حكايات زهرة الربيع كارم الجزء الثالث

انطلقت الرصاصة الحية فشقت صمت المزرعة بصوت يرعب القلوب، وفي جزء من الثانية، كارم غمّض عينيه ومستني جسمه يتخرم والألم يمزقه… بس الرصاصة جات في كتفه الشمال! وقع كارم على الأرض مغمى عليه نص إغماءة، والدم بدأ ينزف بغزارة يبلل هدومه والتراب تحتيه. في نفس اللحظة، اقتحمت قوات الشرطة المزرعة بعد ما كسرت الأبواب، ومعاهم حازم ومحمود وسالم!

المكان أتحول لساحة جحيم؛ رجال صابر الدالي حاولوا يهربوا، بس الشرطة سيطرت على المزرعة في دقائق معدودة، ومسكوا صابر وممدوح متلبسين بالشنطة، والأسلحة، والشيكات المفرودة على الترابيزة!
محمود أول ما شاف ابنه سايح في دمه على الأرض، صرخ صرخة طلعت من أسرار قلبه:
“كارم!! يا بني!!”
جرى محمود وسالم وحازم على كارم، قعد محمود على ركبه وهو بيبكي بحرقة، رفع رأس ابنه على رجله وحط إيده على كتف كارم بيحاول يوقف النزيف، ودموعه نازلة على وش كارم زي المطر:
“سامحني يا بني… سامحني يا كارم! أنا السبب… أنا اللي قسيت عليك وضغطت عليك!”
سالم جرى على الترابيزة وسحب الشيكات والملف بالكامل قبل ما حد يلمسهم، وبص للملازم اللي قيّد ممدوح وصابر وقال بصوت يزلزل الأرض:
“التسجيلات والشيكات والمؤامرة دي كلها مثبتة، والأستاذ ممدوح وصابر الدالي مكانهم النيابة والمحاكمة!”
ممدوح كان واقف وشه أصفر زي الميت، بيحاول ينكر وهو بيترعش:
“يا محمود… يا سالم… افهموني! صابر هو اللي استغلني ورتب كل ده!”
سالم قرب منه وضربوا بصوت ناشف:
“اخس عليك يا قليل الأصل! تبيع دمك وأختك وعيال أخوك عشان شوية فلوس وورث؟! والله ما هنسيبك إلا وأنت ورا الشمس!”
كارم فتح عينيه بالعافية، الشوف كان مغبش والوجع بيقطع في جسمه، بس شاف وش أبوه محمود وهو بيعيط فوقيه، وشاف عمو سالم ماسك إيده التانية وبيدعيله.
ابتسم كارم ابتسامة مكسورة ومخلوطة بالدم، وقال بصوت مبحوح ويا دوب مسموع:
“يا بابا… يا عمي… الشيكات… الشيكات اتحرقت؟ أنتم… أنتم أحرار دلوقتي؟”
محمود ضم ابنه لصدوره وهو بينتحب:
“إحنا أحرار بيك يا كارم… أنت عملت اللي ما يعملهوش رجالة، أنت أنقذت العيلة كلها يا بني! حط نفسك في الشفا واهدى… الإسعاف جاية في الطريق!”
سالم بس رأس كارم وقال بدموع:
“أنت ابن أصول يا كارم… والدم اللي في عروقك طاهر، ومهما حصل أنت ابن أخويا وسندي، وسامحني إن حطيتك في الضغط ده كله.”
ووصلت سيارة الإسعاف، ونقلوا كارم بسرعة للرعاية المركزة في أكبر مستشفى، بينما الشرطة أخدت صابر وممدوح ورجالتهم على التخشيبة للتفتيش والتحقيق.
مرت ثلاثة أيام…
كان كارم في غرفة المستشفى، مركب أجهزة ومحاليل، وكتفه متضمد. كانت الغرفة مليانة؛ محمود قاعد جنبه مش بيفارق كرسيه، وسالم واقف يطمن عليه، وعلياء وحازم ونورهان موجودين كلهم في الأوضة.
علياء قربت من سرير كارم، وبصت له بنظرة فيها احترام كبير وتقدير حقيقي، وقالت بكل هدوء ونبل:
“ألف سلامة عليك يا كارم… أنت أثبت للكل النهاردة إن الجينات الطيب والأصول هي اللي بتكسب في الآخر. أنت ما أنقذتش بابا وعمي بس، أنت أنقذت نفسك وصححت غلطتك بطريقة تخلينا كلنا نرفع راسنا بيك.”
كارم بص لعلياء بحياء وكسرة، وقال بصوت واطي:
“علياء… أنا آسف على كل كلمة قلتها في حقك، وعلى البجاحة اللي دخلت بيها شقتكم. حازم راجل محترم ويستاهلك، وأنتم تليقوا ببعض جداً… وأنا بتمنى لكم من قلبي كل الخير والسعادة.”
حازم قرب ومسك إيد كارم وقال بنبل:
“الموقف اللي أنت وقفته في المزرعة يا كارم أثبت لي إنك راجل بمعنى الكلمة، والشرف ليا إننا نكون عيلة واحدة وأخوات.”
نورهان بصت لكارم بابتسامة وقالت:
“ودلوقتي يا كارم… بعد ما الكابوس ده كله انتهى، وممدوح وصابر محبوسين، والشيكات اتدمرت، والكل عرف أصله… ناوي تعمل إيه في حياتك الجاية؟”
سكت كارم لحظة، وبص لأبوه محمود ولعمو سالم، وقال بتصميم ونظرة جديدة خالص:
“ناوي أبدأ من الصفر… هسيب الشغل القديم، وهشتغل بعرقي وجهدي من غير وساطة ولا جمايل. ناوي أثبت لنفسي ولأبويا ولعمي إن كارم الجديد غير كارم القديم خالص.”
محمود مسك إيد ابنه وقال بابتسامة مليانة فخر:
“وأنا معجب بيك وسند لك يا بني… بس قبل ما تبدأ من الصفر، في حاجة معينة لازم نعملها الأسبوع الجاي!”
كارم استغرب وبص لأبوه:
“حاجة إيه يا بابا؟”
سالم ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
“خطوبة علياء وحازم الأسبوع الجاي… وأنت اللي هتكون وكيل العروسة واقف جنب مني، عشان نعرف الناس كلها من هو ابن عم العروسة ومن هي عيلتنا!”
كارم حست دموعه هتنزل من كثرة الفرحة، ولأول مرة من فترة طويلة حس بالراحة والأمان وسط عيلته اللي ضحى عشانها وضحت عشانه.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *