبالفعل نجحت، عيناها المنتفختان من كثرة البكاء، صوتها الذي لا يخرج من كثرة الصراخ، وجهها المتورم من كثرة تلك الصفعات، ملابسها الممزقة التي باتت غير صالحة للإستخدام، دمائها التي تغمر ثوبها الأبيض! ثوبها الأبيض الذي كانت تقفز فرحًا كالطفلة به ليأتي ذلك الذئب محطمًا أمالها وأحلامها البريئة!
علامات كريهة باتت علي جسدها من كدمات زرقاء وبنفسجية اللون وما إن شردت بحالتها المزرية حتي أشاحت بوجهها عن المرآة مشمئزة من حالتها التي باتت مثيرة للشفقة كل ما كانت تتمناه أصبح لا شئ كل أحلامها الطفولية أصبحت لا شئ، وهنا ظهر علامات وتعابير مرعبة علي وجهها لا تناسبها أبدًا وبتلك اللحظة نست جراحها التي لم تندمل بعد من اللحظة هي تحتاج فقط لإعادة كبريائها لتمحي إهانتها الشنيعة التي حدثت علي يد ذلك الحقير، ذلك الحقير الذي سيظل يلاحقها بكل مرة تنغمس فيها بأحلامها.
عادت لتنظر لهيئتها مجددًا لتحفظ ذلك المظهر جيدًا ذلك المظهر الذي ستثأر له ولو بعد سنوات، نظرت حولها خشية من وجوده فإطمئنت وهدأت نبضات قلبها المتسارعة، ثم جثت علي ركبتيها وتركت الحرية لصرختها العالية المفزعة التي عبرت عن كم الألم الذي تشعر به، هي تعلم وتزكن جيدًا إن صراخها لن يفيد ولكن ليخرج القليل من الالامها لتستطيع العيش مجددًا وإن كان لها حياة بعدما تعلم عائلتها بما حدث لها، وإن كان لها حياة بعد ما حدث لها!
وضعت كلا كفيها علي الأرضية الباردة غير مكترثة لبقايا الزجاج الذي عليه ثم إستندت عليهما لتستطيع النهوض وبالفعل نجحت ثم قلبت نظرها بالمكان لتجد شئ ما تستر به جسدها الشبه عاري فوجدت سترته ملقاه علي الأرض بجانب السرير فتلاحقت أنفاسها وهي تشعر بالنفور تجاه كل شئ يخصه ولكن لا يجب الإستسلام بتلك السهولة لذا توجهت ناحيتها وإلتقطتها بإشمئزاز وإرتدتها ببطئ شديدٍ وهي تشعر بإزدراء شديد تجاه رائحة عطره التي زكمت أنفها فظلت تتنفس بصورة سريعة وكأنها تختنق، ثم أخذت تركض خارج ذلك المنزل الذي إنتهي كل شى يخص برائتها به!
بينما يتابعها شخص ما من خلال شرفته الخاصة بغرفته بذلك المنزل وقد إرتسم علي ثغره إبتسامة ساخرة متهكمة ليتباهي بنفسه بتلك الصورة المستفزة!
…
إنهمرت دموعها الحارة علي وجنتيها لتلهبهما بلا رحمة، بالرغم من قوتها وكبريائها الا إنها بدت ضعيفة كورقة الشجر الصغيرة التي داهمتها الرياح، رفعت عنقها قليلًا لتنظر للخارج بنظرات مذعورة فإرتجفت بعنفٍ عندما إستمعت لصراخهم وشجارهم، وظلت تتوقع قيام شقيقها بقتلها بأي لحظة!
إلتمعت عيناها بوميضٍ قوي عندما رأت النافذة المفتوحة، لما لا تنهي كل ما يحدث! لما لا تلقي بنفسها من النافذة لينتهي عذابها الغير محتمل!
زحفت ببطئ لتقف علي قدميها بصعوبة بالغة، ثم تقدمت من النافذة بخطواتٍ واهنة متعرجة ولكن منعها شقيقها من التقدم عندما إلتقط خصلاتها بقبضته بمنتهي القسوة صارخًا ب:
-مين اللي عمل كدة يا ****، إنطقي يا بت.
وضعت يدها علي قبضته ثم نظرت له بتوسلٍ ليتركها ولكنه لم يرحمها.
صفعها شقيقها عدة مرات ثم صرخ مجددًا بإهتياج وهو يهزها بعنفٍ:
-هقتلك يا “حورية” لو منطقتيش.
إتسعت حدقتيها بقوة عندما رأت والدتها تلتقط حذائها لتنهال عليها بالضربات العنيفة غير مكترثة لتلك الجروح والكدمات التي تملئ جسدها، صوت صرخاتها الضعيفة عم المكان نتيجة لما تتعرضه علي يد أقرب الناس لها.
صاحت والدتها بإحتقان وهي تلطمها علي وجهها:
-إنطقي يا بت مين اللي عمل كدة.
لم يعطوها فرصة لتجيبهم من الأساس بل شاركهم والدها هو الأخر لينهال عليها بالضربات العنيفة بحزامه الجلدي!
نظرت لهم بقهرٍ لعلهم يشعروا بكم الالام التي تشعر بها، ومن وسط الألم الشديد الذي تشعر به بسببهم وبسبب ضرباتهم العنيفة، وكلماتهم الجارحة، ونظراتهم المؤلمة دار بعقلها عدة أسئلة، لما لم تحتضنها والدتها لتكن في مؤازرتها! لما لم يربت والدها علي كتفها ليكن بجانبها فقط! لما لم يساعدها شقيقها في إعادة كرامتها وكبريائها الذي تم إهدارهما بأسوء الطرق!
لم تتحمل ما يحدث لذا دفعت والدتها بعيدًا عنها والتي كانت أشد قسوة من بينهم لتصرخ بحسرة وجسدها الهزيل يرتجف بشدة:
-“ليث الرفاعي”، “ليث الرفاعي” اللي عمل فيا كدة.
ثم أخذت تنتحب بوهن وإزداد شعورها بالألم عندما رأت والدتها تنوح بقلة حيلة قائلة بخوفٍ:
-روحنا فداهيا، وديتينا فداهيا يا “حورية” كدة هيطرد أبوكي من الشغل ونشحت وديتينا فداهيا.
هز شقيقها رأسه عدة مرات بإرتعادٍ خاصة عندما زكن بحجم الكارثة التي حلت علي رأسهم بسبب شقيقته، ولكن نيران الإنتقام والثأر كانت تتأجج بصدره لذا هتف بجمودٍ وهو يشير بسبابته لهم:
-انا مش هسكت دة لازم يتجوزها، برضاه او غصب عنه هيتجوزها.
حذره والده بقلة حيلة بعدما إرتمي بجسده علي الأريكة ليقع جالسًا:
-لا يا “جهاد” يابني إحنا مش قده محدش يقدر عليه.
تدخلت الأم قائلة بصرامة لا تتحمل النقاش:
-لا إبنك بيتكلم في الصح، إنتوا لازم تتكلموا معاه دي كدة هتجيبلنا فضايح وإحنا مش ناقصين.
أخذوا يتناقشوا حول تلك المصيبة بينما هي تتابعهم وقد لاح علي وجهها إبتسامة مريرة ساخرة، إبتلعت تلك الغصة المريرة لتنظر صوب ذراعيها لتري تلك الكدمات الزرقاء التي باتت واضحة علي معصميها فتذكرت تلك الصورة المهينة التي كانت مكبلة بها فزاد شعورها بالقهر والذل، قلبت نظرها بالمكان لتجده خالٍ لا يوجد أي شخص به سواه، لا يوجد سوي ظله المرعب الذي يخيفها فيجعلها بتلك الحالة المثيرة للشفقة، تعلقت أنظارها علي ساقيها لتلاحظ تلك الكدمات التي تثير إشمئزازها فتذكرت حزامه الجلدي الذي كان يتهاوي علي جسدها بلا تردد وبلا رحمة.
ظله يقترب وروحها تحترق.
ظله يقترب وقلبها يتحطم.
ظله يقترب وجسدها يرتجف.
ظله يقترب ودموعها تتهاوي.
ظله يقترب وأنفاسها تتلاحق.
لم تحتمل رأسها المسكينة كل تلك الأفكار الشنيعة التي تراودها لذا فضلت الهروب من الواقع، داهمها ذلك الدوار العنيف وأصبحت الرؤية لديها مشوشة لذا أطبقت جفنيها بإستسلامٍ ملحوظٍ ثم لم تشعر بإي شئ بعدها فقط إرتطم جسدها بالأرض بسبب سقوطها فاقدة الوعي.
…
كان ينفث دخان سيجارته وبيده كأس من الخمر، وشعور الإنتشاء يسيطر عليه، ها هو قد نال مبتغاه من تلك التي تحدته بلا خوف، إرتشف عدة رشفات من كأس الخمر الذي بيده ثم نظر لصورتها التي زينت شاشة هاتفه بشرودٍ، كم كانت جميلة بالرغم من الحقد الذي يشعر به تجاهها! كم سحره جمالها الهادئ! خصلاتها البنية المسترسلة، رماديتاها الحادتان، شفتاها المكتنزتان، أنفها الصغير، وجنتاها المصابتان بحمرة طبيعية جذابة، كانت كالأسطورة الخيالية تخبل العقل خاصة عندما رأها بذلك الفستان الأبيض، كانت كالفراشة الخفيفة تتراقص بسعادة بذلك الحفل الخاص بشركته، ولكنه هو من حطم غرورها وكسر كبريائها وعندما راودته تلك الأفكار إزداد فخره بنفسه وعنجهيته فتباهي بنفسه قائلًا بتكبرٍ:
-عشان تعرف مين هو “ليث الرفاعي”
كان هناك طرقات خفيفة علي باب مكتبه فأذن لمن بالخارج بالدخول فدلف حارسه الشخصي قائلًا بجدية وملامحه جامدة:
-جُم برة يا باشا.
قهقه بقوة حتي أدمعت عيناه فقد حدث ما توقعه تمامًا هم من سيأتوا ليتوسلوا له، كم تمني ليري تحطمها مجددًا! كم يشعر بالنشوة المريضة كلما رأي عبراتها التي تغمر وجنتيها من قوة شعور الإذلال والقهر!
أمر حارسه الشخصي بالإنصراف ثم نهض من علي كرسيه ليتنفس بهدوء قائلًا بإنتصار:
-عشان تتعلم تفكر قبل ما تتحدي حد هي مش قده.
تعلق نظره علي إنعكاس صورته بالمرآة فلفت نظره تلك الخدوش البارزه علي عنقه ووجهه فإرتسم علي وجهه إبتسامة جانبية ساخرة وهو يتذكر مقاومتها الهزيلة له وحالتها المزرية التي إستلذ رؤيتها وكأن ما يمده بالحياة هو عذاب تلك المسكينة!
…