قيد الرفاعي بقلم فلونة الجزء الثاني

بعد كام يوم، آسر كان بيستعد لحفلة سنوية كبيرة بتجمع قيادات أمنية ورجال أعمال، والحفلة دي كانت أول ظهور رسمي لمليكة كـ “سيدة مجتمع” وليست مجرد عروسة مستخبية في الفيلا. آسر كان عايز يثبت للكل إن اختياره كان في محله، وإنه قدر يحوّل “البنت الريفية” لأسطورة تمشي على الأرض.
​يوم الحفلة، آسر دخل الجناح لقى مليكة لابسة فستان أسود ملكي، ضيق لدرجة إنه كأنه منحوت عليها، وشعرها الأسود القصير متسرح بحدة بيبرز ملامح وشها اللي بقت منحوتة بالبرود.
​آسر وقف قدامها وطلع علبة قطيفة حمراء، فتحها وطلع منها “خنجر” صغير جداً، غلافه مرصع بالألماظ، ومسكه لها:
— “الخنجر ده مش مجرد زينة يا مليكة.. ده هدية مني ليكي. حطيه في جراب الفستان، عشان النهاردة هتقابلي ناس، عينيهم ممكن تق*تلك قبل كلامهم.”
​مليكة خدت الخنجر منه ببرود، ولمست نصله بصبعها:
— “أنا مابقتش بخاف من العيون يا آسر.. أنا بقيت بخاف على اللي بيبص لي منها.”
​وصلوا الحفلة، وبمجرد ما دخلوا، القاعة كلها سكتت. آسر كان ماشي وفرد ضهره، ومليكة في إيده كأنها قطعة من الليل، غامضة وجميلة ومرعبة في نفس الوقت. الكل كان بيهمس: “مين دي؟”، “دي بنت الهواري؟”، “إزاي اتغيرت كدة؟”.
​في نص السهرة، آسر ساب مليكة لحظات عشان يكلم لواء مهم، وفي اللحظة دي قرب منها راجل من منافسي آسر، وبص لها بنظرة استهزاء:
— “مبروك يا هانم.. بس يا ترى الريف لسه معلم فيكي؟ ولا آسر باشا قدر يمسح ريحة الأرض من هدومك؟”
​مليكة لفت له بهدوء يسبق العاصفة، وبصت له من فوق لتحت بابتسامة خبيثة:
— “ريحة الأرض دي هي اللي بتطلع الرجالة يا (يا باشا).. لكن ريحة الخوف اللي طالعة منك دلوقتي، هي اللي بتقول إنك عارف إنك واقف قدام اللي كسر عيلة الهواري وحكمهم. فلو خايف على مكانك، ابعد عن طريقي، لأن آسر مبيحبش حد يلمس ممتلكاته.. وأنا مابحبش حد يوسخ نظري.”
​الراجل وشه جاب ألوان وانسحب بسرعة، وآسر كان مراقب المشهد من بعيد بابتسامة انتصار. قرب منها وحاوط خصرها بإيده:
— “كنت واثق إنك مش محتاجة حماية.”
​مليكة بصت له وقالت بصوت واطي:
— “أنا حماية نفسي يا آسر.. وأنت الحماية اللي بستخدمها لما بزهق من الكلام.”
​وهما راجعين في العربية، آسر كان بيبص لها بنظرات مختلفة، نظرات فيها رغبة حقيقية مش بس تملك. مسك إيدها وباسها بقوة:
— “مليكة.. أنتي بقيتي النسخة اللي أنا كنت بحلم بيها. بس أحياناً بحن لمليكة القديمة، اللي كانت بتترعش في حضني.”
​مليكة سحبت إيدها بهدوء وبصت له بعيون ثابتة:
— “مليكة القديمة دُفنت في تراب الصعيد يا آسر.. اللي قدامك دي أنت اللي صنعتها، فمتشتكيش من البرد اللي بقيت بتعيش فيه معايا. الجمال اللي أنت بتملكه دلوقتي، تمنه إنك خسرت البنت اللي كانت ممكن تحبك بجد.”
​آسر سكت، ولأول مرة يحس بغصة في قلبه. هو فعلًا امتلك الأرض، والسرايا، ومليكة.. بس خسر “الروح” اللي كان ممكن تخلي السجن ده جنة. كملوا الطريق في صمت، صمت تقيل بيقول إن الحرب لسه طويلة، وإن السجان والمسجون بقوا محبوسين في زنزانة واحدة، مفيش حد فيهم معاه المفتاح.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *